رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تقرير من الولايات المتحدة !

في الساعة السادسة والنصف من مساء الاثنين ١٩ يوليو الحالي وصلت الطائرة التركية التي أقلتني من إسطنبول إلي مطار جورج بوش الدولي في مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية بعد رحلة طويلة بدأت من القاهرة قبل إحدى وعشرين ساعة. كانت الطائرة قد وصلت قبل موعدها بنصف ساعة تقريبا، وكان الغروب لايزال يسمح بأشعة الشمس أن تقوم بوظيفتها الحارقة في جغرافيا مشبعة بالرطوبة. ولمن لديهم قدر من المعرفة بالولايات المتحدة فإنهم يعلمون جيدا أن عليهم ألا يقعوا في الأسر المعرفي للمدينة التي يصلون إليها، أو الولاية التي وقعوا في ربوعها. وهكذا فإن هذا التقرير ليس عن هيوستن أو تكساس، وكلاهما يستحق الملاحظة، وإنما عن الحالة القومية لدولة عظمي لديها قدرات عالمية لإدهاش الآخرين. الخبر الأول في ألف محطة تلفزيونية كان تقريرا عن أمر أمريكي بحت حيث قام السيد جيف بيزوس الرئيس الذي استقال توا من رئاسة مجلس إدارة شركة أمازون التريليونية (تعدت قيمتها السوقية التريليون دولار بكثير وفي طريقها إلي التريليون الثاني) برحلة إلي الفضاء الخارجي تعدت ١٠ ساعات وثلاثين ثانية. الرجل كما هو معروف من الأنباء أغني أغنياء العالم بقيمة تزيد علي ١٧٧ مليار دولار، وربما أكثر حسب طريقة حساب الأصول والموارد؛ ولذلك قرر الخروج إلي خارج الكوكب والدوران حوله، ثم العودة إلي الأرض وفراشه. ولمزيد من المتعة فقد كان الرجل قاصدا الفوز على عدد من المليارديرات في السباق إلي أن يكون أول إنسان (عادي)! يسافر إلى الفضاء ويعود كما لو كانت (فركة كعب). الفكرة من السفر والعودة هي (أنسنة) العلاقة بين الإنسان والكوكب وما وراءه من فضاء سحيق كله نجوم وأقمار وكواكب وثقوب سوداء وربما أخري بلا لون. وذات يوم قال ماوتسي تونج إن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة، وقال رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونج حينما مس بقدمه سطح القمر، إنها خطوة صغيرة لإنسان ولكنها قفزة عملاقة للإنسانية.ما فعله بيزوس أنه فتح الطريق إلى عمليات الاستكشاف الإنساني للفضاء ليس استنادا إلي مؤسسات حكومية ضخمة مثل ناسا التي مقر عملياتها بالمناسبة يقع في مدينة هيوستن، وإنما استنادا إلي الشركات والقطاع الخاص. الرحلة كما قيل بداية لمشروع عملاق لإقامة محطة فضاء مأهولة علي سطح القمر بحيث تمثل محطة صغيرة للانطلاق إلى ما وراء الجوار الفضائي القريب. وبينما احتلت أخبار الفضاء الساحات الإعلامية، فقد زاحمتها أخبار عن العُملة الافتراضية بيتكوين ومصيرها بعد أن استخدمت في طلب الفدية في عدد من محاولات الاختراق الرقمي والخداع لمؤسسات عملاقة؛ والجديد في الأمر أن الشرطة الفيدرالية نجحت في استعادة جزء كبير من هذه الأموال. الواجب هنا الاعتراف بأنني فشلت تماما في فهم كيف تعمل هذه العملة في السوق الرأسمالية الراهنة لكن الإجماع هو على أنها نقطة تحول مهمة في تاريخ المال والنقود؛ ولم أفهم أكثر كيف يمكن لمكتب التحقيقات الفيدرالي أن يستعيد عملة افتراضية أي أنها ليست لديها حضور مادي! العجب هنا يأخذنا إلي ساحة ثالثة وهي أن تطبيق التيك توك قد تصدر التحميلات بعد زيادة محققة بنسبة ١٨٪ هذا العام لتصل إلي ثلاثة مليارات تحميل، مقارنة بزيادة ١٪ في فيسبوك و٤٪ في انستجرام. القصص الثلاث تشير إلي أن الولايات المتحدة تعود تدريجيا إلي ما كانت عليه من توجهات مستقبلية قوامها تكنولوجيا الفضاء، والسوق المالية العالمية، وتطبيقات ثورة المعلومات. ولم يكن ذلك يعني غياب السياسة، وإنما أين يوجد مركز الاهتمام العام. السياسة لا تزال لها جاذبيتها في أخبار الدولة، ولكنها تشير إلي أن الاستقطاب الأمريكي يتزايد حيث يأخذه الرئيس بايدن في اتجاه مزيد من تدخل الدولة والانفاق الحكومي ممثلا في ميزانية قيمتها ٣.٦ تريليون دولار من الإنفاق العام الذي بدأت بشائره التضخمية في الظهور حتي قبل إقرار الميزانية من قبل المؤسسات التشريعية. وعلي الجانب الآخر يوجد الجمهوريون المعارضون للانفاق الحكومي الضخم، والأخطر أنهم لا يصدقون أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية انتهت إلي ما انتهت إليه: فوز جو بايدن ودخوله إلي البيت الأبيض. ولكن ما يشعل التناقض حقا فهو الرئيس السابق دونالد ترامب الذي لا يكف عن ترديد الكذبة الكبرى الخاصة بتزوير الانتخابات الماضية. الواضح أن الطرفين الديمقراطي والجمهوري في المعادلة الأمريكية يستخدمون ما جري من قبل للاستعداد للانتخابات المقبلة للتجديد النصفي للكونجرس في انتخابات ٢٠٢٢، والأخرى لتجديد النصف الآخر مع انتخابات رئاسية في ٢٠٢٤. وبينما يستغل بايدن الفرصة لكي يعطي المواطنين الكثير من الفرص من خلال الانفاق الزائد؛ فإن ترامب وأنصاره في الحزب الجمهوري أخذوا في تعديل قوانين الانتخابات في ١٧ ولاية بحيث تعمل لصالح الجانب الجمهوري وليس الديمقراطي. والنتيجة معركة سياسية مستمرة منذ الانتخابات الماضية، ورغم صدور عدد من الكتب عن فترة ترامب الأخيرة ومسئوليته عن أحداث ٦ يناير وغيرها من الأحداث الجسام، فإن موقف ترامب لا يزال قويا ومشاكسا ومعارضا ومؤثرا بشدة في الحزب الجمهوري. الإعلام الأمريكي يمارس هذا الانقسام في كل أمور السياسة الداخلية، أما في السياسة الخارجية فإن القضية الكبرى هي آثار الخروج الأمريكي من أفغانستان، البعض يجعلها إنقاذا للشباب الأمريكي، والبعض الآخر يراها هزيمة لا تقل أهمية وتأثيرا من حيث أثرها على المكانة الأمريكية في العالم. والأمر بالتأكيد له تفاصيل كثيرة لعلها تحتاج مقالا آخر، أحيانا وأحياكم الله.


لمزيد من مقالات د. عبد المنعم سعيد

رابط دائم: