رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر وفرنسا .. شراكة تتعزز

عندما استقبلت السفير الفرنسى ستيفان روماتيه فى مكتبى بجريدة الأهرام فى نوفمبر 2017 كان قد أمضى شهورا قليلة فى القاهرة، وكان سعيدا للغاية بوجوده فى مصر وشغوفا بآثارها وحضارتها التى طالما قرأ عنها ورأى بعضا منها، لكنه كان تواقا لمعرفة الكثير عن تاريخ مصر وواقعها، وكان يسأل كثيرا ويشير إلى العلاقة الحميمة التى ربطت مصر مع فرنسا، وأن الحملة الفرنسية القصيرة المدة على مصر فتحت نافذة كبيرة استمرت بعد مغادرة نابليون لمصر، عندما ترك عددا كبيرا من علماء فرنسا الذين انبهروا بالحضارة المصرية، وحقبها المختلفة، وكتاب «وصف مصر» وفك رموز حجر رشيد الذى تم اكتشافه هناك فى عام 1799 على يد جندى فرنسى يدعى بيير فرانسوا بوشار، ليتمكن العالم لأول مرة من قراءة اللغة المصرية القديمة.

وكانت البعثات العلمية المصرية إلى فرنسا إحدى الثمار الكثيرة التى تشير إلى اهتمام فرنسا بمكانة مصر ودورها وتاريخها العريق، واحتضنت باريس الطلاب المصريين، منهم رفاعة الطهطاوى وطه حسين وكثيرون غيرهما فى مختلف مجالات المعرفة، فقد كانت فرنسا نافذتهم على العلوم الحديثة، فتعمقت الروابط الثقافية القائمة على الاحترام والتعاون.

أما اللقاء الأخير بيننا فقد كان قبل مغادرة السفير الفرنسى القاهرة، وذهبت إلى لقائه فى مكتبه هذه المرة لأودعه، وكانت الجملة التى رددها أكثر من مرة «مصر لن تغادرنى»، وسأعود إلى القاهرة التى أحببتها، وكان هذه المرة أكثر رغبة فى الحديث عن مصر التى عرفها عن قرب، وأحبها بعمق، وظل يؤكد دوما أن مصر تستعيد مكانتها الإقليمية والدولية، وستمضى فى طريقها نحو المزيد من النجاح، فمصر لديها الكثير، وتشق طريقها بثبات وثقة، رغم كل المصاعب التى تمر بها المنطقة والعالم، وسرد عددا كبيرا من المشروعات الكبيرة والأرقام التى تؤكد تحقيق معدلات تنمية عالية فى مصر بالقياس بالكثير من دول العالم، رغم جائحة كورونا التى ضربت الاقتصاد العالمي، والأوضاع المضطربة فى المنطقة.

لكن أهم ما ركز عليه هو التقارب الذى يزداد متانة بين مصر وفرنسا، وأنه تقارب مفيد للبلدين، وتوقع أن يتواصل ويتعزز، وكان فخورا بدوره فى هذا المجال رغم الفترة القصيرة التى أمضاها سفيرا فى القاهرة لمدة أربع سنوات وبضعة أشهر، وقال إن تلك المدة رغم قصرها كانت مميزة للغاية، وإنه سعيد بما تحقق من تطور فى العلاقات المصرية الفرنسية، وإن الشركات الفرنسية وجدت فى مصر مناخا جيدا للاستثمار، وتوقع أن ترتفع الاستثمارات الفرنسية فى مصر، وأن تُنجَز الكثير من المشروعات فى مختلف المجالات، وقال إن مصر حققت طفرة كبيرة فى تطوير البنية الأساسية، ولديها فرص واسعة لجذب الكثير من الشركات الكبيرة، وإن ما شهده من مشروعات فى مصر خلال أربع سنوات فاق كل التوقعات، وهو مؤشر على القدرات المصرية الهائلة، التى غيرت وجه مصر فى مدة زمنية قياسية، وذكر بضعة أمثلة منها شبكة الطرق الحديثة ومشروعات الكهرباء والمدن الحديثة التى تبزغ فى أنحاء مصر، والتحديث الذى يسير بوتيرة سريعة، وقال إن سير حركة التعمير والمشروعات بهذه الوتيرة العالية سيجعل لمصر مكانة اقتصادية وسياسية كبيرة فى المنطقة والعالم، ولهذا فإن فرنسا حريصة على تلك العلاقة وتوطيدها أكثر من أى بلد آخر، لأن فرنسا تدرك أن مصر هى قلب العالم العربى ومفتاح المنطقة وبوابة إفريقيا المهمة، وأن الدور المصرى سوف يتسع ويقوى.


كنت أستمع هذه المرة أكثر مما أتحدث، ولم يكن ينتظر الأسئلة، بل كان متدفقا، يتحدث بكل شفافية، ووجدت أنه كان يحرص على معرفة الكثير عن مصر، ليس فقط بحكم موقعه كسفير، لكنه كان يقول إنه كان شغوفا بالاطلاع ومعرفة مصر، وكلما عرفها أكثر ازداد شغفا، وأنه لن يكف عن متابعة ما يجرى فى مصر، وسيزورها دوما مهما كان موقعه.

وتطرق السفير الفرنسى إلى المشتركات التى تجمع بين مصر وفرنسا، والتى ميزت العلاقات بين البلدين، وقال إن هناك توجهات ورؤى متقاربة للمشكلات فى المنطقة وسبل حل الأزمات، وإن مصر سيكون لها الدور الأكبر فى التغلب على تلك المشكلات والأزمات التى تعرضت لها المنطقة، سواء المتعلقة بالإرهاب وأهمية القضاء عليه لتنعم المنطقة بالاستقرار والهدوء، وتوجه طاقاتها نحو التنمية، وكذلك رأب الصدع بين دول المنطقة، وأن تسلك طريق الحوار، ومصر قادرة على إدارة وتفكيك كثير من هذه التشابكات والأزمات التى تكبل المنطقة وتعانى منها الدول والشعوب، ومن بينها الرؤية المتقاربة لحل القضية الفلسطينية، وإعادة الوئام بين دول المنطقة، والسيطرة على الأزمات، وإيجاد حلول لها بدلا من الوسائل الأخرى.

وعندما سألته عن سبب حضور الرئيس الفرنسى ماكرون مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة ولقائه مع الرئيس عبدالفتاح السيسى قال إن حضور الرئيس الفرنسى كان ضروريا لدفع هذا التوجه نحو الأمام، وإن المنطقة والعالم بحاجة لهذا الدور الذى تلعب فيه مصر دورا محوريا، فهو طريق الاحتكام للعقلانية السياسية، ولجم الأزمات قبل أن تستفحل، ورأب التصدعات التى اتسعت وأصبحت شبحا مخيفا، لا يهدد المنطقة فقط، بل ستتمدد وتصبح أكثر خطورة، وأشار إلى ما حدث فى أفغانستان، وفشل طريق استخدام القوة فى التغيير، والطريقة السيئة التى أدارت بها الولايات المتحدة الأزمة، والطريقة الأسوأ فى الخروج منها، وهذا ما يجب أن نستخلص منه الدروس المفيدة، وأن نسعى إلى الحلول السريعة للأزمات، وهذه الرؤية تتشارك فيها فرنسا مع مصر، ويمكنهما مع البلدان الصديقة فتح مسارات أخرى لحل الأزمات بالحوار وشق طريق نحو التنمية ورفع مستوى المعيشة، وحماية البيئة ومواجهة المخاطر الكثيرة مثل انتشار الأوبئة والتغيرات المناخية، وكلها تحتاج منا إلى العمل الجماعى ومد جسور الصداقة والحوار.

صافحت السفير الفرنسى مودعا، لكنه وعد بالعودة ليتابع ما تحقق فى مصر من تحديث وتنمية، وقال إنه على ثقة بأنه فى كل مرة سيزور مصر سيجدها أفضل.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: