رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اجتهادات
الكُل ضد الكُل

عندما نتأمل أنماط التفاعلات الاقتصادية - الاجتماعية التى انتشرت فى أنحاء العالم إلا قليلاً منذ أواخر السبعينيات، نجد ميلاً متزايدًا إلى الفصل بين الاقتصاد والواقع الاجتماعى. سعى جنونى إلى تعظيم الأرباح فى أقصر وقت، بغض النظر عن العواقب الاجتماعية على الفئات الاجتماعية الضعيفة والأكثر ضعفًا، فى ظل سيطرة أقوياء يتسمون بالقسوة على الأنشطة الاقتصادية الرئيسية. أصحاب شركات لديهم علاقات وثيقة مع السلطة فى إطار تبادل مصالح مشروعة أو خارج نطاق القانون. ومالكو أسهم يريدون زيادة الأرباح التى يحصلون عليها، وتتجه أنظارهم إلى أسواق الأوراق المالية التى صارت المضاربات وحالات الصعود والهبوط فيها مُحددًا رئيسيًا لحركة السوق الاقتصادية. ومديرون تنفيذيون يتعاملون مع العاملين وفق معايير غير إنسانية، وأحيانًا غير أخلاقية.

ونجح تحالف الأقوياء فى تعديل قوانين العمل فى عدد متزايد من الدول، تحت شعار تحقيق مرونة، وبات فى إمكانهم تسريح العاملين حتى فى حالة تحقيق ربح، وليس عند حدوث خسائر فقط، لأن المعايير الجديدة تتضمن تقييم العامل وفق معدلات محددة مسبقًا للأرباح، وتحميله المسئولية عن عدم الوصول إليها حتى إذا بذل أقصى جهد. ونجح من وضعوا هذه المعايير فى توسيع نطاق الصراع بين الراغبين فى العمل، ومن ثم تنازل أعداد متزايدة منهم عن حقوق اكتسبوها من قبل، فيما يزداد ضعف نقابات العمال والمدافعين عنهم.

وهكذا لم يعد الصراع بين أقوياء وضعفاء, بمقدار ما صار بين الأقوياء لتعظيم الأرباح، وبين الضعفاء للحصول على عمل مهما تكن شروطه مُجحفةً، وهو ما أسماه عالم الاجتماع الفرنسى الكبير بيير بورديو صراع الكُل ضد الكُل.

هذا الصراع الذى أبدع بورديو فى كشف أبعاده الخفية قبل الظاهرة فى مقاله (جوهر الليبرالية الجديدة) أصبح اليوم أقل تكافؤًا بكثير مما كان عام 1998 عندما نُشر ذلك المقال الذى يُعد من أهم الكتابات الأولى عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية الأكثر تعارضًا الأخلاق, والقيم الإنسانية عمومًا.

تحولات نبه فى وقت مبكر نسبيًا إلى أنها تنطوى على عنف بنيوى، وإلغاء منظم لمعظم أشكال التضامن الجماعى والأمان الاجتماعى والثقة المتبادلة، فى ظل ما سماَّها آلة جهنمية لأثرهم.


لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد

رابط دائم: