رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شاجال.. بهجة وحلم وحب

بين الحب والخوف.. فى خضم الأشواق والأشجان.. فى فورة الفن الحديث عاش شاجال حياة لها مذاقها الخاص.. الخوف يحكمه.. يخاف ألاّ يُرضى الناس. يخاف ألاّ يبيع لوحاته.. يخاف أن يموت من الجوع.. فى أعماقه خوف متأصل من كثرة ما لقى فى صباه من متاعب وشقاء.. ولكى يخلق داخله شعورًا بالأمان والراحة نسج لنفسه عالماً خاصاً خيالياً مليئاً بالسعادة والحبور، فالناس فى لوحاته كلهم سعداء.. الفقراء المعدمون سعداء.. المشوَّهون سعداء.. العشاق يسبحون فى غيوم ملأى بالهناء، الموسيقيون أصحاب وجوه كرؤوس العصافير الصادحة.. من قسوة الواقع ابتعد شاجال عن مشكـلات العالم ولجأ إلى قصصه الخيالية يحوِّلها ــ عامداً متعمداً ــ إلى حواديت ساذجة بريئة.. وهنا تكمن عبقريته، وسرَّه الخاص الذى انغلق عليه هو نفسه حتى أنه قال بسذاجة أو بدهاء: «أنا لا أفهم شاجال»!

لوحاته.. تخيلات عجيبة تختلط فيها شتى الكائنات.. النبات بالحيوان بالإنسان، والإنس بالجن، والأرض بالسماء، والماء بالهواء.. تختلط فيها «فيتبسك» القرية الروسية التى أنجبته بباريس العاصمة الفرنسية التى احتضنته.. وتحلق فى سماواتها الأسماك المجنحة، ويحوِّم بين سحاباتها العشاق.. الوجوه فى خيالاته خضراء أو صفراء أو حمراء، والأجسام كالبللور تشف عما بداخلها من أجنّة فى الأرحام.. للمنازل عيون، والطيور تعزف على القيثار.. عالم أثيرى يخلو من الثقل.. من الالتصاق بالأرض.. تطفو فيه الأجرام، وليس للزمان فيه شطآن.. غير أنه ليس بالعالم الخرافى أو شطحات خيال، وإنما تعبير صادق عن جوهر الفنان.. عن مهجة المبدع.. عن وجدانه الداخلي.. عن رصده للأشياء وشفافية مرآته الداخلية العاكسة للأحلام.. معزوفات تهتز لها أوتار قلبه.. موسيقى سكنته لها صدى الشجو والطرب، والحنين إلى الديار، والهيام بالحبيب.. شجو لا يخلو من شجن، وطرب لا يخلو من أسى، وحنين لا يخلو من لهفة أو هلع.. هيام كالشدو حيناً، وصبابة ولوعة وجوى فى غالب الأحيان..


على مدى نصف قرن من الزمان لم تتغير رؤياه الفنية، وكأنها استغرقته فلم يستطع منها فكاكاً، وظلت تلاحقه بشخوصها وأطيافها ورموزها وإيحاءاتها وديكوراتها.. لوحاته أشبه بقصة واحدة وإن تعددت المشاهد، أو لعلها مشهد واحد هو بعينه وذاته نراه من شتى زواياه..

«شاعر الرسم» المقيم فى نقطة (الشاجالية) بين الواقع والخيال، بين الأسطورة وروح العصر، بين الحب الذى يحمله للعالم، والعالم الذى يفتك بالخيال، هو الذى جعله يصور كل شىء مقلوباً متجهاً إما إلى الأرض وإما إلى السماء.. هذا الحب عبَّر عنه بشخوصه الذين «يطيرون من الفرح» إثر قُبلة خاطفة فى أجواء اللوحة، وكأنهم داخل كبسولة فضاء يعيشون حالة انعدام الوزن التى تعتبر من أشد حالات الانفعال سعادة ونشوة.

«مارك زخاروفيتش شاجال».. الذى قال عنه المفكر الفرنسى «أندريه مالرو»: «أعظم ملون عرفه عصرنا»، ولد فى مدينة «فيتبسك» الروسية عام 1887 فى أحد الأكواخ الفقيرة واحداً من ثمانية أبناء يثقلون كاهل الأب بائع الرنجة الذى يعود محطماً للبيت، محنىَّ الظهر، شاحب الوجه، مقطَّب الجبين، اكتسى وجهه بالتجاعيد والغضون، تفوح من ثيابه رائحة السمك المقدد التى تُزكِم الأنوف، وما أن ينتهى الأب من تناول لقيماته حتى يلقى بجسده المتهالك فوق أى أرض ليملأ المحيط بشخير كنفثات قطار السكة الحديد.. الطفل شاجال يتطلع للساحة الممتدة أمام الكوخ عبر زجاج النافذة الدامع بقطرات المطر.. يتأمل مداخن الأكواخ تنفث الدخان، وأبراج الكنائس التى تلتحف بالضباب، والمنازل الملونة كالدمى الصغيرة مزروعة فى قلب الأشجار المورقة، والحقول الخضراء.. وهناك على مرمى البصر التل يطل على المدينة الساكنة كأنها خلت من البشر.. يأخذه السحر بعيداً مع عزف عمه العجوز على أوتار الكمان على رتم المقطوعات الفولكلورية، فيمتزج اللحن الجماعى فى البصيرة الداخلية ويتأصّل متجذراً فى الأعماق ليخرج فيما بعد أسلوبًا وفناً له تفرده.. كان فى صباه يأمل أن يغدو مغنيًا أو عازفًا مثل العم، وكشفت الصدفة وحدها لأحد أصدقاء العائلة أن مارك الصغير يمتلك موهبة نادرة فى الرسم.. وهكذا تحدد مستقبل الفتى الحالم مارك شاجال الذى كان يسمع عن باريس الفن وما يمكن أن تهيئه للموهوبين الوافدين من شرايين العالم لاصطياد فرص النجاح والإبداع..

وفى صيف 1910 اشترى مارك بنقوده المتواضعة التى كان يدخرها من عمله المتواضع فى استوديوهات التصوير الفوتوغرافى تذكرة ذهاب بلا عودة إلى باريس.. مدينة السحر والفن والنور.. كل ما حمله يافع العود المهاجر «بقجة» ملابس متواضعة، وبراءة طفولية ساذجة، وأحلام لا تسعها الدنيا، وغليان فنى يموج بداخله يريد الفوز بإطلالة ليخرج للدنيا وإطلالة لتنظر الدنيا إليه، ونظرة انبهار للعالم الجديد المغمور بالأضواء، وعلب الليل لا تنام وتنفث أبوابها المغلقة فى عتمة الصقيع بخارا محملا بأنفاس السهر والمجون.. كانت شطحات خياله هى كل رأسماله الذى استثمره فى مهجره.. كان خياله الجامح الشيء الوحيد الذى ميَّزه عن غيره من الفنانين رواد الحركة التأثيرية والتكعيبية والتعبيرية الذين تعج بهم باريس.. ولم تكن السيريالية التى تشع من لوحاته ظاهرة مكتسبة أو نظرية تلقاها من خارج ذاته، لكنها كانت طبيعة تسكن داخله.. كانت نظراته للكون من حوله نظرة أسطورية يختلط فيها الواقع بالحلم، والحقيقة بالخيال، فلا يتورع الملهَم من رسم الآدميين برؤوس أبقار، ولا الأسماك تعزف الكمان محلقة فى الفضاء، ولا العروس فى ثوب زفافها تحمل فوق كتفها أكثر من رأس، ولا الناس يطيرون بأجنحة الفراشات.. حيث لا أرض ولا سماء.. فضاء شاسع تسبح فيه الكائنات بلا سدود أو حدود.. خيال يحتضن الكون كله عكسته مرآة وفرشاة مارك شاجال.

وفجأة فى عام 1914 ترسل خطيبته «بيللا» التى تركها تنتظره فى بلدته «فيتبسك» تقول انها خلاص قد ملّت الانتظار والتقت بالفعل بأحدهم فى فناء المسرح وهناك شبه اتفاق.. يقفز شاجال إلى القطار معتقدا أنه سيغيب عند «بيللا» لأسبوعين ليُعيد مجرى الحب والانتظار لنقائه ثانية.. لكنه ظل ثمانية أعوام فى روسيا.. الحبيبة «بيللا روزينفيلد» الزوجة الأولى كانت ساحرة العيون سوداء الشعر والأهداب، سليلة أغنى الأسر فى «فيتبسك»، تلاقيا عام ١٩٠٩ فى منزل أحد الأصدقاء لينسج الحب روايته، وقالت «بيللا» فى مذكراتها: «إنها لم تكن فى أول الأمر تلقى اهتمامًا بذلك الرجل الضئيل الذى تسمَّر فى مكانه كأن على رأسه الطير حينما رآنى لأول مرة، ومن بعدها بدأ يحوم حولى ويطاردنى فى كل مكان أذهب إليه فى فيتبسك».. بيللا كانت روسية ذات تعليم عال، دخلت كلية الآداب بجامعة موسكو، وكان أصدقاؤها من كبار الكُتَّاب والشُّعراء الروس أمثال باسترناك وبلوك ومايكوفسكي، وبعد زواجها من شاجال كانت المحرك القوى لدفعه لكتابة مذكراته وترجمتها.. وعندما عادا معًا إلى باريس عام 1922 قبلت «بيللا» حياة الظل رغم موهبتها الفذّة فى الكتابة، وفضلّت وضع زوجة الفنان الدافعة بموهبته إلى الأمام فى إطار زوجى ناعم.. ولقد كان شاجال دائما يذكر حفل زواجه المتواضع بالحبيبة الذى سجله فى لوحة متفردة فى يمينها عازف كمان ضئيل برأس حمار يعزف موسيقاه، لكنه لا يسهم فى الجو العام فى اللوحة، وتبدو عينا العروس شاردتان تنظران بعيداً إلى اللاحدود، وتكاد باقة الزهور تسقط من يدها.. ويؤكد النقاد أن بيللا كانت حاملاً فى ابنتهما الوحيدة «إيدا» أثناء تلك اللوحة.



 

ويبرز السؤال: هل كانت بيللا سعيدة فى حياتها كزوجة فى ظل أنانية الفنان؟!.. لا يمكن الجزم بشىء.. وهل كانت مسيَّرة لمصيرهما للـهجرة لباريس؟.. أيضاً لا يمكن التأكد من شىء.. ولكن من المعروف أن أسرة روزينفيلد «أسرة بيللا» هى التى ساعدت العروسين للخروج إلى باريس عندما منعته الثورة البلشفية من مغادرة البلاد..

و..فى المهجر الذى عشقه شاجال تحولت بيللا ــ تلبية لرغبة شاجال الخفية التى استشعرتها منه ــ إلى المديرة الفنية والسكرتيرة.. ولابد أن ينتهى السأم إلى المرض العضال حتى ولو بدأت مظاهره غاية فى البساطة.. الأنفلونزا.. التى تحولت إلى التهاب رئوى.. وماتت بيللا فى نفس السنة التى أصبح فيها البنسلين عقاراً شافياً.. ماتت فى شرخ العطاء والأنوثة.. رحلت وعمرها ٤٩ عاما، وتبعاً لأمر الرجال وجنسهم الذى لا يوقف مسيرتهم الزاحفة وفاة أو بُعد أو رحيل امرأة فقد استسلم شاجال بعد عدة شهور قليلة لحسناء إنجليزية أبدت اهتمامها به وكانت صديقة لابنته «إيدا»، ثم وقع فى غرام «فالنتين برودسكي» عام ١٩٥٢ واستسلم لها حتى النهاية، وأطلق فى حبها صرخته العالية: «عبقريتى يجب أن تتجلى فى شيئين: أن أعرف كيف أحب فالنتين، وأن أعرف كيف أموت».. ولاشك أن فالنتين عاشت مع «رسامها» علاقة القلب والعقل.. عاشت فى قوله: «أصابع فالنتين هى أصابعي.. ولغتها هى لغتي.. وثمة حاسة سادسة لا يملكها سوانا وهى الحب»..

وتكتب فالنتين عن لوحات الحبيب أنه سعى فيها إلى مطاردة كل الأشباح: الخوف والقلق والإثم والفضيحة واليأس، وأعلن أن اللوحة منطقة مجردة من الدم، رغم أن دمًا كثيرًا سال على أصابعه لحظة التشكيل الفنى.. وتعيد فالنتين قول شاجال لها عن فنه: «فى لحظات الزلزال رسمت العالم على شكل شجرة تواجه الفأس، أو زهرة نبتت فى جمجمة، وهذا ما فعله الإنسان منذ بداية الخلق: القتل.. لكننى أخذت الجمجمة وزرعت زهرة فى مقلتيها المطفأتين، وكل زهرة تحولت مع الزمن إلى غابة، والغابة امرأة.. أجل كانت فالنتين الغابة بكل غموضها الفذّ وصمتها الخلاّق، وتشابكت أغصانها الظليلة، ووحدتها الرائعة، هذه الغابة لم تكن تبالى بالزمن ومنها تصاعدت الأنغام السيمفونية.. فالنتين حبيبتى معبودتى أسطورة تمشى على قدمين، وما الليل ينسدل إلا وتغلق فالنتين عينيها ليبدأ الحلم.. أجمل الأحلام».. ويجزم شاجال فى عالم الحب بأن وسيلة الحوار المُثلى فيه هى لغة الأصابع.. اللحظة القصوى.. الأوج.. القمم اللانهائية.. الاحتواء.. اللقاء.. العناق.. التوحد.. التماسك.. الأخذ والرد.. التلاقى. الشفافية.. النبض.. الرغبة.. العطاء.. التواصل.... كلها كلها فى تشابك الأصابع وليس أبداً فى تشابك الكلمات.. لغة الحس الواقعية وليست مجرد كلمات كزلاّت اللسان..»... الكُل فى نظر شاجال كان يسقط، يقع، يتهاوى إلا فالنتين الملاك الذى يسكن فى الأعالى لا يعرف السقوط، لذلك كان يحرص على وضع اسمها فوق بعض لوحاته، كما يحرص على القول: «إن كل لوحة هى فالنتين، فالحياة هى فالنتين».

فى تلك الفترة.. الأربعينيات.. نُسِجت العلاقة بين بيكاسو وماتيس من ناحية، وبين شاجال من ناحية أخرى.. كان بيكاسو يقول: «أنا لا أرسم ما أراه.. أنا أرسم ما أعرفه».. وكان شاجال يردد: «إن أحلامى هى واقعي»، لم يكن يحب بابلو بيكاسو كثيرا لأنه كان جباراً لا يرحم، وإنما أحب ماتيس وأمثاله من الشعراء والرسامين العاطفيين، وقد روى شاجال فيما بعد عن مشاعره فى تلك الفترة: «لقد أحسست بأننا لم نزل نطوف على سطوح المادة، وأننا نخشى الغوص فى الظلام، وتحطيم السطح المعهود.. فلتسقط الناتورالية «الواقعية»، والانطباعية، والتكعيبية الواقعية، ومرحباً بجنوننا.. مرحباً بحمام نغتسل فيه من أدراننا.. سيئاتنا.. بثورة من الأعماق، لا تقنع بالقشور»..

ويرسم شاجال مُطلِقاً عنان الخيال خارجاً عن المألوف فى واقع الأشياء على أن لوحاته بالرغم من مظهرها شبه الأسطورى، ليست من نوع الحكايات التى تروى للأطفال، بل إنها تنطوى على قوة تكاد تكون متسلطة، فيها تمرد على أوضاع الحياة، ورغبة ملحّة فى الكشف عن أسرار اللاوعي، واقتحام أبواب المجهول.. فرحة التعبير عن بهجة الحياة بأسلوب جديد مغاير، وربما أن (روبنز) ومن بعده (رينوار) قد عبرا عن بهجة الحياة، غير أن بهجتها كانت حسية لاصقة بالأرض أو تكاد، على حين أن فرحة شاجال أقرب إلى الفرحة الروحية، أو نشوة تحلق فى السماء.. إننا لنراه فى إحدى لوحاته يسير فوق السحاب ممسكاً بذراع الحبيبة، وفى لوحة أخرى نرى العاشقين شاجال وبيللا طائرين فوق فيتبسك، وقد لاحت القرية من بعيد باهتة بالغة الصغر، وفى لوحة ثالثة نراهما معاً سابحين فى الفضاء من فرط الغبطة، وقد قلبت السعادة رأسه، فانثنى يقبلها من علياء نشوته التى حلقت به إلى سقف الحجرة.

عندما اندلعت الثورة السيريالية لم يتردد شاجال فى الجهر بتأييده لها، على اعتبار أنها تعزِّز موقفه، لكن السيرياليين الذين ارتابوا فى نزعته الصوفية لم يرحبوا به كثيرًا، وإنما فى تحفظ شديد.. وعندما شعر شاجال ــ رغم عدم انشغاله بالسياسة قبيل الحرب العالمية الثانية ــ بنذر العاصفة انعكس ذلك على فنه، وعندما قامت الحرب هاجر إلى أمريكا، ثم دُعى إلى المكسيك حيث قام بوضع التصميمات لديكور وملابس باليه «أليكو» المقتبس من أشعار بوشكين، والذى وضع موسيقاه تشيكوفسكي، ثم لباليه «عصفور من نار» لسترافنسكى الذى اعتمد فيه على أسطورة روسية قديمة.. وفى أثناء إقامته فى الولايات المتحدة أقيم له معرضان كبيران أحدهما بمتحف الفن الحديث فى نيويورك، والثانى بمعهد الفنون فى شيكاغو، ومن غريب المصادفات أن يوم وصوله إلى أمريكا هو اليوم نفسه الذى بدأ فيه الهجوم النازى على الاتحاد السوفيتي، وفى هذا اليوم بالذات احتل جنود هتلر بلدة «فيتـبسك» وهدموها عن آخرها، حيث لم ينج من سكانها الـ240٫000 نسمة سوى 118 فردًا.. وهكذا مُحت من الوجود تلك القرية التى ظلت ذكراها عالقة فى خيال الفنان لا تكاد تخلو لوحة من لوحاته من بعض معالمها.

شاجال الذى كان يتكلم ست لغات، لأنه عانى طويلا من الفقر كقدر العباقرة العظام، فقد كان مقترا، ويُروى عنه: أن أحد محبى لوحاته المعروضة فى قاعة من بيته أمام مرآة كبيرة سأل عن ثمن اللوحة، فجاءه رد شاجال: «أنا لا أفهم فى الشئون المالية، فرجال الفن والشعراء لا شأن لهم بالمال، ومثل هذه الأمور الجانبية من شأن زوجتي».. وأتت فالنتين الزوجة وذكرت مبلغا من المال، وعندها التفت الرجل إلى المرآة فرأى شاجال قد أحمر وجهه واضطرب وبدا غاضبًا وهو يلوّح لزوجته أن تضاعف السعر بإشارات من أصابعه.. مع أن شاجال كان ماهرا فى تسويق بضاعته الفنية فهو أبدا لا يستطيع مباراة بيكاسو فى ذلك، فقد كان الأخير من فرط جشعه يكدّس الأموال الضخمة فى حقائب سفر كبيرة يدسها فى مخابئ سرية فى بيته، وإذا ما أبدى شاجال اندفاعًا لجمع المال فهو معذور إلى حد كبير، وذلك لأنه فى طفولته وصباه أصيب بمرض لم يكن فى استطاعة أى بنك أن يشفيه منه وهو مرض «الفقر المدقع»، ولم يكن شاجال ممن يتعاطون الخمر أو المسكرات، وكل ما كان يبذره من مال فى مطلع الشباب هو طعام ساخن يوم كان يتلقى راتبه فى أول كل شهر من أحد نواب مجلس الدوما فى البرلمان الروسى.. والطريف أنه بعد قدومه إلى باريس قد تعرف على فقراء الفن أمثال «مودلياني» و«ماكس جاكوب»، ولم يتعرف على بيكاسو فطلب من الشاعر «أبولينير» أن يُعرفه عليه فقال له: «وهل تريد أن تنتحر.. لا تعجب فعدد كبير من معارف بيكاسو قد أنهوا حياتهم بالانتحار»..

و..عندما مات ماتيس قال بيكاسو فى الخمسينيات: «إن شاجال هو الرسام الوحيد الذى مازال على قيد الحياة ويفهم المعنى الحقيقى للألوان».

وفى مذكرات شاجال أنه عاش حياة تعيسة فى روسيا ولم يخرج منها إلا بعد أن أوشك على الانتحار، ومما حدث له فيها أنه وضع خمسين لوحة كان قد رسمها لدى أحد تجار اللوحات فى بطرسبرج لتعرض للبيع، وعندما عاد للسؤال عنها تجاهله صاحب المحل قائلا: «عفوا أيها السيد أنا لا أعرفك!!»، وفى أوائل عام ١٩١٤ أعطى تاجر لوحات فى برلين عددا من لوحاته لعرضها فى محله، وبعد مُضى سنوات سأله عنها طالبا ثمنها، فقال له التاجر بصلف بالغ: «لقد جلبت لك الشهرة، ولهذا ليس عندى أى نقود».. وفى برلين كان قد وضع بضع لوحات فى بيته وعاد يوما فلم يجد أثرا لها، ولهذا عندما غادرها للولايات المتحدة كان عدد حقائبه لا يحصى وبلغ وزنها ١٥٠٠ كيلو، ويقول مارك شاجال فى ذلك: لقد عشت حياة تعاسة وشقاء واحتقار ونهب وخيانة، فكيف لا أكون محبا للمال عاشقا له محافظا عليه؟!

شاجال فى زمنه الأخير عاش فى منطقة «سان بول دفانس» بفرنسا فى منزل كبير وصالون واسع علقت على حوائطه البيضاء لوحات لرينوار وبراك وتماثيل لصديقه ميرو.. عاش مع فالنتين «فافا» التى تحدد مواعيده النادرة وتختار ملابسه وتُنسق زهوره المحببة وتشارك الطبيب فى العناية بأسنانه، وترعى لوحاته وتعلق منها فى الصدارة لوحة «متزوجو برج إيفل» و«السقوف الحمراء».. نفس الخيال والرموز التى ظل يرسمها شاجال حتى أصبحت هناك أرض شاجال المكوّنة من الحمير والمتسولين والعشاق وعازفى الكمان، وعندما يوجه له النقد بخلفيته الدائمة فى لوحاته يشتعل غضبه صارخا: «رينوار رسم دائما نساء جميلات يثرن الرغبة فى ضربهن على مؤخراتهن، ورمبرانت صوّر دائما الضوء نفسه فى جميع لوحاته، ولم ينتقدهما أحد!!».

كان مرسم شاجال كبيرا ومربعا ومرتفعا، ومهجورا فى نهاية ممر ضيق فى منزله بدفانس.. فى مواجهة الباب منضدة كبيرة يرسم عليها ويكتب قصائده التى تشبه لوحاته.. يأتى إلى مرسمه مرتين فى اليوم.. فى الصباح وبعد الظهر بعد أن يغفو كطفل عاقل لإرضاء «فافا».. يتوقف عن الرسم ليكتب: لدى ألف شك، لا أعرف متى تكون اللوحة جيدة، لا أدرى متى يجب أن أرفع فرشاتى من فوق اللوحة.. متى أنتهى؟!!.. يجب أن يوقفنى أحد.. لدى خوف رهيب من العرض.. سأظل أشك فى عملى.. لا شيء يؤكد لى أنه هام وأنه سيعيش من بعدي».

لا يمل الفنان المغترب من اجترار أيام طفولته فى مذكراته واسترجاع صورها الغائرة فى أعماقه، والتى تدور حولها معظم لوحاته.. فى إحدى صفحاتها يذكر شاجال كيف لم تكن مائدتهم تخلو من الجبن والخبز، وكيف لم يفارق الرغيف المحشو بالزبد يده فى أى وقت من الأوقات.. فى الطريق.. وفى فناء المدرسة، وحتى فى المرحاض.. ويقول شاجال هل معنى هذا أننا كنا جائعين؟! كـلا، ولكنه نوع من الشراهة.. شهوة دائمة للمضغ، للاحتواء، للحلم، للتثاؤب!! وحتى هذه الشهوة أصابت الكـلاب حتى أن ساقه نهشها كلب الحى المسعور، وكان ينام فى فراشه الضيق لصق أخيه لا يغمض له جفن يحملق فى الظلال المتراقصة فى سقف الكوخ متوجسًا خوفًا من شراهة فئران الوسادة التى ينامان عليها.

ومن بين كلمات مارك شاجال تبرز سطور موحية منها قوله: «تركت مسقط رأسى عام 1910 عندما أحسست أنى فى حاجة إلى باريس التى كانت كالماء الذى يروى شجرة الفن فى أعماقي.. وصلت إلى باريس ممتلئاً بالأحلام والأفكار التى ظلت معى منذ شبابى ولسنوات طويلة، وألهمتنى باريس بأشياء جميلة جعلتنى جزءا من الثورة الفنية التى حدثت فيها، ولكن ولائى وانتمائى وجذورى ووجدانى كان دائمًا لبلدتى الروسية فيتبسك».. وعن طفولته يكتب «كان عمى نوتشى يصطحبنى فى طرقات الريف وكثيرًا ما التفت خلفه لينادينى لألحق بخطاه، بينما أكون واقفا مسمرا مكانى ذاهلا منبهرا بالطبيعة والماشية وتداخلهما فى الإطار من حولى، ولايزال تأثير تلك الأجواء ساريًا بداخلى ولم تزل الأصوات التى كنت أسمعها هناك تسكننى وترن فى أذنى».. و«أحببت أن تشع لوحاتى بالحياة والتدفق وشأن كل أعمالى لا أعتمد على التصريح المباشر، وأجد أن الإيحاءات التى تحملها اللوحة أهم وأسرع فى الوصول للمتلقى من الخطاب الصريح المباشر الذى لا يعكس سوى صور جامدة فى المرآة».. و«قضيت معظم الوقت مع أصدقائى الشعراء أمثال (بوريس باسترناك ومايا كوفسكس وأبوللينير ومن أبيات قصائدهم تزاحمت الرؤى والمشاعر لتنفجر على سطوح لوحاتى»، و«عندما نطلق على الأعمال الفنية مصطلحات الخيال والخروج عن المنطق فإننا لسنا على دراية حقًا بالطبيعة وأيضًا لا نفهم أنفسنا.. إن كل رسومى لها أرضية واقعية من ماض تأثرت به».. و«حقيقة لقد عشت حياتى وكأننى رجل يمشى بظهره».. وفى أيامه الأخيرة همس شاجال لمحبوبته «فافا»: «لست خائفًا من الموت لكنى أريد فقط أن أفعل ما أردته ولم أفعله».

شاجال.. الذى أعاد للأذهان أسطورة مايكل أنجلو بكل صخبها ودويها عندما قام برسم كاتدرائية «ميتز» وشارك فى تصميم سقف أوبرا باريس، وانطلق ليصمم ملابس المسرحيات هناك، وساهم فى وضع ديكورات «الجراند باليه» أو القصر الكبير فى باريس عام ١٩٧٠، ولم يمض وقت طويل حتى كرمته الحكومة الفرنسية عام ١٩٧٣ بوضع رسومه فى المتحف القومى وهى نفس السنة التى مات فيها بيكاسو..

شاجال.. قُبلة النار الطويلة بين الأصابع واللوحة الذى ولد فى 7 يوليو ١٨٨٧ ورحل فى 28 مارس ١٩٨٥.. شاجال الذى عشق قول شاعر الحب والحرية الفرنسى بول إيلوار: «إن قدميك تغوصان إلى أعماق الأرض، ورأسك يرتفع إلى أقصى ما يصل إليه بصرنا فى السماء.. إنك عظيم.. إنك أعظم الناس»..

شاجال.. الذى مضت السبعينيات وهو فى قمة شهرته.. الرأس المكلل بالمشيب ينتج ويبدع ويصمم ويرسم، ولكنه أيضا كان على موعد مع إسدال الستار..

وعاشت فالنتين من بعد شاجال «رسامها» كما كانت تسميه.. عاشت لتمشى فى شوارع دفانس فيشير الناس إليها قائلين: «إنها لا تختلف عن أى امرأة دهس نصفها القطار».. امرأة حملت زوجها ابنا بداخلها.. امرأة هى الطائر الأسطورى مثل العنقاء التى لا وجود لها إلا فى بطون الخرافات.. فالنتين تهرب من غرفة إلى غرفة ومن نافذة إلى نافذة، والجيران من خلفها يتعقبونها خوفًا من انتحارها خاصة بعد قولها: «ليس عندى مشكلة فى وداعه.. لكن مشكلتى الوحيدة فى استعادته!»..


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: