رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عاشت وأبدعت فى أحضان الألم
فـــريدا كـاهـلو

فى حياة فريدا كان فى الألم المزمن ما يُشبه تعرض المرء للالتهام وهو على قيد الحياة، فثمة وحش غير مرئى يقوم بالنهش فى الجسد الحى.. لا يُوحى المظهر الخارجى بشىء، ولكن من الداخل يتعرض الإنسان للتدمير.. للتجريف، ولكن طاقة الكائن البشرى على الاحتمال ليست بلا حدود، فهناك لحظة ما لا يعود فيها الاحتمال ممكنًا، وهنا: إما الانتحار وإما الجنون.. وحين يبدأ المرء يعانى الألم الجسدى يكره جسده ويثور عليه، وهذا ما عاشته الفنانة التشكيلية فريدا كاهلو، غير أنها لم تستسلم لقدرها، ولم تصطدم بحاجز يحرمها من قوة الاحتمال.. لقد بقيت صامدة شامخة كسنديانة، وقد اختارت الرسم طريقًا للتفوق على المرض والألم والمعاناة، وساعدها فى ذلك زوجها ورفيق دربها الرسام المكسيكى «دييجو ريفيرا».. غير أن مساعدة ريفيرا لم تكن بلا عواقب وخيمة، فمعه عاشت «فريدا» ممزقة بين العشق والغيرة والوله والشجن والجنون والإعجاب.. لقد كان الرسام محط إعجاب النساء، وكان على «فريدا» أن تجذبه إليها طوال الوقت.. كان عليها وهى فى أوج الألم أن تحارب جبهتين كلتيهما مُرْ.. جبهة المرض وجبهة الحب.. كان عليها بذل المحاولات الحثيثة للفت انتباه زوجها إليها؛ لتغدو دائمًا فى بؤرة اهتمامه، وكان على محاولتها تلك أن تكون استثنائية وخارجة عن المألوف وتكون وحدها ملكتها ومبدعتها، وحين عجزت عن ذلك أخذت ترد بالمثل، ومثلما تحرقها النار وجهت نيرانها نحو حبيبها وغريمها فى الوقت نفسه.. شرعت فى نسج صداقتها مع المعجبين والزوار من رجال الفن والأدب والسياسة، وبخاصة الثورى الروسى «ليون تروتسكى» الـمُعادى لستالين، فيما كان «دييجو ريفيرا» ستالينيًا حتى العظم، ومن هنا حاول ريفيرا أن يغتال تروتسكى؛ كى يتخلص من صديق زوجته وخِصم زعيمه فى آن واحد.

فى لوحتها الأخيرة أخذت فريدا ترسم امرأة تشبهها تحنو على رجل بملامح طفولية يشبه ريفيرا.. لقد وجدت فى نفسها أمًا بعدما فشلت فى أن تكون حبيبة.. لقد عاشت «فريدا» فى ظل الألم ومظلة «دييجو» فى وقت واحد، وكان الظِلان يكمِّلان بعضهما بعضا.. إن حكاية «فريدا» تشرح خيانة الجسد حين يعج بالألم ويتحول إلى قاطرة للعذاب تجرى وتجرَّ الروح معها.. إن المرض الذى شدّ «فريدا» إلى الفراش وربط جسمها بالأوجاع أوصلها إلى حافات اليأس والعجز فى شكل مرعب.. الألم الجسدى لا يقاوم اللغة وحسب بل يحطمها.. المريض الذى يعانى من الآلام يتوقف عن الكلام ويبدأ بالصراخ، يعود إلى حالته الطفولية الأولى حينما لا يكون قادرًا على الكـلام للتعبير عن دواخله، لهذا هناك كلمات فى كل اللغات تعبّر عن هذا العجز تمامًا.. نحن نقول عن شىء ما: لا يمكن التعبير عنه.. أو لا يمكن تخيله.. أو إنه يفوق الوصف، أو إنى عاجز عن التعبير.. وهذا ما كان بالضبط واقع الحال مع فريدا.. رحلة حياتها مع الألم والفن هى رحلة فى قلب الظلام. ظلام العذاب والمعاناة، وهى فى الوقت نفسه تعبير عن الديناميكية الداخلية التى تمكنت «فريدا» عبرها من تخزين الأحزان لتستوى وتنضج وتصير طاقة للخلق والإبداع والابتكار، وتحوِّل المرض من بشاعة ملتصقة بالجسد إلى جمال يشع مع الفن.


حين سمعت «فريدا كاهلو» من الشاعر أندريه بريتون أن هناك طابعًا من السريالية يتمشى فى لوحاتها تعجبت كثيرًا وقالت على الفور: «إن كل ما رسمته انبثق من وحى عالمى الواقعى».. قالت إنها تجر العذاب من الأعماق وترفعه إلى الأعلى لتعرضه على سطح اللوحة.. لقد أرادت رسم الألم كجسد له يدان وعينان وقدمان.. كان من الصعوبة التعبير عن الألم بالكلمات أو الألوان، غير أن فريدا أفلحت أن تجعل من فرشاة الرسم ما يشبه مبضع الجراح لتشق بطن الألم وتستأصل الأحشاء التالفة، وتضع بديلها ألوانًا عامرة بالصحة والعافية والتأجج..

فريدا ابنة المهاجر الألمانى الذى تزوَّج بالأم المكسيكية لتولد الرسامة الشهيرة فى ضاحية كويوكان بالعاصمة المكسيكية، وفى السادسة من عمرها تصاب بعدو الطفولة، شلل الأطفال الذى يطعن ساقها اليمنى ليترك فيها الإعاقة التى تشكّل ألمها النفسى العميق لتظل لا ترتدى الثياب القصيرة أو الفستان إلا مع الجوارب الصوفية الثقيلة فى عز الصيف لإخفاء إعاقتها.. وفى مساء ١٧ سبتمبر تتعرض «فريدا»، وهى فى الثامنة عشرة مع أحد أصدقائها إلى حادث تصادم عنيف بين أحد الأوتوبيسات وإحدى السيارات، مما يتسبب لها فى ضرر شديد؛ حيث يخترق قضيب معدنى بطنها مُسببًا جرحًا عميقًا وكسرًا فى الفقرة الثالثة والرابعة من عمودها الفقرى أسفل الظهر، وينتهى الأمر بإلقائها داخل الجبائر محكوم عليها بالبقاء مقيَّدة فى سريرها لعدة أشهر، حيث استطاعت الأم تهوين تلك المعاناة على الابنة الموهوبة فى الرسم بأن تجلب لها فى وضعها المستلقى حوامل الرسم والألوان، وتبدأ «فريدا» بالرسم وكانت قد درست الفن فى المدرسة الإعدادية الوطنية، واستطاعت «فريدا» من خلال السرير المتنقل والمرآة الضخمة المعلّقة فى السقف أن تنقل صورتها إلى لوحاتها، ومن هنا كان البورتريه الشخصى موضوع لوحاتها الأثير.

وفى عام ١٩٢٨ تنخرط «فريدا» فى الحزب الشيوعى المكسيكى، وبعد عام واحد تتزوج بالرسام «دييجو ريفيرا» لتُسافر معه عام ١٩٣٠ إلى كاليفورنيا، حيث عمل فى عدة لوحات جدارية ومنها إلى «دترويت» ليكمّل مسيرة جدارياته، وفى تلك الأثناء تحمل فريدا وتجهض مما أثر على أعصابها كثيرًا، وعندما قام «ريفيرا» برسم جدارية تمثّل «لينين» فى نيويورك تم تحطيمها بأكملها من الجماهير ليعودا إلى المكسيك عام ١٩٣٣، ومعهما السياسى «تروتسكى» وزوجته «ناتاليا» فى منزلهما المعروف بالبيت الأزرق، وبمناسبة عيد ميلاد «تروتسكى» فى ٧ نوفمبر ١٩٣٧ قامت «فريدا» برسم لوحة له أسمتها «بين الستارتين»، وفى عام ١٩٣٩ ينفصل دييجو وفريدا التى أدماها الطلاق، لكنها أنتجت العديد من اللوحات الخصبة فى تلك الفترة، وأطلت آلام الحادث القديم لتعود أكثر شراسة مما دفع «فريدا» للعودة إلى «دييجو» مرة ثانية؛ للارتماء فى أحضان حنانه، ويتزوج الحبيبان الخِصمان اللدودان مرة أخرى فى عام ١٩٤٠، وكان الضيف الثقيل «تروتسكى» وزوجته قد انتقلا إلى منزل آخر فى «كيوكان»، حيث اغتيل تروتسكى لاحقًا.. وقبل أيام قليلة من وفاة فريدا كاهلو فى ١٤ يوليو ١٩٥٤ كتبت فى مذكراتها: «أتمنى أن يكون خروجى من الدنيا ممتعًا، وأتمنى ألا أعود إليها ثانية».. وكان السبب الرئيسى فى وفاة «فريدا» هو الالتهاب الرئوى، لكن البعض يشك بأن تكون توفيت بسبب جرعة مفرطة من المسكنات قد تناولتها عن قصد أو دون قصد، ولم يتم تشريح الجثة قط، وكانت قد بلغت حد السوء من المرض خاصة بعد بتر ساقها اليمنى حتى الركبة بسبب الغرغرينا.. وكتب «دييجو ريفيرا» لاحقًا فى سيرته الذاتية أن اليوم الذى ماتت فيه «كاهلو» كان أكثر الأيام مأساوية فى حياته، مضيفًا أنه اكتشف متأخرًا أن أفضل أيام حياته كانت هى التى شاركته فيها كاهلو الحياة.

وبعد عام على وفاتها التقى ريفيرا مجددًا بحبيبة أخرى «دولوريس أولميدا» وكان قد تعرَّف عليها مسبقًا فى عام ١٩٢٨ فى المكسيك، عندما كان يرسم لوحات جصية لوزارة التربية، لكنه كان قد فقد أثرها، إلا أنهما التقيا مجددًا عام ١٩٥٥ بعد رحيل «فريدا».. وهكذا أصبحت «دولوريس» كاتمة أسرار «دييجو» حتى وفاته فى عام ١٩٥٧ فصارت بالنسبة إليه عونًا ماليًا وممولا سخيًا؛ إذ كان يطلب منها شراء أعماله المطروحة فى السوق لإنشاء متحف باسمه «ريفيرا» فجمعت له أكثر من مائة عمل، وحين علِّمَ بأن عائلة المهندس «موريوسافا» أكثر من جمع أعمالا لفريدا كاهلو ويعرض بيع ٢٥ لوحة منها طلب من «دولوريس» إعادة شرائها.. ومنذ ذلك الوقت ظلت لوحات «فريدا» محفوظة لدى أسرتها، فضلا عن أن «دييجو» قد أورث «دولوريس» الصناديق الثلاثين التى كانت تحتوى على الوثائق الشخصية له هو وفريدا وفيها: مجموعة من الصور الشخصية، ورسومات سريعة، وذكريات حميمة، وكان «ريفيرا» قد طلب فى وصيته عدم الإفراج عن محتويات الصناديق حتى عام ١٩٧٢، أى بعد ١٥ عاما من وفاته، لكن «دولوريس أولميدا» بدافع من غيرة مستترة أطالت المدة الممنوعة حتى وفاتها عام ٢٠٠٢، حيث قام أمناء المحفوظات بوزارة المتاحف بفرز كنوزها لتخرج إلى العالم فى عام ٢٠٠٧ فى معرض بروكسل إلى جانب لوحات «فريدا» الرائعة.


وفى ذلك التاريخ أصبحت «فريدا» مرة أخرى موضة العالم وهوسه؛ حيث جمعت النجمة «مادونا» الكثير من أعمالها، وأهداها مصمم الأزياء الباريسى «جان بول جوتييه» مجموعة مستوحاة من أسلوب فريدا فى الملابس كأميرات «الإنكا»، ومنذ معرض بروكسل وحتى الآن ظلت «فريدا» أحد رموز الفن والألم، حيث قالت عن الفن «إنه الدماء التى تجرى فى شرايينى والتى لم يزل جسدى يحتفظ بها، وتلك الأجزاء التى بترت عن جسدى من جراء أوتوبيس سلبنى حرية حركتى وأخضعنى بعدها إلى ٣٢ عملية جراحية، وفقد ثلاثة أبناء حملهم رحمى، وساق أعاقها الشلل وبترها مبضع الجراح»، وعن الألم قالت: «عشت حياتى بين الضمادات ورائحة الكلوروفورم والمشارط والمناخس التى تغرّز فى عنق الثيران».

ومن جحيم الألم قالت «فريدا» فريدة آلام العمر: «الأقدام؟! وما حاجتى لها إذا كان لى جناحان أحلق بهما».. «عندما يتضح لك أنه لا يمكن تحقيق أهدافك فلا تقم بتعديل تلك الأهداف بل عدِّل من خطواتك التى تأخذك إليها»، «لا تترك أشعة الشمس تسقط فى بؤرة الغروب إلا وقد حققت شيئًا من يومك»، «بكيت قهرًا لأننى لا أمتلك حذاء يناسب إعاقتى ثم قابلت رجلا لم يكن له أقدام»، «أنا لا أرسم الأحلام أو الكوابيس أنا أرسم واقعى»، «فى نهاية اليوم نجد أننا نتحمل أكثر مما نعتقد تحمله»، «لكى يكون لا بديل عنك يجب أن تكون فريدا».

فريدة الألم معظم لوحاتها تعكس معاناتها وأوجاعها.. فى عام 1932 قامت برسم لوحتها الشهيرة «مستشفى هنرى فورد» التى لخصت قصة إجهاضها الثاني، حيث رسمت نفسها عارية على سرير المستشفى وحولها مفردات سريالية تطفو حولها مثل الجنين والورود وكلها تتصل بجسدها بشرايين دقيقة حمراء، وعندما انتحرت صديقتها فى عام 1939 رسمتها وهى تقفز من المبنى المرتفع ثم رسمت جسدها على الأرض مخضبًا بالدماء، وفى نفس العام رسمت لنفسها صورتين مختلفتين فى الملابس وخلفهما سحب داكنة وكلاهما يظهر قلبه فوق ملابسه، وفى عام 1944 قامت برسم صورتها عارية الصدر الذى يظهر من خلاله عمودها الفقرى المكسور، ومن بين لوحات فريدا الـ143 هناك 55 منها لوحة شخصية بريشتها.

فى لوحاتها رسمت «فريدا» الواقع مجسدًا فى ملامح وجهها، وفى جسدها المثخن بالجراح الذى حاولت أن تنقل تفاصيله التى يعكس ظاهرها الباطن، ودائما قامت برسم حاجبيها المقرونان كأنهما غراب ينعى بتلك النظرات الصارمة، وشفتاها المنقبضتان تعبيرًا عن مأساتها وتحملها الشديد لآلام عاتية تمزّق الجسد الغض.. فنانة تعيش اضطرابًا نفسيًا وعالمًا غرائبيًا يجمع بين الكثير من التناقضات.. هذا العالم الذى يتشكل من جسد صارعت أوجاعه إلى درجة الجنون، ونفسية ممزقة بين الحب والغيرة والصبر والاستسلام والمورفين الذى وصفه لها الطبيب لتخفيف آلامها، لكنها كانت تضاعف الجرعات لا بل وتزيدها إلى ثلاثة أضعاف حتى تغدو حركة يدها فى آخر أيامها أثقل وطأة، لكنها حتى النفس الأخير تمزج ألوانها وترسم وترسم وترسم.. وفى لوحتها «بين حدود المكسيك والولايات المتحدة» نجدها تتوسط اللوحة واقفة فى زهو وإباء بين عالمين متناقضين: عالم مكوناته آثار تاريخية لحضارة الهنود الحمر، تقف بشموخ لتناطح السماء التى تتشكل من سحابتين تتعانقان فيما بينهما، سحابة للشمس وأخرى للقمر، فيحدث انسجام وتناغم بين العمران والطبيعة، وتحاول «فريدا» أنسنة العنصرين المضيئين ــ أى الشمس والقمر ــ بإضفاء ملامح وأحاسيس إنسانية عليهما؛ حيث يتلامسان ويتعانقان كأنهما عشيقان، فيومض البرق بضوئه ليُنير سماء هذه الحضارة التى تقوم فى اللوحة، وقامت أيضًا فى الواقع على أرض كلها خصوبة وعطاء.

أما العالم الثانى الذى تصوّره «فريدا كاهلو» فهو دنيا أمريكا التى تنتصب فيها مصانع تنفث الدخان الكثيف الذى يلوّث الجو، بدلا من آثار التاريخ وأمجاد الآباء والأجداد، وبدلا من الجذور على أرض المكسيك التى تعبّر عن توغل الحضارة فى التراث، تجد خيوط الأسلاك الكهربائية الصناعية ترتبط بالبطارية التى تنتظر منا الفنانة فريدا إشعال الومضة لنلتقط لها ـ نحن المتلقين لعملها الفنى السريالى الواقعى ــ صورة وهى عروس فى أبهى حلتها تقف بين عالمين متناقضين، حاملة راية بلدها بيد وراية الولايات المتحدة بيد أخرى، وبين أصابعها سيجارة تعبّر عن احتراق الفنانة فى تحولها رمادا.. وهكذا استطاعت فريدا أن تعبّر عن حضارة شعبها بإبراز المتناقضات بين عالمين متجاورين على الخريطة.. عالم قضت فيه فترة مع زوجها «دييجو ريفيرا» قبل انفصالهما، وعالم ارتبطت به جسدًا وروحًا، وهذا الارتباط الروحانى الجسدى بالزوج والوطن سجلته فى غالبية لوحاتها، وذلك برسمه على شكل جذور طبيعية أو خُصلات من شعرها تطول وتغوص فى تربة الوطن، فتتوحد الذات بالوطن، ومما يزيد من عمق هذا الامتزاج هو اللون اللحمى القريب من لون الطمى فى غالبية لوحاتها.. إضافة إلى مفردات أخرى منها القلب، والعمود الفقرى، والقطرات التى تتشكل من الدموع، واللبن الذى يدره ثديها، والدماء التى تنزف من جرح لا يندمل.. كلها مفردات تتجمع لتصنع لوحة «فريدا كاهلو» فى حياتها ولوحاتها الغامضة التى تُثير التساؤلات حول حياة امرأة مستغربة عاشت الغربة.. امرأة ترسم لوحات بأحجام دقيقة تتزوج برسام أكبر الجداريات.. حب وارتباط وزواج فى منزلين منفصلين.. رسامة تعيش داخل قضبان معدنية تحكى لوحاتها سيرتها الذاتية تتزوج من فنان فى الثالثة والأربعين وهى فى الثانية والعشرين؛ ليُشكلا ثنائيا غريبا: عشقته فخانها فانتقمت منه.. انفصلا وعادا بعدما اكتشف كلاهما أن مؤشر كل منهما يتجه إلى مركز الآخر.. وعندما رحلت أوصى قبل وفاته فى عام ١٩٥٧ متأثرًا بإصابته بالسرطان أن يحرق جثمانه ليمزج رماده برمادها، وهو الذى قال له بابلو بيكاسو عنها: «لا أنا ولا أنت بمقدورنا تجسيد البورتريه كما تفعل فريدا»، أما ريفيرا نفسه فقد وصف لوحاتها وقتها: «بالمحبوب والرائع والمبتسم والقاسى كما هى الحياة»، وفى كوبنهاجن عام ١٩٩٧ تقدم الفنانة العراقية عشتار ياسين مسرحية تتناول حياة «فريدا كاهلو» المفعمَّة بالإصرار والمقاومة تفتتحها بأبيات شعرية حزينة تقول:

فاكـهـة وأشـجـار

ضوء ودمـوع وفـقـراء

وفــريدا كاهـــلو

مثل فراشة مكسورة محطمة

مثل دمـوع فى بحر

دموع عـلى الطريق

من يقول إن ضربات الفرشاة ستظل خالدة

لكنى سأعمل بأقصى طاقتى

لكى أتجـاوز عـالمى هـذا

عملت «فريدا» فى السراء والضراء لتترك ١٤٣ عملا خالدا لا تستطيع الدوائر الفنية ولا النقاد تجاهله، كما أن السينما لم تقف أمام الظاهرة البرّاقة مكتوفة العدسات، فسيظل تاريخ الفن السينمائى يذكر الفيلم الذى قام على قصة حياتها وقدمته للشاشة عارضة الأزياء الشهيرة المكسيكية اللبنانية الأصل «سلمى حايك» وقامت الفنانة اللبنانية «كيكى بوكاسا» فى عام ٢٠١٠ بإقامة معرض لفريدا أطلقت عليه اسم «النسخة البيروتية لكاهلو» وضم بعضا من أعمالها إلى جانب سريرها الشهير الذى قضت فوقه فترة طويلة من عمرها، إثر إصابتها بحادث الأوتوبيس، وقد وضعت فوق السرير مرآة كبيرة كانت «فريدا» تحدق بها وترسم نفسها المتألمة بمشاهد خارجة عن المألوف!

ترحل «فريدا» لتوقف أسرتها مبيعات دمية باربى المستوحاة من شخصيتها، وكانت شركة «ماتيل» الأمريكية للألعاب قد أطلقت سلسلة من دمى باربى باسم «نساء ملهمات» تستوحى إحداها شخصية الرسامة المكسيكية الراحلة، وقد قادت حملة المنع «مارا روميرو» ابنة أخت كاهلو التى تملك حقوق العلامة التجارية لصور خالتها حول العالم، وقد كان لـ«فريدا» أختان أكبر منها هما «ماتيلدا» و«أدريانا» وأخت أصغر اسمها «كريستينا» التى أنجبت «مارا» صاحبة حقوق الإباحة والمنع.

---------------------------

[email protected]

 


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: