رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كنت فى مركز دراسات الأهرام!

هناك أحداث تاريخية من الأهمية والسطوة على حالة ما قبل وما بعد فى التاريخ بحيث تدفع الانسان إلى تحديد موقعه منها ساعة التأثير الكبير على الدولة أو العالم. فى فجر الإسلام كان يقال إن فلانا شهد بدرا أى أنه كان حاضرا فى معركة بدر، ومن ثم بات من الصحابة والموعودين. وفى عهدنا فإن أيام الثورات كلها من يوليو ١٩٥٢ حتى يونيو ٢٠١٣ عُدت أياما لا تنسي. وأحيانا يكون هناك قياس عكسى بحيث يتساءل اليابانيون أين كانوا ساعة إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما؛ ولدينا فى مصر بات الخامس من يونيو يوما يذكر، ولم ينف ذلك تحديد المكان ساعة نشوب حرب أكتوبر ١٩٧٣. أحداث الحادى عشر من سبتمبر ٢٠٠١ بكل ما فيها من مفاجأة ودراما شديدة الوطء باتت جزءا من التاريخ الأمريكى الذى يتساءل فيها الأمريكيون أين كانوا ساعتها، ويوجد منهم من يتذكر أحداث اليوم بالتفصيل من أول وقت الاستيقاظ وحتى سمع بضربة البرج الشمالى لمركز التجارة العالمى فى نيويورك قبل الساعة التاسعة. الرئيس الأمريكى وقتها جورج بوش الابن يتذكر دائما أنه كان يقرأ فى مدرسة قصة للأطفال قام فيها الماعز بدور البطولة حينما جاءه خبر الضربة الأولي، فاستمر فى الحكى على أساس أن الأمر حادث مؤسف من طيار ضل الطريق، حتى جاءه الخبر بالضربة الثانية مرفقا بها أن الولايات المتحدة باتت تحت الهجوم. لم تعد الولايات المتحدة كما كانت بعد ذلك اليوم، وأظن أن العالم أيضا يعيش فى ظل ذلك الوقت؛ ومن يومها كان التساؤل المشروع حول عما إذا كانت أمريكا لاتزال دولة عظمى تقود العولمة، والتساؤل المشروع الآخر عما إذا كانت الدنيا لا تزال تعيش حالة الحرب ضد الإرهاب أم أن جائحة كورونا حلت محلها فى المكانة التاريخية لتغيير العالم.

يومها كنت فى مكتبى بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام؛ وكما هى العادة عصر ذلك اليوم كان هناك جمع من الزملاء نتناقش فى قضايا الكون. دخل أحمد حسن عامل البوفيه الهمام وهو فى حالة وجل شديد لكى يخبرنا بأن طائرة قد اصطدمت بناطحة سحاب فى نيويورك. كانت هناك شاشة تليفزيونية فى قاعة اجتماعات المركز، وكانت تعمل على دوام ساعات العمل، ومن كثرة حضور الندوات وورش العمل اكتسب العاملون حساسية كبيرة للأحداث السياسية. ومع دهشة الخبر، ومن باب الاحتياط، وضعنا التليفزيون فى حالة اليقظة، وإذا بنا بعد دقائق نشاهد من شبكة سي.إن.إن دخول الطائرة الثانية إلى البرج الجنوبي. ومن بعدها تحول المركز إلى حالة لم يشهدها منذ دخول العراق إلى الكويت حينما أصبح غرفة عمليات مستمرة. وبالنسبة لى لم تنقطع صلتى المباشرة بالموضوع حينما دعانى المنتدى الاقتصادى العالمى للمشاركة فى مؤتمره السنوى الذى تقرر أن يعقد فى نيويورك بدلا من مكانه التاريخى فى دافوس بسويسرا. وهكذا وصلت إلى التفاحة بعد أربعة أشهر من الكارثة الكبيرة، وهناك اصطحبت د.إبراهيم المهنا الصديق السعودى وخبير البترول المعروف إلى مكان البرجين. كانت الرائحة رغم مضى الزمن لا تزال فى الأنوف، وكان المشهد كما لو كان قد تحول إلى مشهد على ظهر كوكب بعيد، وكانت هناك لوحات كبيرة عليها الكثير من الصور والأسماء والعبارات، وكان علينا ـ سعودى جاء من بلده ١٤ من الإرهابيين، ومصرى جاء من بلده قائد هذه العملية الإرهابية كلها، وهى معلومات لم يمل الإعلام الأمريكى عن تكرارها - أن ندخل إلى المكان الحزين.

كان طبيعيا أننا وبلدينا لا نتحمل أى مسئولية عما حدث، ولكن كانت لدينا أسباب كثيرة لكى نشك فى أن الشرطية الواقفة على بوابة الدخول إلى المكان سوف ترحب بنا فور إطلاعها على جوازات السفر الخاصة بنا. قررنا الاقتراب وقبل أن نعطيها أوراقنا قلت لها إننى مصرى وصديقى سعودى وجئنا لكى نصلى على الضحايا، فقالت بعد زفرة لا أدرى هل كان فيها ارتياح أم غضب: Get in. دخلنا وقرأنا الفاتحة على أرواح الضحايا، وعدنا إلى المؤتمر مرة أخري. ولكن ذهنى لم يتوقف عن التفكير عما إذا كنا فى مركزنا البحثى قد قمنا بواجبنا إزاء مقاومة الإرهاب. وبعد تفكير طويل كانت الإجابة هى أننا قمنا بالواجب حيث كان بالمركز عدد كبير من الخبراء فى الموضوع، ومنذ صدور التقرير الاستراتيجى العربى الأول فى ١٩٨٦ أصبحت الجماعات الدينية الراديكالية وتصنيفاتها فى التطرف والعنف قد باتت جزءا دائما. وبعد أن ارتفعت وتيرة الإرهاب فى أثناء التسعينيات قام الأستاذان نبيل عبد الفتاح وضياء رشوان بإنتاج تقرير الحالة الدينية الذى طبع الأول منه طبعتين. وقام الأخير – رئيس هيئة الاستعلامات الآن - بما هو أكثر حيث قام بإنتاج دليل الحركات الإسلامية الذى ترجم إلى اللغة الإنجليزية وصار مرجعية مهمة من مرجعيات دراسات الراديكالية فى تلك المرحلة وما بعدها. أكثر من ذلك، وحينما صدر تقرير لجنة الكونجرس فى التحقيق لأحداث الحادى عشر من سبتمبر بقيادة توماس كين ولى هاملتون، وجدت من الضرورى ترجمة هذا التقرير إلى اللغة العربية، وهو ما حدث بقيادة د. حسن أبو طالب بتمويل للترجمة والطباعة من السيد جلال الزوربا رجل الأعمال ورئيس اتحاد الصناعات الأسبق. من ناحيتى فقد تزاملت مع أخى وصديقى اللواء الدكتور محمد قدرى سعيد فى كتاب الأفكار والأسرار ١١ سبتمبر ٢٠٠١ وصدرت منه طبعتان أيضا. هذا التراث الآن جزء مهم من فكر وعمل كثيرين فى مصر بذلوا جهدا فائقا من أجل مقاومة الإرهاب والفكر المتطرف؛ فهى معركة مصر بقدر ما هى معركة العالم.


لمزيد من مقالات د. عبد المنعم سعيد

رابط دائم: