رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى حضرة مجلس الأمن!

كانت المرة الأولى التى يجُب فيها الشأن العام كل الشئون الأخرى، عندما جلس المصريون يراقبون جلسة مجلس الأمن المنقولة على الهواء مساء يوم الخميس 8 يوليو الحالي. وعندما انتهى حديث مندوبى الدول الأعضاء، وبعدهم الدول صاحبة الشأن فى مياه السد، مصر والسودان وإثيوبيا، إذا بالجمع المصرى يشعر بقلق بالغ، وأحيانا بالإحباط. ما كان واضحا للمصريين هو أن العدالة لم تأخذ مجراها. وفى لهجة المتحدثين، وما تسرب من ملامح وجوههم كان هناك أمر غائب وغير ملموس أو مريح. واحتاج الأمر إلى خطاب وزير الخارجية سامح شكرى وخطاب الوزيرة مريم صادق المهدى لكى يعود كل ما هو غائب إلى مكانه الصحيح. ولكن ما حدث هو أن ممثل إثيوبيا لم يبد عليه أنه استمع، وقام رده على كثير من المغالطات، وقلب حقائق الأمور، وخلط الأوراق. كان الظن أن مصر واقفة أمام محكمة تدافع عن حقوقها العادلة، وكأن مندوبى الدول الأعضاء هم القضاة والمحلفون الذين بعد حديث الدفاع المصرى والسودانى فإنه ليس أمام المجلس إلا أولا إصدار حكم فوري، وثانيا أن يكون الحكم لمصلحة مصر والسودان. الأمر بالطبع لم يكن كذلك، لأن مجلس الأمن ليس محكمة، وإنما هو يجمع ممثلين لدول، ورغم أن الجميع يتشدق أحيانا بالميثاق، فإن القاصى والدانى يعلم أن المندوبين يدافعون عن مصالح دولهم والتى تتكيف حسب كل موضوع، بينما تمسك جهات السيادة فى الدولة خطوط التوازن بين المصالح. الأمر هكذا يعيدنا فى إطار تعاملنا مع قضية السد أن نتعامل معها على أنها مشكلة من حلقات كثيرة، ولكل حلقة من دبلوماسية وإعلام وسياسة وقوة عسكرية قواعدها وأصولها التى لا يمكن تجاوزها.

والحقيقة هى أن مصر كانت لها تجارب فى كل ذلك بدأت مع قضية الاستقلال ولن تنتهى مع قضية السد. تاريخ مصر المعاصر كله كان فيه جزء مهم يتعلق بالحوار ما بين العدالة والحق فى ناحية، والقرار الدولى فى ناحية أخري. ورغم أن الوالى محمد على نجح فى احتجاز مصر تحت ولايته هو ونسله بعد حروب مع دولة الخلافة والصراع مع الدول الأوروبية، فإن الحقيقة المُرة كانت أن مصر ظلت على تبعية للباب العالي. وعندما فُرضت الحماية على مصر من قبل بريطانيا مع الحرب العالمية الأولى فإن الاحتجاجات العثمانية لم تفلح، وما حدث كان انهيار دولة الخلافة كلها. قيام ثورة 1919 كان وضعا لشعار مصر للمصريين فى دائرة التطبيق، كما كان مولدا للدولة المصرية المعاصرة فى شكل ملكي. جاء الميلاد مع تصريح 28 فبراير 1922 الشهير بتحفظاته الأربعة سالبا الكثير من حالة الاستقلال. كان المصريون فى النهاية هم الذين بنوا عناصر القوة المصرية فى التعليم والصحة والبنوك والصناعة والاقتصاد فى عمومه وجهاز الدولة والتمثيل الدبلوماسى الخارجى والتى جعلت معاهدة 1936 حصرا للوجود البريطانى فى قاعدة قناة السويس، وبقى للمصريين الاهتمام بكل شيء آخر وفى مقدمته بناء الجيش المصرى والعضوية فى عصبة الأمم. وبعد الحرب العالمية الثانية ذهبت مصر إلى مجلس الأمن لكى تعرض القضية المصرية ولكن خيبة الأمل ساعتها لم تكن أقل من خيبة الأمل الأخيرة والتى تلتها خيبات أمل أخرى تتعلق بالقضية الفلسطينية. ورغم نجاح الضباط الأحرار فى تحرير مصر من خلال مفاوضات مباشرة مع بريطانيا، فإنه كان عليها بعد شهور من الانسحاب البريطاني، دفع عدوان ثلاثى جديد عام 1956. ومرة أخري، نجحت مصر فى تحقيق الجلاء ليس من دولة واحدة، وإنما من ثلاث.

طوال هذا التاريخ كانت مصر تتقدم اعتمادا على أمرين: أولهما بناء عناصر القوة الصلبة والناعمة من خلال الحداثة والتقدم المادى والمعنوي؛ وثانيهما قدر هائل من الصبر الاستراتيجى تجاه تركيبة النظام الدولي. المرة الوحيدة التى تسرعنا فيها دون حكمة أو تقدير كانت مع أزمة يونيو 1967، وبعدها عدنا إلى ما كنا عليه فكانت حرب الاستنزاف التى أعقبتها مبادرة روجرز. ولسنوات راحت مصر تستقبل وتودع السيد يارنج ممثل السكرتير العام للأمم المتحدة، وتنتظر محادثات الدول الأربع الكبرى، ومن بعدها محادثات القوتين العظميين وعندما اتفقتا على ضرورة تحقيق استرخاء استراتيجى فى الشرق الأوسط، كان هناك قرار حرب أكتوبر. لم يكن الانتظار الطويل إلا «مرا» وعلقما، ولكنها كانت للاستعداد لحرب ومفاوضات كثيرة وجها لوجه واسترداد الأرض المصرية بالقانون فى طابا. لم تكن الحرب سهلة، وكانت المفاوضات دائما عسيرة، ولكن التمسك بالحق، والصبر على مكاره الكلام، كانا دائما ما يفضيان إلى نتائج تتقدم فيها مصر إلى الأمام.

الدرس الرئيسى مما سبق هو المعرفة بأن إدارة العلاقات الخارجية للدولة يبدأ من عناصر القوة الكامنة فيها، وبعدها تأتى المهارة فى استخدام الأدوات والفرص التى تتيحها هذه العناصر مع استخدام أدوات الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والقوة الناعمة، وفى النهاية تأتى القوة العسكرية اللازمة لتحقيق النصر واسترداد الحقوق. الممارسة الكاملة لكل ذلك هى فى النهاية أشبه بالعملية الجراحية، وانعقاد جلسة مجلس الأمن كانت مكسبا لم تكن إثيوبيا تريد لنا أن نحققه، واعتراف الجميع بأن النيل نهر دولى مكسب لا يقدر بثمن، وهناك ما هو أكثر فى جلسة لم ترق إلى سمو أحلامنا عن العدالة. وكان كل ذلك يجرى بينما أجنحة إثيوبيا آبى أحمد تذوب كما فى الأسطورة الإغريقية عندما ذابت بالحرارة أجنحة طائر إيكاروس الملتصقة فى جسده بالشمع عندما حلق فى اتجاه الشمس متحديا، وإذا به يسقط من حالق. يحدث ذلك دائما عند تعدى حدود القدرة والقوة!


لمزيد من مقالات د. عبد المنعم سعيد

رابط دائم: