رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

البعد الثقافى للجمهورية الجديدة

مازلت مؤمنًا وسوف أظل بأن العامل الثقافى هو المتغير المستقل الذى تتبعه متغيرات أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية وليس ذلك حديثًا مطلقًا بلا دليل، إذ أن الحضارات الكبرى هى نسق ثقافى بالدرجة الأولى ولا يمكن فهم نظام سياسى أو حتى طبيعة حاكم فرد إلا بالرجوع للبيئة الثقافية والمناخ العام الذى نتحدث من خلاله عن طبيعة السلطة وكيفية إدارة شئون الدول، لهذا فإننى أنطلق من ذلك المنطق لكى أقول إن حكمنا على الأوضاع السياسية والمتغيرات الاجتماعية إنما يبدأ من فهمنا للثقافة السائدة ودورها فى تحديد الهوية التى ننطلق منها، والمصريون قبل غيرهم هم أقرب الناس إلى فهم هذه المعادلة، ومازلت أستعيد فى هذا المقام العبارة الذهبية التى قالها الرئيس الانتقالى عدلى منصور فى إحدى خطبه إن الشعب المصرى تحمّل القهر السياسى لعدة قرون والضغط الاقتصادى لعدة عقود ولكنه لم يتحمل العبث بهويته الثقافية لأكثر من عامٍ واحد، وذلك يعنى أن التراث المصرى ثقافى بطبيعته مرتبطٌ بالتاريخ الاجتماعى للمصريين، فالثقافة بمفهومها الواسع ليست فقط كتبًا تقرأ أو معلومات تتجمع ولكنها قبل ذلك كله طريقة حياة وأسلوب معيشة، وليس من المبالغة أن نقول إن الثقافة هى الطعام والشراب والزى القومى والأغنية الشعبية التى تعبر عن مرحلة معينة بما لها وماعليها، ولذلك فإننا حين نبشّر بالجمهورية الجديدة فإنه يتعين علينا أن نبشر بنهج ثقافى مختلف ونمط أخلاقيٍ مغاير، وحين نفكر فى مستقبل مصر فإننا نضع أيدينا بقوة على العامل الثقافى الذى يحدد فى النهاية طريقة التفكير ونوعية التأمل وطبيعة الحياة القادمة، ولعلى أوجز ذلك فى بعض الملاحظات أهمها:

أولاً: إن المكون الثقافى لمجتمعٍ ما هو الذى يتحكم فى شخصية ذلك المجتمع والمخرجات المتوقعة منه فكرّا وانتاجًا وعلاقات اجتماعية، والمكون الثقافى المصرى عريق بتاريخه الطويل ثقيل بتراثه المتراكم فلا نستطيع أن نغفل أبدًا أن السلعة الثقافية هى أغلى ما تصدره مصر إلى خارجها ولعل ذلك يفسر أهمية السياحة الثقافية فى بلادنا، فبرغم شواطئنا المفتوحة ورمال بحارها الساحرة إلا أنه يبقى دائمًا ذلك الخيط الذى يشد الجميع تجاه آثارنا الفرعونية واليونانية والرومانية والعربية الإسلامية باعتبار مصر ركيزة ثقافية ومصدرًا للقوى الناعمة التى لا يباريها فيها أحد، ويكفى أن نكرر المقولة التى تتردد أن الدول الأخرى تحفر فى أرضها فتخرج المياه أو النفط ولكن عندما يحفر المصريون فإنهم يستقبلون شواهد الحضارة من تماثيل خالدة وآثار فريدة.

ثانيًا: إن الانتقال من مرحلة إلى أخرى على المستوى الثقافى ليس أمرًا سهلاً لأن تغيير الثقافة يرتبط بتغيير مماثل فى الهوية وهو أمر لا يحدث كل يوم ولكنه يأتى نتيجة تراكمات طويلة يحتاجها المرء لكى يعدل أوضاعًا ويرى الدنيا حوله من منظار مختلف، وقد آن للمصريين ــ فى ظل التحولات الكبرى التى جرت على الأرض فى السنوات العشر الأخيرة ــ أن يعيدوا النظر فى منظومة القيم والتقاليد التى يعيشون بها ويمضون وراءها، إن الأمر فى ظنى يحتاج ــ مع الاعتذار للتجربة الصينية وزعيمها الراحل العم ماوــ إلى ما يمكن تسميته ثورة ثقافية حقيقية نتخلص بها من الخرافات البالية والأساطير الساذجة والمقولات الكاذبة، إننا نحتاج إلى عملية (غربلة) إذا جاز التعبير حتى تتم عملية تنقية أفكارنا وإعادة ترتيب عقولنا وجدولة أذهاننا على نحوٍ مختلف يمضى مع سياق العصر وطبيعة الزمان.

ثالثًا: إننى أريد أن أسجل هنا أن ما نسعى إليه يجب أن يبتعد تمامًا عن الهزات السياسية والاختلافات فى الآراء نحو السياسة والحكم لأن ما أطالب به فى التحول الاجتماعى يمس مباشرة قضايا التعليم والثقافة والإعلام والمؤسستين الدينيتين فى الجامع والكنيسة، وإذا نجحنا فى ذلك فإننا نكون قد اخترقنا الحاجز الصعب ودخلنا فى عالم مختلف يسمح لنا بأن نتحدث عن تطور ثقافى ملموس يبشر بمستقبل أفضل وغدٍ يعيش فيه الجميع سعداء فقراء أو أغنياء.

رابعًا: إن مسألة فصل الدين عن الدولة هى قضية حاكمة لتحرير العقل المصرى المعاصر من حالة الالتباس التى طرأت على الساحة الوطنية فى السنوات الأخيرة والانطلاق إلى آفاق التكنولوجيا الحديثة والعلوم المتقدمة مدركين أن الإسلام الحنيف قد دعا إلى المعرفة فالقرآن يقول: (هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، كما أن المسيحية على الجانب الآخر تفتح آفاقًا رحبة للتسامح الفكرى بما لا يمس المعتقدات الصحيحة والثوابت المستقرة، إن الدين كالماء نقى بينما السياسة كالزيت الملوث وهما لا يجتمعان أبدًا، وإذا جرى إقحام الدين فى السياسة فإن النتيجة تكون غالبًا سلبية على الدين الذى هو مظهر روحى للعبادة التى تقوم على الصلة المباشرة بين الكائنات والخالق سبحانه، وأنا أزعم صادقًا أن الديانات السماوية والأرضية على حدٍ سواء لا تعارض الاتجاه نحو آفاق التنوير ولا تصادر سعى البشر نحو مستقبل أفضل.

خامسًا: مازلت أظن ــ وليس كل الظن إثمًاــ أن التقدم التكنولوجى والتصنيع الكامل سوف يفتحان الطريق أمام أجيالٍ جديدة تسعى نحو حياة مختلفة وفصل جديد فى مسيرة الدولة، فالاشتباك بين العلم والمجتمع هو سبيلٌ للخلاص مما نعانيه ولن تتحقق تطلعات الأجيال الجديدة دون المضى مع روح العصر ومنطق الحداثة.

هذه رؤيتنا المتفائلة لتحقيق تحولٍ اقتصادى يسمح لكلمة الجمهورية الجديدة بأن تكون بحق مرحلة مضيئة فى مسيرة أمة، وحركة شعب، وطريقًا للأجيال القادمة نحو التحليق والانطلاق مهما تكن التضحيات أو صعوبة التحديات.


لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى

رابط دائم: