رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نجوى العشرى.. وداعــــــا

رحلت، فى صمت، فنانة ذات حس رفيع، وصحفية متميزة بقلم رشيق, يرسم، ويكتب معا، وعندما يجتمع الاثنان فى واحد ربما يطغى أحدهما، ويأخذ من حق الثانى، أو ربما يتناسى كل فريق أنه من الاثنين، ويترك حقه ليأخذه الآخر.

نجوى العشرى زميلة صحفية لها مع كل زميل، عاصرها، حوار، وتلاق، خاصة كل الأهراميين (الصحيفة ومجلاتنا عامة)، فقد رسمت الجميع، وعبرت عن مصر، فى كل مرة ترسم، بل عن كل المصريين من حولها، وريشتها الجميلة، وذهنها الأجمل، وجمالها الطاغى.. لا أقول غير ملامح الأشياء، التى ترسمها، والتى جسدتها بأعمالها، وصوّرتها فنا يعيش بيننا.. لقد أخذت الراحلة من كل جميل جماله المميز، وغطته بأسلوبها الراقى، فيجتمع الجمال فى لوحها.. عندما علمت، مصادفة، عند عودتى من رحلة قصيرة بالخارج، بخبر الرحيل المفاجئ، كانت صورها، وأعمالها تطاردنى أينما تحركت، وتسألنى: متى تكتب عن نجوى العشرى؟.. ولماذا تأخرت، وهى التى بذلت جهدا معك، ومع كل زملائك السابقين، والحاليين، ورسمتك مرارا؟!.. لم تتأخر عن «الأهرام» أبدا، ليلا أو نهارا، فى مطلب يدعم موضوعا، أو تحقيقا، ومقالاتنا مرسومة، ومتجسدة بريشة نجوى العشرى.

صور نجوى للأشخاص لوحة جمال، لأنها تصور الوجه، والروح معا، وهذا يميز رسوماتها، ويجعلها الأميز، وأفضل ممن حولها.. لم ترسم صورة لشخص ويضعها جانبا أبدا، بل يضعها فى المكان البارز, ليراها بنفسه، وجميع من يحب حوله، مرارا وتكرارا، فيكتشف، فى كل مرة، من عباراتها، ورسومها حقائق غائبة، وأشياء غامضة، لا يعرفها عن نفسه، فيعيد اكتشافها من جديد، وهذا عقل الفن، والفنانة عندما يعيش، ويعايش، عمله، حيث يجمل كل ما يقوم به، ويقدم جديدا، ليخلد بيننا.

ظلت الفنانة، والكاتبة الراحلة، طوال عمرها، على بساطتها، تعمل، ولا تهوى الدعاية عن نفسها، أو حتى أعمالها.. كانت تشعر بأن العمل الفنى، أو التشكيلى، سوف يتحدث بالنيابة عنها، فهى متصوفة، تعايش، وتعمل بالعقلين معا (الواعى والباطن)، وتهدف أن تجعل حياتنا، وحياة الناس، جميلة، وسهلة، وبسيطة، لينتبهوا إلى فنها، وأعمالها.. قد نكون قد أهملنا، أو تغاضينا، وتصورنا أن هذا هو الطبيعى للفنان، والصحفى، رغم إدراكنا أن الفن، والجمال يحيا بالتفاعل، ويتطور بالحوار، وأن نعبر عن مشاعرنا، ولكننا، يبدو، مازلنا نعيش، وبنا جهالة، أو فقر فنى، وجمالى، فيسقط الفنانون من حولنا، والمبدعون بيننا، بالتجاهل، فالفن يحيا بالتفاعل، ونحن، جميعا، خاسرون، هم ونحن، والخاسر الأكبر هو الجمال، وحلاوة الحياة، التى نبحث عنها فيمن حولنا، ونريد أن نكشف سرها، وحلاوة التفاعل الإنسانى، التى تخلق مزيدا من الجمال، والتجويد، عبر المبدعين، والفنانين، عندما يكونون سعداء، ونحن متحاورون معهم.

رحلت الفنانة، والصحفية، التى ولدت فى ٢٧ يوليو ١٩٥٣، فى ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١، وأعتقد، بل أجزم، أننا لم نستفد من وجودها، وإبداعها الكبير بما تستحق، وبما يكفى، رحلت وعندها عطاء، وفن مخزون لم تخرجه بعد، لكن، فى السنوات الأخيرة، وفى زحمة الثورات، والاضطرابات، وكورونا، كان الفن، والفنانون هم أولى الضحايا، لأنهم الأضعف، ولأننا نلهث فى الحياة، ونتركهم، ونبحث عن الماديات، ونجسدها، فيكون الجمال، والفنون، هما الضحايا الأُوَل للكوارث، والصعوبات، التى تلم بالحياة من حولنا، فمازالت البنية المؤسسية، أو التحتية التى تحمى هؤلاء الكائنات الجميلة، التى تصنع الجمال، والحلاوة، والفنون، فى الحياة ضعيفة، بل هشة، ولا تعطيهم، أو تساعدهم فى منحهم حقهم، ولعل دعوتها، قبل الرحيل، لوزارة الثقافة بالاهتمام بالفنانين؛ تجد آذانا صاغية بأن تحصل على أعمالهم، وتعيد ضخها فى شرايين المؤسسات المصرية، وتوفر للرسامين، والفنانين دخلا يساعدهم على الاستمرار فى صناعة مهمة الجمال، واستمراريتها، متجددة، وقوية فى بلدنا.. تحية إلى روح نجوى العشرى، واحتراما لمسيرتها الصحفية، والفنية، وتذكرا لأغلفتها المتميزة، التى منحتها جوائز من مؤسسات كبرى فى عالمنا، ومنها غلافها الذى هز مكتبة الكونجرس الأمريكى, عندما جسدت كل وجوه شعوبنا فى شمال إفريقيا، وفن فولبرايت، عندما رسمت كل المسنين فى عالمهم، وجسدت أرواحهم العالية، وهم يتطلعون إلى الحياة بروح وثابة، فى كل من حولهم، والتى بهرتنا، وجعلتنا جميعا، وجعلتنا نتمنى أن نكون مسنين، وأن نصل إلى أعمارهم، وقد كنا نتطلع إلى نجوى أن تصل إلى أعمارهم، وتواصل عطاءها الفنى، لكن إرادة الله أن ترحل فنانة مصرية، كانت شغوفة فى رسوماتها بأهل النوبة، وأهل الصعيد، وتقول عنهم إنهم أصل مصر.. إنهم نحن، فهم أولاد الفراعنة، عندما أرسمهم أشعر بخلود، وحضارة المصريين باقية، ومعاصرة، وقوية، فى عالمها، والتى توقف يوسف فرنسيس أمام لوحاتها قائلا:أنت تلمح فى لوحاتها نوافذ نوبية تطل عليك مفتوحة العيون على الطبيعة، هى مزيج من واقع وخيال، وقد سافرت فنانتنا نجوى العشرى إلى كل أطراف بلدنا، ورسمتها بفرشاتها، التى غمستها بألوان السماء، والخضرة، والبحر، والأرض، ولم تنس الجبل، والصحراء ..

حقك علينا يا نجوى، لم تأخذى ما تستحقينه من عالمك، لأننا مازلنا مبتدئين فى عالم الجمال، وروعته، لكن هناك الكثيرين ممن أدركوا فى لوحاتك، وكتاباتك أنك كنت ترسمين بالكلمات.. لقد شعرنا فى أعمالك بأنها دافئة، وبديعة، حتى عندما ترسم بفرشاة بلون واحد (الرصاص) خطوطا سوداء، كانت، بلا شك، حروفا، أو موسيقى، تكتبها، أو تخطفك إلى فن تشكيلى بديع، يعيش، ولا يموت، ولا يهزم.. ستعيشين كثيرا أيتها الفنانة، والكاتبة الصحفية الرقيقة، خاصة فى قلوب كل من جسدهم قلمك، وريشتك، فى حياتنا، ولدى أسرنا، وأطفالنا، دوما، ونقول إنك حققت فى أعمالك المعادلة الصعبة، والطبيعية، والواقع، والمهم المستقبل. إلى لقاء يا فنانة الألوان الجميلة، والكتابات الرقيقة، الزميلة العزيزة نجوى العشرى، فى جنة الخلد ــ إن شاء الله.


لمزيد من مقالات أسامة سرايا

رابط دائم: