رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بابلو بيكاسو.. الفنان الطاغية!

بيكاسو.. الملحمة الفنية فى الحياة التشكيلية الحديثة. العجوز المؤثر. الطاقة الخرافية التى ظلت تقفز وترقص وترسم فى التسعين مثل شاب فى العشرين. الأسطورة المحيِّرة بلا تفسير أو جواب. الشيطان العابث الذى دمر كل ما ورثته الإنسانية من قيم.. الملاك المُصلح الذى أتى ليُجدِّد البناء المنهار، ويصب فى الشرايين المتهالكة دماء جديدة تعيد إليها نضارتها وحيويتها ونماءها. الفنان الذى يعتبره البعض مسئولا عن إفساد ذوق القرن العشرين وتحطيم الرواسخ الجمالية التى أدت بالفن لانحرافات تسللت بجنونها إلى كل الفنون. المبدع الفيّاض الذى ولدت العبقرية معه لتسير فى رِكابه. الموهوب الذى رسم قبل أن يتعلم المشى. الفضولى الذى دفعه الفضول إلى الانطلاق الأهوج وراء نزواته بحثًا عن المجهول دون أن يُفكر فى العواقب، مثل طفل أرعن يتسلق الشجر دون التفكير فى درجة تحمل أغصانها الرقيقة لثقل جسمه. الكبير الصغير الذى ارتبط بدنيا الأطفال ليقول: «كنت فى طفولتى أرسم مثل كبار الرسامين، وانتهيت فى شيخوختى بأن أرسم مثل الأطفال».. بيكاسو الخشن الناعم عطاء البحر الزاخر والصخور الصماء.. بابلو دييجو فرانسيسكو خوان نيبو بوثينو ماريا دى لوس ريميديوس لبريانودى سانتيما ترينيداد بيكاسو.. بابلو..

سُئلت «جاكلين روك» ــ المرأة الأخيرة فى مسلسل نسائه ــ لماذا يلاحظ أن غالبية الصور التى التقطت لها معه تقف فيها بعيدًا عنه بخطوات؛ فقالت: «حتى لا ألقى بالظل على الشمس».. صاحبنا كان يكبرها بأربعين عامًا، لكن إلى هذا الحد كان مؤثرًا على مشاعر المرأة التى تدور فى فلكه.. أكثر من عشر نساء ظهرن على سطح أيامه ولوحاته، وما خفىَّ كان أعظم فى مغامرات سريعة مثل اسكتشاته العفوية، كلهن كن بمثابة فاتحات للشهية، أو محطات مؤقتة تقع بين الانتهاء من قصة غرام وابتداء أخرى، ورغم دخولهن فى نطاق جاذبية دائرته الجهنمية، وانصهارهن داخل بوتقته النارية، وتربعهن على عرش لوحاته العالمية، وافتتانهن بسطوته، وغيرتهن وانتقامهن من أخريات سرقن انتباهه عن اتخاذهن موديلات لإلهامه، فإن أحدًا لم يسبغ أغواره، ويستدل على ارتفاع قدره وتفرده وعمق موهبته، مثل أمه التى ــ أنجبته فى 25 أكتوبر 1881 روى عنها قولها له وهو لم يزل طفلا ــ «أنت إذا ما كنت قد اخترت لحياتك الجندية لأصبحت جنرالا، وإذا ما صرت راهبًا فسوف تكون فى النهاية حَبْرًا أعظم».. ويستطرد العملاق: «أما أنا فقد أردت أن أكون رسامًا، وصرت بيكاسو».


ما سر هذا الفنان الطاغية فى استحواذه على النساء ليصوغهن فى سلسلة حريمه مقهورات مذلات مهانات جاريات فى خدمة الفنان ولوحاته؟! ما السر فى أن يكن مغرمات مفتونات مطاوعات إلى حد تنفيذ شطحات شذوذه، مثلما كان يبقى امرأته «فرانسواز جيلو» طوال الوقت كما ولدتها أمها عارية لتؤدى أمامه، على هذه الصورة الفاضحة، جميع مهام البيت وإعداد الطعام، وتطيعه وتتخشب أمامه بالساعات لينقل ملامحها وحركاتها التى أملاها عليها ليعكسها فى لوحاته، وتستسلم له كمخلوقة منوّمة سيطر عليها كاهن «شامانى» بسحر إفريقى؟! ما حجم تلك الجاذبية التى كانت تسكن هذا الجسد القصير لكى لا تستطيع المرأة العيش من بعده، فتشنق «مارى تيريز» نفسها فى جراچ بيتها، وتطلق «چاكلين» على رأسها الرصاص فى فراش ذكريات الحب تاركة إلى جوارها كلماتها الأخيرة موضحة أن سبب إقدامها على إنهاء حياتها هى حالة الوحدة التى لم تعد تطاق على غيابها عن استنشاق لوحات بيكاسو وألوانه وأصابعه التى ترسمها وتداعبها؟!

بيكاسو الرسام والإنسان والرجل الذى ما أن تتعرض له، أو تحاول أن تقود غيرك لقراءته، إلا وتقع ــ لابد ــ فى متاهة متابعة أسماء شبكة نسائه ساكنات لوحاته اللاتى مررن فى حياته وعايشنه فى مسيرة مراحله الفنية التى مضت فيها الأيام مثقلة بالعطاء، فائقة الثراء، بين المد والجزر والتدفق بلا حدود، حيث لا يمكن وضع فواصل ثابتة بين حياته اليومية وإبداعه؛ ولا يعبأ من الانتقال من منهج إلى آخر، فقلقه وتوتره وبحثه الدءوب عن الجديد يجعله لا يستقر على حال، لينتقل بين المراحل المختلفة: الزرقاء.. الاحمرار.. البدائية.. التكعيبية.. الاخضرار.. النيوكـلاسيكية.. التجريدية.. التقدمية، وعلى الجانب الآخر المراحل النسائية المصاحبة من «فرناند، لدورا، لمارى تيريز، لفرنسواز، لچاكلين»، حيث تتأرجح العاطفة، ثم يحل الهمود مكان الاشتعال، وتبيت اللوحة فارغة والألوان هامدة إلى حين ليس بالزمن الطويل، حيث لا مانع من اثنتين، بل ثلاثة، فى وقت واحد، كل منهن لها حيز من قلبه وريشته، ومدى إعجابه... حيث يخترق الواقع، يحطمه ليشد الذهن إلى اتجاه ليس معتادًا عليه بهدف إيقاظه، كل شىء لديه قابل للتجريب والتفكيك وإعادة الصياغة، لا كما كان ولكن كما يرى الفنان.. كل شىء عنده قابل للتحوير، للذوبان، لفقدان الهوية، إلا المرأة، التى تظل فى لوحاته لا شريكة لها، وإنما سيدة مهيمنة تملك كل المفاتيح. تظل المرأة مالكة حياته وقلبه وريشته يتابعها ببوصلته فى جلساتها واتكائها ونومها ودموعها وشموخها وكربها، وأيضًا حمْلها عندما تبدأ أعراضه فى الظهور، فيتملاها بيكاسو فاحصًا سعيدًا بالمتغيرات التى تطرأ على جسدها، مختزنًا التغيرات ليسكبها بالألوان فى لوحاته، ليشارك الحدث العائلى السعيد فى تاريخ فن بيكاسو، الذى يعود به مع نمو الحياة داخل رحم الحبيبة إلى كـلاسيكية منبسطة نشعر أمامها بلمحات الزمن الغابر، ونشم فيها رائحة روابى وقمم جبال الأولمب من اليونان القديم، وعندما يبدأ البطن فى التكور فى مراحل الحمل المختلفة تبدأ الرسوم فى لوحات «الأب» بيكاسو فى الانتفاخ الكاوتشوكى المهين، وكأن نساءها خلقن من مطاط.

وليس أمتع من زيارة مرسم الفنان على الطبيعة حتى ولو كانت تلك الطبيعة وصفًا بالكلمات.. تعالوا إلى أتيليه العبقرى الواقع فى ٧ شارع دى جران زوجو ستان بباريس فى عام ١٩٣٧.. فى البداية يلقاك بهو ملىء بالنباتات الخضراء وأقفاص الطيور المغرّدة، ويقودنا البهو إلى غرفة طويلة تضم العديد من المقاعد من طراز لوى تيريز، والعديد من الآلات الموسيقية التى منها الجيتار والماندولين، ولابد أن بيكاسو قد استخدمها فى رسم لوحاته فى المرحلة التكعيبية.. الغرفة طابعها فى جميع الأوقات تسوده الفوضى، وهناك ترابيزة طويلة للنجارة تلاصقها للحائط الأيمن ترابيزة أخرى مغطاة بتلال من الكتب والمجلات والصور والبرانيط وأشياء عديدة متنافرة، وعلى أحد الحوامل الخشبية كتلة من حجر «الجمشت» الثمين الخام بحجم رأس الإنسان فى وسطها فجوة صغيرة ممتلئة بالرمال، وهناك لوح خشبى سميك مكدس فوقه كتلة من الملابس المهلهلة، وما لا يقل عن أربعة أزواج من الأحذية المهترئة، وفوق الأرض جمجمة سوداء مصنوعة من البرونز، وعندما تعبر هذا الخضم العبثى إلى الغرفة التالية تطالعك فى الوسط ترابيزة فوقها مجموعة من الأخشاب والأقمشة والمفارش المنقوشة، وعديد من رءوس خشبية ضخمة لنساء سبق أن رسمهن بيكاسو فى لوحاته وقام بنقل ملامحهن إلى الخشب، إلى جانب أكثر من مقود دراجة، وقصاصات من المعدن، ولفائف من القماش، وتمثال خشبى إسبانى ملون للمسيح يعود إلى القرن الخامس عشر، ولوحة لامرأة تمسك بتفاحة من العصر الباروكى، وفى إحدى ذراعيها ما يشبه الغلاية الصغيرة، وفوق الحوائط الكابية هناك عدة لوحات أصلية لموديليانى وماتيس، والأخير له لوحة مفضلة لدى بيكاسو موضوعها طبيعة صامتة يعود تاريخها إلى عام ١٩١٢م تمثل طبقًا لليمون فوق غطاء وردى بخلفية وردية، وأخيرًا توصل تلك الغرفة إلى سُلم صغير يفضى إلى الدور الثانى لمرسم العبقرى، حيث السقف أكثر انخفاضًا من جميع الأسقف الأخرى، يقف تحته بابلو بيكاسو يرتدى سروالا باهتًا يتدلى حول وسطه لتظهر بدايات مايوه أكثر اهتراءً، والمكان كله كان مشغلا لأحد الترزية قام بيكاسو باستئجاره، وفى تلك القاعة العلوية الضاغطة على الأنفاس قام أشهر فنان حديث برسم «الجورنيكا» لوحته الشهيرة الخالدة عن الحرب والسلام التى خصص لها متحف بيكاسو فى مدريد أضخم قاعات العرض ليحرسها طاقم مدجج بالسلاح ليل نهار.. وليس أمتع من وصف الحبيبة لعش الحب، وهذا ما قامت به فرانسواز جيلو عندما كتبت عن مرسم بيكاسو الذى عاشت فيه لمدة عشر سنوات أنجبت له فيها «بالوما» وشقيقها «كلود».

عندما قامت فرانسواز للمرة الأولى بزيارته فى مرسمه هذا عرض عليها جانبًا من أعماله الواحدة فوق الأخرى على الحامل بطريقة بارعة؛ بحيث تتماسك اللوحات جميعها بما يشبه المعجزة، لكنه كان معتادًا على تلك المهارة وحده؛ لأن أى شخص آخر إذا ما تجرأ ولمس واحدة من تلك اللوحات المتساندة بمشهدها المتوازن لابد أن يحدث انهيار مدوٍّ داخل المرسم.. كان فى اللوحات رسوم ديوك وترابيزة سفرة وثمار الكرز فوق خلفية داكنة وبيضاء، ومشاهد طبيعية صغيرة الحجم، وطبيعة صامتة تضم ثمرة ليمون وكثيرًا من الفناجين والأقداح، وإبريق قهوة، وفواكه فوق غطاء مقسم إلى مربعات متساوية. لقد بدا بيكاسو لفرانسواز كأنه يلعب بالألوان فى اختياراته لتجمع اللوحات التى يكدسها معلقة ببعضها أمامها كما لو كانت لوحة واحدة غنية بالألوان.. كان هناك رسم كبير لامرأة بدا ثلاثة أرباع ظهرها، وبحيلة تشكيلية بيكاسوية كانت تظهر فى الوقت نفسه فى المواجهة بوجهها، وتأخذ اللوحة طابع المرحلة التكعيبية، وكانت هناك أيضًا رسوم لأمهات وأطفالهن بأحجام كبيرة تطغى على مساحة اللوحات، وأخرى رسم فيها أرانب مسلوخة وحمام وبازلاء وأفكار مستوحاة من وحى المطبخ، إلى جانب رسوم لنساء بقبعات وأسماك، ومجموعة للمأساة الإنسانية من جراء الحروب فيها وجه مشوه لامرأة.

وللاقتراب أكثر من جو المرسم المتفرد، فهناك الطريقة والإطار الذى يقوم فى داخله الفنان برسم نموذجه، وهنا تجلس فرانسواز أمام بيكاسو وسط غابة الإلهام فى العصر الحديث ليرسمها فى لوحة «المرأة الزهرة»: أجلسنى على مقعد منخفض، وجلس هو على مقعد أخضر مثل مقاعد الحدائق العامة، ورسم ثلاث دراسات لرأسى على لوحة كبيرة، وبعدها تفحص عمله، وقطب حاجبيه قائلا وهو يمزّق الرسوم: «هذا ردىء للغاية ولا قيمة له»، وفى اليوم التالى طلب منى الوقوف فى العتمة لا يضىء حولى سوى شُعاع منساب من النوافذ العالية إلى يمينى.. ومكثت ساعة على هذا الوضع ليقوم هو برسم ما لا يقل عن ١١ اسكتشًا لوجهى، ووضع على كل منها شامة صغيرة تحت العين اليسرى، ورسم الحاجب الأيمن على شكل سطر ممتد، وسألته إذا ما كان يزعجه أن أتأمله أثناء عمله، فأتانى رده حنونًا «لا.. إطلاقا.. بل على العكس.. أظن حتى أن ذلك قد يساعدنى».. وهكذا راقبته على امتداد شهر كامل، كان فيه ينتقل من اللوحة ليرسم هناك عدة رسوم لطبيعة صامتة بدون ألوان، ثم يعود بعدها للوحة من جديد، كان إلى يمينه ترابيزة مغطاة بالصحف، وضع عليها ثلاث أو أربع علب ممتلئة بالفرش المغطسة بالتربنتين.. وفى كل مرة يأخذ فيها فرشاة منها يمسحها أولا بالصحف التى كانت سريعًا ما تتحول إلى غابة من الخطوط والبُقع المنشعة اللونية، وحين كان بحاجة إلى استخدام لون خاص لا تشوبه شائبة لون آخر، كان يضغط الأنبوبة فوق ورق الصحف مباشرة، ومن حين إلى آخر، كان يمزج كميات صغيرة من كل لون فوق الورقة، وكانت عند قدميه وحول هيكله سلسلة من علب الطعام المعدنية بأحجام شتى تحتوى على الألوان الرمادية والحيادية والألوان الأخرى التى كان قد قام بمزجها من قبل.

داخل المرسم كان يمكنه أن يعمل ثلاث أو أربع ساعات متواصلة دون أن يقوم بأى حركة تظهر مللا أو بادرة تعب، وقد سألته ما إذا كان لا يرهقه أن يبقى واقفًا كل هذا الوقت الطويل، فهز رأسه قائلا «كـلا.. عندما أعمل أترك جسمى على الباب من الخارج مثلما يخلع المسلمون أحذيتهم قبل الدخول إلى المسجد، وفى هذه الحالة يغدو جسمى الذى أحمله بعدها كأجسام النباتيين الذين لا يتناولون اللحم، وهذا هو السبب فى كوننا نحن الرسامين نعمر طويلا بوجه عام».

ومن خلف فرانسواز نتلصص إلى عالم بيكاسو السرى لنتتبع مراحل اللوحة التى تقلب موازين الفن فى القرن العشرين: «كان يتمشى فى المرسم ويذهب ليجلس فوق مقعد من خشب الصفصاف له مسند مرتفع، المقعد الذى نجده قد ظهر فى العديد من لوحاته، وكان فى وسعه أن يبقى على هذا الوضع ساعة كاملة متصلب الساقين واضعًا مرفقه مستندًا إلى ركبته وذقنه فوق يده متأملا اللوحة من بعيد فى صمت، وبعدها يقوم ليرسم.. وعندما كان بيكاسو لا يجد جديدًا ليُضيفه على الفكرة التشكيلية التى يود تطويرها فى لوحة جديدة، ينتقل إلى لوحة أخرى وأخرى وأخرى، وكان هناك دائمًا على الأقل نصف دستة من اللوحات لم تكتمل بعد ولم تجف بعد، ويمكنه أن يختار من بينها.. وكان يعمل بهذا المنوال من الثانية ظهرًا إلى الحادية عشرة ليلا بلا توقف، اللهم إلا لتناول العشاء.. وكان الصمت تامًا ومطبقًا داخل مرسمه لا يقطعه فى أوقات متباعدة سوى همهمات ومناجاة بابلو مع نفسه فى جمل قصيرة.. وعندما يأتى المساء يسلط كشافين على اللوحة ليتوارى فى الظل كل ما حولهما ليقول: «ينبغى أن تكون الظلمة تامة حول اللوحة كى يكون الرسام مبهورًا بعمله، يرسم تقريبًا كما لو كان محمومًا، يجب أن يبقى أقرب ما يكون إلى عالمه الداخلى إذا كان يريد تجاوز الحدود التى يحاول عمله دائمًا أن يفرضها عليه».

السنوات التى أمضتها فرانسواز معه عاشتها فى قتامة بالغة حتى أنها بعد انفصالها عنه فجرت انتقامها منه عندما نشرت كتابا أسود عن حياتها معه، وكان بيكاسو قد حاول منع إصدار الكتاب بجميع الوسائل والنفوذ حتى أنه لجأ إلى القضاء إلا أن المحكمة أصدرت حكمها العادل بإباحة النشر، ولأول مرة يزاح الستار عن عالم بيكاسو الخاص بقلم حواء عاشت داخل عرينه.. على الصفحات فضحت فرانسواز الكثير من أسرار بيكاسو عندما تقول: «كان الشك توأمه.. النساء عنده حريم.. عارى الضمير.. حيوان كاسر وثور هائج يقذف بالسباب وبكل ما تطوله يده.. كان عدوًا للأناقة.. بخيلا خشنا متقلبًا لا يستقر على حال.. يصر على اصطحابى لزيارة عشيقاته السابقات ويحرص على الإشادة بحسنهن أمامى ليُثير كوامن غيرتى ويُراقبنى مستمتعا.. كان يمضى معى 5 أيام فى الأسبوع ويختفى لمدة يومين عند الشقراء السويدية مارى تريز.. فى حياتى معه حاولت الانتحار أكثر من مرة للخواء العاطفى والمادى الذى يغرقنى فيهما.. كان يجعلنى دائما خالية الوفاض.. فرنكات معدودة من أجل مطبخ البيت ثم لا شيء.. يمنعنى فى فترة الحمل من التردد على الطبيب.. فى يوم عيد ميلادى يتعشى سريعاً ويتركنى ليُهرول بساقيه القصيرتين داخل سرواله الممزق ليغلق عليه باب مرسمه ويرسم حتى فجر اليوم التالي..

ولم تترك فرانسواز سقفًا يستظل به بيكاسو، إلا وحطمته على رأسه بهجمتها الشرسة، ففى ادعاءاتها أن ذلك العربيد لم يكن أبدًا فنانًا خلاقًا وإنما مزورًا كبيرًا.. كان ثعباناً يتربص كداهية فى القاع بمواهب الآخرين، فينقض عليها فى اللحظة المواتية ليبتلعها فى جوفه المدنس ليلدها بلا حمل أو آلام مخاض بعد أن يزوّر نسبها إليه.. إن ريشته أبدًا لم تتزوج وتقف أمام المذبح لتُقسم بالإخلاص، ولم تُحب وتعشق فتتطهر، وإنما كانت غانية ترقد كل يوم فى فراش جديد.. «بابلو» المدنس ابتلع بوحشية أعمال الفنان الجاد «فرناند ليجيه»، وازدرد بلا خجل عبقرية «بول كلي».. اختلس جذوة إبداعهما لينقلها بصفاقة إلى لوحاته مُدعيًا أنه أول من أعطى الإشارة وأطلق الشرارة.. ذهب يتسلل كاللص الحقير ينقض على براءة الفن الإفريقى ينتزع أقنعته المقدسة ليلبسها لوحاته فى مهرجانه الدنس.. حتى نقاء الطفولة وطٌهرها انتهكها ذلك المدعى مصاص الدماء فسرق خطوط تلقائيتها ليبدو وهو الغليظ الوحش بريئًا عفويًا متفتحًا.. لقد ذهب ضميره بلا رجعة وسكنه شيطان دءوب لا يمل اختطاف إلهام الآخرين وإزهاق أرواحهم.. القزم المقيت العارى تطل من عيونه الجاحظة المرعبة نظرات لا ترى الجمال إلا فى البشاعة.. الحقد الذى يملؤه من دمامته يطلقه على كل ما هو جميل فى الحياة.. لم يمكث طويلا يخطف إنسانية المهرج عند الفنان «تولوز لوتريك»، أو يعزف بصبر على أوتار الفنان «شاجال» السماوية الزرقاء، وإنما ذهب إلى ملامح الوجوه التى خلقها اللـه متناسقة التوازن ليمسك بريشته العربيدة يشوّهها مدعياً الخلق الفني.. لقد حوّل العيون إلى أسماك ميتة يزرعها عابثاً أينما يحلو له حتى أن شيطانه ألصقها حينا فى القفا، طعن الوجوه بسكين التكعيبية فأصبح الإنسان له أكثر من وجه، وهنا فقط يُعد «بابلو» صادقاً مع نفسه معبرًا عن ذاته، فهو المخادع صاحب الألف وجه.. حتى تلك المدرسة التكعيبية التى قال النقاد المغفلون إنه مخترعها لم يكن له يد فيها أو فضل عليها، وإنما بطبيعة الخيانة فى دمائه كان يتسلل إلى مرسم مخترع التكعيبية الحقيقى الفنان «براك» مدعياً توطد أواصر الصداقة بينهما، ليُبهر بمولد التكعيب والثورة الفنية الكاسحة، فيهرع سرًا إلى لوحاته يغش فوقها الميلاد ويحطم مثل «براك» القوانين.. ويسرع الحرامى بلا خجل بمعرض جديد من نوعه يقدمه إلى الجماهير الغافلة عن الأب الحقيقي.. ولكن.. حتى التكعيبية لم تسلم من سمومه، فأصابع الأنثى المرهفة الوادعة التى تربت بها رقيقة كأوراق الياسمين على وجه الحبيب وتضم بها جسد وليدها الغض انهال عليها بيكاسو بنزعة المنتقم مُستخدمًا فئوس ريشته الإبليسية يحطم عقلاتها فتتورم عقدا وتتشوه خلجاناً وتغدو مخالب عظمية يختلط فيها الإبهام بإصبع وديع كان فى زمان السلام يحتمى فى حضن خاتم حب.. ثدى المرأة الواهب الحانى منبع النماء والعطاء والاحتواء رسمه الإبليسى قذيفة مدفع للدمار.. بل فى عبثه بجسد الأنثى هبط بها إلى درك البهيمة فأخرج منها العديد من الأثداء وكأن مهمتها فى الحياة فقط تنحصر فى درّ اللبن.. ذاك الرجل الكريه يرسم الثور بشبق لأنه فى ذاته ثور إسبانى جامح تثيره الدماء.. لقد كان يدمى جلدى بنار سجائره يطفئها فى كل مكان فأصرخ ألماً فيتمتم اعتذارا، لكن فرحًا شيطانيًا يلمع فى نظرته الوقحة.. بابلو لم يكن فنانا أصيلا لكنه صدق كذبته وارتدى عباءة ادعائه بالريادة بعد تصفيق البلهاء له وامتلأ بالغرور.. كان يعرف أننى أعرف سرقاته وزيفه وكذبه، ومع ذلك ينظر نحوى من فوق عليائه.. لقد تضخم واستشرى كتلة قميئة مغرورة تريدنى أبدًا أن أركع جارية فى محرابها.. كان يعاملنى كحيوان منزلى بمشاعر مروض سيرك فى يده سوط لاذع.. يا عالم.. يا نقاد.. إنه رجل مختل.. تركته لأعيش مع إنسان سوىّ.. مع بشر.. مع رجل عادى وليس مع مجرد نصب تذكارى قومى!!».

وتذهب فرانسواز وتأتى «دورامار» المصورة اليوغسلافية وفرناند وجنفيف وعشرات غيرهن إلى أن يلتقى بيكاسو برفيقة شيخوخته «چاكلين روك» التى تصغره بـ44 عاما والتى همس لها بعد رحلة حب، حبيبتي.. ينتابنى نحوك قلق عميق، فقد أمرض يوما ولا يتركك الآخرون بجوارى لتمدى ليّ يدك الحنون بملعقة دواء.. سيتساءلون بأى صفة تجلس هذه المرأة بجوارك».. هنا قبلت جاكلين عرض الزواج الذى تم فى احتفال سرى فى 2 مارس 1961، واستمر الزواج حتى رحيل بيكاسو فى 8 ابريل 1973، وكتبت «چاكلين» مذكراتها مع بيكاسو فى كتاب أبيض بعنوان «من الذاكرة عنه وعن الذكريات معه» ترد فيه على اتهامات فرانسوا فى كتابها الأسود عن الفنان..

جاء فى صفحات چاكلين الزوجة المحبة «أنا وبيكاسو عشنا كالفقراء وهذا ليس كذبا فهو لم يكن يشترى البيوت والقصور إلا ليرسم ويعلق فيها لوحاته.. أرفض أن أصدق أنه مات.. أرفض أن أحمل لقب أرملة بعد أن قضيت مع بابلو أجمل أيام وأرق السهرات حتى الفجر انظر فيها إلى العبقرى وهو يرسم وأمسح حبات العرق من فوق جبينه المرهق.. قابلته فى عام 1953 فى محل لصناعة الخزف ونظر لى بعينيه وأحسست لحظتها بالحب المتدفق، وسط انهماكه فى عمله أجلس صامتة أرنو إليه وكان يُدير رأسه ناحيتى ويقول: چاكلين أنت هنا.. ويقوم من مكانه ليطبع قُبلة على خدى، كان يقول لأصدقائه دائماً: عندما تتنفس چاكلين أنا أتنفس.. فى دولابى فستان من ورق الشيكولاتة صنعه لى بيديه، على طاولة الرسم وعلى ظهر علب الخامات كتب بكل الألوان عبارة (چاكلين.. أحبك.. أعشقك)، لقد أحبنى بابلو كما لم يحب امرأة قبلي.. غاب عن العالم كله لكنه لم يغب عنى لحظة واحدة.. إننى أذهب إليه فى اليوم الثامن من كل شهر لأحكى له ما فعلته طوال فترة غيابى عنه بالتفصيل.. كل الناس تسمى المكان الذى يرقد فيه قبرًا ولكنى أعتبر مكان رقدته بيتًا اختاره بابلو ليستريح.. لازال يعيش معى فى كل ركن ولوحة وتمثال».

رحل بيكاسو ليترك ثروة تُقدر مبدئيًا بمليار وثمانمائة مليون فرنك إلى جانب مقاطعة كبيرة فى الريف الفرنسى وثلاث شقق فاخرة فى باريس وقصرين فى إسبانيا.. ويتنازع الورثة التركة الهائلة وتنعقد جلسات المحاكم ويرتفع الضجيج ويستغرق حصر التركة سبعة أعوام ليفصح الجرد عن 1885 لوحة و11748 رسمًا و1228 تمثالا و2800 قطعة سيراميك، و8 سجاجيد، وكان قد أعلن فى عام وفاته 1973 أن عدد الورثة الرسميين ستة أشخاص غير ذريته غير الشرعية التى لها حق الميراث، حيث ترك الأب الروحى أملاكه معلقة، بلا وصية.. ذهب بيكاسو وتبقى «چاكلين روك» فى قلعة «موجان» جنوب فرنسا التى تضم 35 حجرة وحدها مع شخوص بيكاسو التأثيرية والتكعيبية وتكويناته التجريدية وظلال الذكريات وأنين كلبه الأفغانى.. وتفقد چاكلين قدرة التماسك فتضغط على زناد المسدس لتتلقى طلقة الانتحار فى 15 أكتوبر 1986، وتبعاً لوصيتها يلف جسدها فى قماش آخر لوحة تجريدية رسمها بيكاسو بلون رمادى على هيئة شُعاع لترقد بجواره فى حديقة قلعة موجان!

وتبقى خالدة لوحات بيكاسو سواء كان صاحبها ملاكًا أو شيطانا.. مرهفًا أو وحشًا.. مبدعا أو مزيفًا.. رائدا أو ناقلا.. حقيقيا أو نصابًا.. فالرجل على مائدة النساء تتناوله إحداهن على طبق مزيَّن بالورد والفستق وحبات عيون الكريز وفصوص الزبيب البناتى.. وتفتح أخرى كرشه بسكين المطبخ الصدئ لتلقى بالأشلاء العطبة لقطط صفائح القمامة فى غياهب ظُلمات بسطة سلم الخدم!!

فى سنواته الأخيرة استقر «بابلو» على تلال مدينة «فان» فى شارع نوتردام، وانطفأت حياة العبقرى الطاغية فى الثامن من ابريل عام ١٩٧٣ عن عمر يناهز الـ٩١، ولكن ضوء أعماله وسحرها سيظل خالدًا أبدً، وكان آخر أعمال الفارس لوحة «الفرسان».

فارس الفن الذى قال عن الفن: «الفنان يأخذ موضوعاته بالضرورة من الحياة، ولكن وفقًا لعملية انتقائية واضحة وخاصة»، «الرسم بالألوان ليس نثرًا وإنما شعر مكتوب بالأبيات مع القافية التشكيلية»، «الرسام لا يختار فهناك أشياء تفرض نفسها عليه، وتأتى أحيانا من عوامل وراثية تعود إلى ما قبل المرحلة الحيوانية.. إن ذلك غامض للغاية ومزعج إلى حد مخيف»، «الرسام ليس حرًا للدرجة التى يعتقدها البعض»، «لا يمكننى أن أدفع بفكرتى للنهاية، فالرسم ينضج ببطء، ولا أتوصل إلى النهاية الأخيرة إلا بعد حين، وقد لا أتوصل أحيانًا لإضافة اللمسة الأخيرة التى تكون ضرورية»، «لا أمتلك أساسًا جماليًا مسبقًا يمكنه أن يفيد توجيهى فى الاختيار؛ فشجرتى شجرة غير موجودة، وهذا ليس موقفًا جماليًا على الإطلاق»، «أحب الأشياء التى لا يزيد ثمنها على الأربعة قروش بحيث لو كان علىّ شراؤها بالملايين لكنت قد أصبحت فى الحضيض منذ زمن طويل»، «لماذا ينبغى أن أبدّل بيتى من وقت لآخر، لو كان علىّ القيام بذلك فى كل مرة تتقاتل فيها النساء بسببى لما تسنى لى الوقت لأفعل شيئًا آخر فى حياتى»، «إذا لم أسافر، لن أتوصل للمشاهدة»، «لقد كنت طفلا ولد قبل الأوان، بل قبل الأوان بكثير»، «لا يهمنى أن أتمكن أو ألاّ أتمكن من الحكم على ما يأتى بعدى»، «ليست اللوحة كيس شراء، أو حقيبة يد مليئة بالأمشاط ودبابيس الشعر وأحمر الشفاه ورسائل الحب القديمة ومفاتيح الأبواب»، «أنا لا أريد إلا أن يكون هناك تفسير واحد للوحتى، فلا أبغى وجود ثلاث أو أربع أو ألف لتفسير إحدى لوحاتى.. لقد رددت طويلا أنى لا أحاول التعبير عن الطبيعة بل الاشتغال بها، وأريد لهذا الانفعال الداخلى أن يقدم نفسه لمن يتطلع إلى لوحاتى».. «لوحة آنسات أفينيون هى تعويذتى»، «لماذا نرسم الأشياء كاملة ولا نستخدم فى لوحاتنا جزئيات منها»، «ألاحظ الطبيعة وأراعى الشبه الأكثر واقعية من الواقع الذى قد يصل إلى ما فوق الواقع»، «أُشيّد الصورة ثم أدمرها، وفى النهاية لا شيء أفقده، فالأحمر الذى قد أقصيه من أحد المواضع أجده يظهر فى مكان آخر»، «إننى لا أبحث.. بل أجد»، «أنا لا أضع جميع الأشياء التى أحبها فى صورى»، «حين أحب امرأة يمزق ذلك كل شيء ولاسيما لوحتى»، «حين اكتشفت الفن الزنجى، ورسمت ما يسمونه مرحلتى الزنجية، كان ذلك لكى أعارض ما كانوا يسمونه بالجمال»، «ليس لدىّ أصدقاء بل عشاق»، «بعد أن يموت ماتيس، سيبقى شاجال الرسام الوحيد الذى يفهم ما هو اللون حقًا»، «لا أريد أن أرسم ملائكة فأنا لم أر يومًا ملاكًا»، «أنا رسام المرأة، والمرأة بالنسبة لى فى جوهرها آلة للألم»، «إذا لم يأت أحد لمشاهدتى تضعف همتى للعمل، فهذه الاتصالات تعيد شحن بطاريتى، حتى ولو بدا أن ذلك لاعلاقة له بعملى، الأمر يشبه اشتعال عود ثقاب ليُضىء يومى».


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: