رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هـــذه ليـلـتى

‮عندما يأتى المساء زاحفًا بجيوش الليل المنتصر، ويسقط من على قرص الوهج مخضبًا بحمرة الهزيمة الساحقة، لتهرع فرشاة الحُلكة تمحو فلول أركان المشهد الدموى الأزلى من فوق قبة السماء إيذانًا بالدخول إلى بوابة الدياجير المظلمة، لنغطس فى عمق الفوهة، لنجهل مواقع الأقدام، لنضل فى متاهات الجهات الأربع، لنخبط رءوسنا فى حائط العتمة، لتغدو أصابعنا عيوننا، لتحتل البصيرة مآقى البصر، لنرى ما لا يُرى ويعترض سكتنا ما لا وجود له وننادى على القريب في البعيد.. لتشيد بيننا وبين البحر أسوار الظلام، ويقتصر ما بيننا وبين الأحبة على صوت أنفاس الصدور، ويختزل الليل ما بيننا وبين الطبيعة فى نقيق الضفادع وحفيف أوراق الشجر وصخب الأمواج وهسيس الجحور وثغاء المولود وذيول ضحكات وشرخة سُعال وانتظام سقوط قطرة الماء، وتهويمة عاشق وآهة موجوع وأنين مُبتلى ودعاء برجاء ورجع الصدى ودقة الساعات.
هنا وفى مثل تلك الساعة من قدوم الليل عندما أرنو ببصرى للمبنى البعيد وبالذات لشرفة الدور الخامس التى طالما حددت موقع طابقها فى نور النهار.. أجدهما.. ذلك الشبحين المتلاصقين الهائمين اللذين لا يعيران أدنى التفات للوجود بأسره حولهما بما فيه من أحداث الشارع الصاخب من تحتهما، وأعجب من أن أحدهما لا يترك وليفه للحظات لتلبية نداء أو لإنجاز أى مهمة فى الداخل مفضلا وقفته الشاعرية المستدامة إلى جوار الحبيب.. ومن فرط طول وضعهما الرومانسى في بؤرة العين تخيلتُ إلى حد اليقين مرات أن أحدهما يبتعد عن الآخر قليلا، لكنه سرعان مايعود إلى كنفه، إلى الالتصاق الحميم.. ويمضى بى الخيال الليلي يوظّف لى أبعاد الصورة ويستقى منها لينقل لتشوقى ما يغرّد به صاحبنا لصاحبته فى أذنها القريبة، ويجدّد لى على جدران الذكرى تلك الذكرى التي أستدعيها عندما يجن الليل، ويُشعرنى لأستشعر ماضيًا مماثلا لذاك الشغف والاحتواء.. و..لقول الحق حسدت بطلى مشهدى لقوة ارتباطهما ودوام مشاعرهما ومتانة علاقتهما وانسجام مزاجهما وحِرص كل منهما على مشاركة الآخر فى مشاهدة نفس البانوراما الليلية لساعات طويلة دون ملل.. و..أدخل وأخرج وأغيب وأعود وأسافر وأرجع وما أن يأتى المساء حتى أجدهما هناك فى نفس الوضع وعلى تلك الألفة عندما تُضاء شرفة الدور الخامس من العمارة البعيدة.. و..فى نهار نكد انجلت الحقيقة الصادمة!!.. أدركت أن حبيبى المساء المُلهم ليسا سوى مقعدين طويلين يظهر خيالهما ما أن يُضاء زجاج نافذة شرفتهما الداخلية فترسم الأشباح صورة خيالى الجامح.. و..رفضت النهار.. تشبثت بالليل الذى طالما كان مُلهما للكُتَّاب والشُعراء فى مختلف العصور، ذلك لأن أصفى الكلمات وأكثرها دلالة تلك التى ينتشلها المبدعون من عتمة ليل الداخل وحقوله المترامية، وليس بمستغرب تبعًا لذلك من أن يكون المبدعون المكفوفون الأكثر قربًا إلى مناجم الليل والحقائق المتوارية، وأنا المشدوهة دومًا إزاء المخيلة المعجزة للشاعر الإغريقى هوميروس الذى لم يقف عماه البصرى فى ليله السرمدى حائلا دون تفتح بصيرته ليقدِّم للبشرية أهم ملحمتين رسوخًا على مر الزمان بأبطالهما المنشطرين بين الآلهة والبشر «الإلياذة» التى أرّخت حرب طروادة، و«الأوديسة» التى استغرقت رحلة أهوالها عشر سنوات.. وإذا ما كان البعض يرجع دِّقة هوميروس فى الوصف إلى أن ذاكرته البصرية بقيت مترعة بالألوان لإصابته بالعمي فى سن الشباب، فالأمر يختلف تمامًا مع الشاعر العباسى «بشار بن برد» المولود ضريرًا، إلا أن من يقرأ أبياته لن يجد سوى سبيكة مركبة بإعجاز بليغ من الصور الحسية التى لم تنسدل عليها عباءة الليل البهيم، فرغم قوله: «يا قوم أذنى لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانًا»، فإنه رغم ليله الدائم يتحدث عن حور العيون الأنثوية بقوله: «إن العيون التي في طرفها حور/ قتلننا ثم لم يحيين قتلانا» لكن بشار لم ينجح بشكل دائم فى إخفاء عقدة العمى لتظهر معاناته كاشفة عن المتاهة الكبرى التى يدور فيها بلا دليل ليعبِّر بقوله المتفرد:
والشمس فى كبد السماء كأنها أعمى تحيّر ما لديه قائد
ويقول بشار فى ثقل الليل علي أنفاسه:
أضل النهار المستنير طريقه وما لعمود الصبح لا يتوضح
وطـال عـلىَّ الليل حـتى كأنه بليلين موصـول فما يتزحـزح
ولأن بشار فاقد حاسة البصر فإنه يندفع ممتطيًا حواسه الأربع الأخرى ليصول ويجول بلا رابط لينهل ما يستطيع من ملذات الحياة ساخرًا من خصومه مستخدمًا خلاصة إبداعات آلياته وأبياته فى الهجاء المرير الذى طال الأمير والغفير وكان سببًا فى مقتله بتهمة الزندقة، وذلك عكس «أبوالعلاء المعرى» رهين المحبسين.. محبس العمى ومحبس التقوقع داخل جدران بيته، حيث تراجعت فى عالمه الداخلى جدران الليل لتبزغ أنوار المعارف وحقائق الوجود وفلسفة الزمان والمكان والإرادة وهدى اليقين.. و..يلتقى صاحب «الأيام» ــ طه حسين ــ مع المعرى فى مفهوم إعلاء العقل وعدم الركون إلى المُسلَّمات واعتماد الشك سبيلا لابد منه إلى تلمس اليقين، لكن طه عمل على تجاوز محنته عن طريق التحصيل الأكاديمى وتعميق ثقافته وتفاعله مع روح العصر ونزوعه إلي التجديد.. وكان «طه» قد تشابه مع «المعرى» أيضًا فى أسلوب الحياة خاصة عند تناول الطعام، حيث كان أبى العلاء يتستر فى أكله حتى على خادمه، حتى كان يأكل فى نفق تحت الأرض بعد انصراف الخادم، وكانت أم طه تفرِّد له طبقًا خاصًا وتخلى بينه وبينه فى حجرة خاصة تغلقها من دونه حتى لا يستطيع أحد أن يشرِّف عليه وهو يأكل، واستطاع بعدها اتخاذ تلك الخطة نظامًا لم يتركه إلى حين خطب قرينته سوزان التى أخرجته من عادات كثيرة كان قد ألفها.
وإذا ما كانت رائعة طه حسين «دعاء الكروان» حافلة بمفردات القرية وشخوصها ونمنماتها، فذاكرته البصرية لا تحمل سوى أضغاث صور باهتة فى طفولته لا يذكر منها إلا يومًا تلقى فيه وجهه هواء فيه شىء من البرد الخفيف الذى لم يذهب به حرارة الشمس، ويكاد يذكر أنه تلقى حين خرج من البيت نورًا هادئًا خفيفًا كأن الظلمة تغشى بعض حواشيه «وإذا ما كان له من هذا الوقت ذكرى فهى ذلك السياج الذى كان يقوم أمامه من القصب والذى لم يكن بينه وبين باب الدار إلا خطوات قصار.. وعندما يأخذه النوم لا يحس إلا وقد استيقظ والناس نيام ومن حوله إخوته يغطون فيلقى اللحاف عن وجهه فى خيفة وتردد لأنه كان يكره أن ينام مكشوف الوجه، وكان واثقًا أنه إن كشف وجهه أثناء الليل أو أخرج أحد أطرافه من اللحاف فلابد من أن يعبث به عفريت من عفاريت الليل التى تملأ نواحى البيت، والتى كانت تهبط تحت الأرض ما أضاءت الشمس، فكان يلتف في لحافه من الرأس إلى القدم دون أن يدع بينه وبين الهواء منفذًا أو ثغرة واثقًا أنه إن ترك ثغرة فلابد من أن تمتد منها يد عفريت إلى جسمه فتناله بالغمز والعبث، ويمضى شطرًا طويلا من الليل فى هذه الأهوال حتى إذا وصلت إلي سمعه أصوات النساء يعدن إلى بيوتهن وقد ملأن جرارهن من القناة وهن يتغنين (اللـه يا ليل اللـه) عرف أن قد بزع الفجر».
وليس مُجديًا الاقتراب من سكان الليل الطويل وإبداعاتهم فى الشِّعر والأدب دونما التوقف طويلا عند الكاتب الأرجنتينى الفذ «جورجى بورخيس» الذى ورث عن أبيه ضعف البصر وصولا إلى العمى الكامل، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يغدو علامة أدبية وفكرية فارقة فى القرن العشرين، لاسيما مؤلفه «كتاب الرمل» الذى تخيَّل فيه الفردوس المرتقب على شكل مكتبة كبرى تضم جميع أنواع الفكر واتجاهاته، وكان بورخيس من خلال ذاكرته الفولاذية يؤكد دائمًا بأن الكتابة عمل استعادى بشكل أو بآخر، وأننا لا نكتب إلا ما سبقت كتابته من قبل، وأن الكتابة ليست سوى لعبة شطرنج لابد وأن تتكرر مصادفاتها مع الزمن متشابهة أو متماثلة أو مختلفة وليس الكل مثل أبوالعلاء المعرى فى قوله: «وإنى وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل»، ورغم نظرية بورخيس فإن جميع الأوائل لتطوير اللغات الحية كانوا من الشعراء فيقال عن العربية لغة «المتنبى» وعن الإيطالية لغة «دانتى» وعن الألمانية لغة «جوتة» وعن الروسية لغة «بوشكين» وعن الانجليزية لغة «شكسبير».. وإزاء عاهته عهد بورخيس إلي عدد كبير ممن حوله فى مهمة القراءة له ليقول «إن من المفارقات الغريبة للقدر أن يمنحنى اللـه الكتب والليل فى آن واحد».


الليل وسماه ونجومه وقمره وانت وأنا

ولعل الليل الذى أشار إليه بورخيس هو بيت القصيد فى الكتابة والفن، فالكتابة جوهرها طقس ليلى، حيث تطفأ الأضواء وتسدل الستائر ويغدو الإغماض هو السبيل الأمثل إلى الرؤية وانكشاف الحجب، ومن هنا يأتى قول البردونى «ويعمى لكى يرى» وقول جورج جرداق «ثم أغمض عينيك حتى ترانى»، وقول أحد المعجبين للملحن الضرير سيد مكاوى «اللى عماك يعمينا» حيث سُكان الليل الطويل لا يحتاجون إلي عكاكيز من أى نوع كى تساعدهم علي اجتياز الفاصل بين نثرية الواقع وشعرية التخيُّل، بين النهار والليل، بين الحقيقة والخيال، بين المرئى واللامرئى، بين السباحة فى العدم والوقوف على القدم، وهو ما عبَّر عنه نزار قبانى فى رثائه لطه حسين:
ضوء عينيك أم هما نجمتان كلهم لا يرى وأنت ترانى
ضوء عينيك أم حوار المرايا أم هما طائران يحترقان
إرم نظارتيك ما أنت بأعمى إنما نحن جوقة العميان
ويضىء الليل بعتمته عناوين المبدعين: «ليل المعنى» للشاعر اللبنانى «صلاح ستيتيه» حيث لا يجافى العنوان الحقيقة بشىء فكل إبداع حقيقى هو ثمرة العلاقة الخاصة ما بين عتمة المعنى وضوء الشكل ليصبح العميان من الزاوية الإبداعية أكثر قُدرة من المبصرين على التواصل السرى للموجودات، وهناك «أرخص ليالى» ليوسف إدريس، و«الليل والفرسان» للشاعرة فدوى طوقان، و«ليل الغرباء» لغادة السمان»، و«وردية ليل» لإبراهيم أصلان، و«شمس منتصف الليل» لستيفانى ماير، و«ليل لا ينتهى» لأجاثا كريستى، و«عشب الليل» لإبراهيم الكونى، و«قلب الليل» لنجيب محفوظ التى يستعيد فيها الطفل ذكريات حسية وليست بصرية حول أمه وصورتها: «يدها فقط التى بقيت معى، أحس حتى الساعة مسها وضغطها وشدها وانسيابها، وهى تمضى بى من مكان إلى مكان خلال طرقات مسقوفة ومكشوفة، وتيارات من النساء والرجال والحمير والعربات، أمام الدكاكين وفى الأضرحة والتكايا، وكانت أحاديثها متنوعة ذات صيغ شعرية تخاطب بها الكائنات جميعًا كـلا بلغته الخاصة به، فهى تخاطب اللـه فى سمائه، وتخاطب الأنبياء والملائكة، كما تخاطب الأولياء فى أضرحتهم، حتى الجن والطير والجماد والموتى، وأخيرًا ذلك الحديث المتقطع الملىء بالتنهدات ما أن يأتى الليل الذى تناجى به الحظ الأسود.. واستيقظت ذات فجر وحدي دون أن توقظنى أمى كالعادة.. وجدتها مستغرقة فى النوم، راقدة على وجهها، وسرنى جدًا أن أوقظها ولو مرة فى حياتى الصغيرة، قرّبت فمى من أذنها وناديتها، ومرة ومرة وهى لا تستجيب، حركتها بلطف مكررًا النداء، ارتفع صوتى واشتد تحريكى لها ولا مجيب، وأصررت على إيقاظها، وتماديت فى إصرارى حتى ملأ صوتى الحجرة بلا أدنى نتيجة، ويئست تماما فانزلقت من الفراش وغادرت الحجرة، وتناولت فى العتمة من فوق الكنصول رمانة وصعدت إلى السطح وأنا أقشرها وأقضم حباتها الكهرمانية ثم أتفل حثالتها للدجاج الذى بدأت خيوط الفجر تحرّك صخبه داخل العشة..»..
وإذا ما كان فى الليل مادة ثرية ينهل منهاالشعراء فلابد وأن ذلك عائد إلى غموضه وبعده عن ضوضاء النهار، والصمت المغرى بالتأمل والاستغراق مما يجعل النفوس تطلق هواجسها على مداها الواسع، ولو تتبعنا الليل فى الشِّعر العربى لوجدناه مُلازمًا له من بداياته المعروفة ومُرافقًا له فى جميع مراحله حتى اليوم.. فى الصحراء العربية كان من لزوميات الشِّعر الجاهلى لكنه لم يكن متماثلا فلكل شاعر ليله، وعلى سبيل المثال يقول «إمرؤ القيس»:
وليل كموج البحر أرخى سدوله علىّ بأصـناف الهمـوم ليبتلى
فـقــلـت لـه لمّـا تـمـطى بصـلبـه وأردف أعجـازا ونـاء بكـلكـل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وماالإصباح منك بأمثل


هذا بينما الشاعرة ولادة بنت المستكفى تقول:
ترقب إذا جنَّ الليل زيارتى فإنى رأيت الليل أكتم للسر


ويصف المتنبى الليل في أماكن عديدة من شِّعره، وهو القائل فى الفخر حول أصله وفصله:
الخـيل واللـيل والبيـداء تعـرفـنى
والسيف والرمح والقرطاس والقلم


وفي قصيدة يصف فيها الحمى التى أصابت جسده:
وزائرتى كان بها حياء فليس تزور إلا فى الظلام
والليل الذى يراه الشاعر القيروانى امتدادًا للألم والقلق والحيرة إذ يقول:
يا ليل الصبا متى غده أقيام الساعة موعده


ومن صور الليل فى الشِّعر الحديث أبيات الشاعرة العراقية «نازك الملائكة» التى أصدرت فى ستينيات القرن الماضى ديوانًا كاملا بعنوان «عاشقة الليل» جاء في بعض أبياته:
غرق الضوء وراء الأفق وخلا العالم من لون الضياء
ليس إلا رمق فى الشفق حائل قد كاد يمحوه الفناء
مصرع الشمس وأحزان المساء عبثًا أرجو شعاعًا من رجاء


وتقول عاشقة الليل:
خطواتك اللاتى تباعـــد رجعهــا
فى مسمعى تحت الظلام الشاحب
كلماتك اللاتى تلاشـى وقـعـهـا
وخبت بعيدًا فى السكون الراعـب
بسماتك اللاتى خبت ومضـاتهـا
فى مـقلتى مـع النهــار الذاهــب
ذابت جـميعا والســتائر أسـدلت
فى مسـرح الأمـل الجميل الغارب


ويخاطب «إبراهيم ناجى» الحبيبة «مى زيادة» عن ليل المعاناة:
لا تسألى يا مى عن ليل أمس وخطبه
وخذى جوابك من شقى واجم
طالت مسافته علىّ كأنما
أبدٌ غليظ القلب ليس براحم
عانيتها والليل لعنة كافرٍ
وطويتها والصبحُ دمعة نادم


وفى قصيدة «الصغيرة الحسناء» يقول الشاعر على الجارم فى 1912:
رأيتها فى سربها كالبدر بين أنجم
جاءت فقبلت يدى بثغرها المنظِّم
فليت كفى خدها وليت ثغرها فمى


ويشكِّل الليل ملمحًا هامًا فى أشعار فؤاد حداد العامية:
واللـيـل يسـيب الحــبل يتمــايل والطــاقة تسرق نسمـة وتحــاول
والشعب يعرف من تاريخـه الليل والشعب يعرف من تاريخه النهار
والشعب يقرأ فى الجبين والحجر كـل المعــانى أصـبحــت إنسـان


وكان الليل صديقًا لجبران خليل جبران: «ياليل العشاق والشعراء المنشدين، ياليل الأشباح والأرواح والأخيلة، ياليل الشوق والصبابة والتذكار، أيها الجبار الواقف بين أقزام غيوم المغرب وعرائس الفجر، المتقلد سيف الرهبة، المتوج بالقمر، المتشح بثوب السكون، الناظر بألف عين إلى أعماق الحياة، المصغى بألف أذن.. أنت عادل يا ليل تجمع بين جناحى الكرى أحلام الضعفاء بأمانى الأقوياء، وأنت شفوق يغمض بأصابعه الخفية أجفان التعساء ويحمل قلوبهم إلى عالم أقل قسوة من هذا العالم، فأنت نديم المحبين، وأنيس المستوحدين، ورفيق الغرباء والمستوحشين».
وفى أبيات الشاعر الفلسطينى محمود درويش جعل من الليل رمزًا للمحنة أو الضيق من خلال ديوانه «آخر الليل»، ومن خلال كتاب «التحولات والهجرة فى أقاليم النهار والليل» رصد الشاعر «أدونيس» الليل ومشتقاته ليقول فى قصيدته «شجرة النهار والليل»:
ويضىء الليل الصديق وتنسى نفسها فى فراشى الأيام
وتنطلق مسرحية «هاملت» كبري مسرحيات شكسبير من نصف الليل بالكشف عن جريمة تنتهى بانتقام وانتحار فى منتصف الليل، والليل هو مسرح اللحظات الفاصلة والوقائع الكبيرة في مسرحياته، وتدور فى كنفه الاعترافات التي لا تجرؤ الشخصيات البوح بها للنهار.. إنه ليل البوح الكبير:
تعــــال أيـهـا اللـيـل الكـثيف
وتسربل بأحلك مـا فى جهنم مـن دخـان
لكى لا ترى مديتى الماضية الجرح من طعنتها
ولا تنفـذ السمـاء بعـينـهـا فى غـطـاء الظـلام
فتصرخ: كفى كفى
وحول نداء «يا ليل يا عين» يفسِّر العقاد بأنه «يلازم شكوى السهاد وقلة النوم، ويأتى كثيرا فى الأغانى العربية الفصيحة قديما والعامية حديثا، ومن شكا السهاد فليس من عجب أن يناجى الليل وأن يأسف علي عينه لحرمانها من النوم، وهناك تفسير آخر عن أصل «يا ليل يا عين» من أن جارية ضربها صاحبها فأصاب عينيها وكان اسمه «ليل» وكانت تحبه وتستعطفه، فجعلت تغنى وتناديه: «يا عينى يا ليل.. يا ليل يا عينى»، ثم سارت بعدها فى الغناء لتستغرق نصف السهرة الغنائية، لكنها تلاشت حتى غدت لا تسمع إلا مرة فى كل مائة سهرة، وتلك علاقة سيئة فى الإهمال مادام لها معنى ودامت لها ذِكرى، فبمعناها مناجاة لليل وعون على السهاد، وبذكراها صلة بيننا وبين تاريخنا القديم، حيث يُقال إن كلمة الليل فى اللغة السريانية «إيل» ومنها أسماء الملائكة المنتهية أسماؤهم بكلمة «إيل» مثل جبرائيل وميكائيل»...
الليل.. حيث أودع اللـه فيه عظيم قدرته حتى استحق أن يقسم به وبظلمته ومن هذا القسم قوله تعالى: «والليل إذا عسعس» سورة التكوير، و«والليل وما وسق» سورة الانشقاق، «والليل إذا يغشى» سورة الليل، «والليل إذا سجى» سورة الضحى، «والليل إذ أدبر» سورة المدثر، «والليل إذا يسر» سورة الفجر.. وعلى مدى اثنتين وتسعين مرة يُذكر «الليل» فى آيات الذكر الحكيم فى مواضع كثيرة وصيغ متنوعة، فقد جاء بلفظة ليل وليلة والليل وليلا وليال ومن آياته:«إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار»، و«ثم أتموا الصيام إلى الليل» سورة البقرة، و«تولج الليل فى النهار» سورة آل عمران، و«وله ما سكن فى الليل والنهار وهو السميع العليم»، «فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى»، و«فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا» سورة الأنعام، و«ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا» الأعراف، وفى سورة يونس «إن فى اختلاف الليل والنهار وما خلق اللـه فى السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون»، و«كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما»، و«هو الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا»، وفى «هود»: (فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد»، «وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل»، وفى «الرعد»: (من كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار)، وفى «إبراهيم»: (سخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار)، وفى «الحِجر»: (فأسرِ بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم)، وفى «النحل»: (سخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر)، وفى «الإسراء»: «جعلنا الليل والنهار آيتين»، «أقم الصلاة لدِلوك الشمس إلى غسق الليل»، «من الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودًا»، وفى «الأنبياء»: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون)، (وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر)، وفى «الحج»: (ذلك بأن اللـه يولج الليل فى النهار)، وفى «النمل»: (ألم يروا أنّا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرًا)، وفى «القصص»: (قل أرأيتم إن جعل اللـه عليكم الليل سرمدًا إلى يوم القيامة من إله غير اللـه يأتيكم بضياء أفلا تسمعون)، (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون)، وفى «لقمان»: (ألم تر أن اللـه يولج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى إلي أجل مسمى وأن اللـه بما تعملون خبير)، وفى «يس»: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون) وفى «ق»: (ومن الليل فسبحه وأدبار السجود).
و..لو كان الدهر ليلا دائما أو نهارا دائما لتعذر على الإنسان معرفة الأيام وعدد السنين التى يعيشها فيقول سبحانه فى سورة الإسراء: «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شىء فصلناه تفصيلا» صدق اللـه العظيم، ولو ترك اللـه الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل والنهار ولم يدر الصائم متى يُفطر ولم يدر وقت الحج ولا وقت السكون والراحة ولا وقت حلول الآجال، ولقد كان رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم يقول إذا أراد أن ينام «باسمك اللـهم أموت وأحيا» وإذا ما استيقظ قال «الحمد للـه الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور».. والليل مادة مخلوقة «وهو الذى خلق الليل والنهار» (سورة الأنبياء)، والليل مادة مسخرة «وسخر لكم الليل والنهار» سورتا إبراهيم والنحل، وكان فى سكون الليل رحمة إلهية «ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله» القصص، «ومن آياته منامكم بالليل» الروم، فالنوم آية من آيات اللـه، «وله ما سكن فى الليل» الأنعام، فللسكون أهمية بالغة فى الوقاية من الأمراض والآلام، ولقد أثبت العلماء أن هناك غدة صغيرة «الصنوبرية» فى تجويف الدماغ لا تعمل إلا فى الليل وتفرّز «الميلاتونين» ويسمى «هرمون الليل» ومن أعراض عدم إفراز هذا الهرمون الأرق وضعف الإدراك والصداع، ويعطل إفراز هذا الهرمون أى مصدر للضوء عن طريق الشمس أو الإنارة.

الليــل والطـــرب
«الليل» الذى غنت له فيروز «سكن الليل وفى ثوب السكون تجنى الأحلام وللبدر عيون ترصد الأيام..
وجَمَعَ ليل أم كلثوم مفردات المشاعر الواجفة الراجفة الواعدة الحائرة الساهرة العاشقة: أهل الهوى يا ليل فاتوا مضاجعهم واتجمعوا يا ليل صحبة وأنا معهم ويطولوك يا ليل من اللى بيهم وانت يا ليل بس اللي عالم بيهم والشمس بعد الليل تطلع عليهم نور والليل ودقت الساعات تصحى الليل وحرقة الآهات فى عز الليل وقسوة التنهيد والوحدة والتسهيد لسّه ماهمشى بعيد وأواه يا ليل طال فيه سفرى وساءلتنى النجوم عن خبرى ومازلت فى وحدتى أسامرها حتى سرت فيك نسمة السحر وأقبل الليل يا حبيبى ونادانى حنينى وسرت ذِكراك طيفا هامَ فى بحر ظنونى يا هدى الحيران فى ليل الضنى أين أنت الآن بل أين أنا والنوم ودع مقلتى والليل ردد أنتى والفجر من غير ابتسامتك لا يبدد وحشتى وتفيد بإيه يا ندم وتعمل إيه يا عتاب طالت ليالى الألم واتفرقوا الأحباب وهذه ليلتى وحُلم حياتى بين ماض من الزمان وآت والليل وسماه ونجومه وقمره وسهره وآنت وأنا يا حبيبى أنا ويا حبيبى ياللا نعيش في عيون الليل ونقول للشمس تعالى تعالى بعد سنة مش قبل سنة دى ليلة حب حلوة بألف ليلة وليلة بكل العمر هو العمر إيه غير ليلة زى الليلة..
وسجى ليل عبدالوهاب حتى هاج له الشعر والهوى: وما البيد إلا الليل والشعر ملأت سماء القلب عشقا وأرضها وحُمّلتُ وحدى ذلك العشق.. يارب.. وعندما يأتى المساء ونجوم الليل تُنثر اسألوا الليل عن نجمى متى نجمى يظهر عندما تبدو النجوم فى السماء مثل اللآلئ اسألوا هل من حبيب عنده عِلم بحالى كل نجم راح في الليل بنجم يتنور غير قلبى فهو مازال على الأفق محيّر وكلما وجهت عينى نحو لمّاح المحيا لم أجد فى الأفق نجما واحدا يرنو إلىّ والدنيا ليل والنجوم طالعة تنوّرها نجوم تغرى النجوم من حُسن منظرها والليل لمّا خلى إلا من الباكى والنوح ع الدوح حلى للصارخ الشاكى ما تعرف المبتلى فى الروض من الحاكى يا ليالى الشرق هل عادتك أشواق الغناء فالروابى الخضر تشدو والسِنا حلو الرواق وسهرت منه الليالى مال للغرام ومالي وأقول يا عين ليه تبكى مادام الليل مالوش آخر عذاب الجرح يحرمنى من الدنيا اللى أنا فيها وطول الليل يرجعنى لدنيا كنت ناسيها وليه ليه ليه يا عين ليلى طال ليه ليه ليه يا عين دمعى سال..
ويظل عبدالحليم حافظ متوجسًا من الليالي: بس قلبي لسّه خايف من الليالى وانت عارف قد إيه ظُلم الليالى والليل سهرته والنوم ياريته كحلّ عنيه واللي داريته قوام لقيته باين عليه عاشق ليالى الصبر مداح القمر عشق العيون السُمر غوانى السهر لولا النهار في جبينك لولا الورود فى خدودك لولا الأمان فى وجودك ما كنت هويت ولا حبيت ولا حسيت بطعم الحب يا عمرى يا شعر ليل يا ليل يا ليل وفارد ضفايرك ع القمر يا قمر يا أبوضحكة حلوة منورة فى ليل السهر يا ليل يا قمر والليالى تعمل إيه فينا الليالى بين ليالى منورة وأيام هنيّة شفت وياكى الهنا شفته بعنيه..
ويجيب فريد الأطرش علي تساؤل الليل: سألني الليل بتسهر ليه مادام قلبك صُبح خالى سهرت يا ليل أنادى عليه وأعيد الذكرى على بالى.. وتناجى نجاة ليلها: ياليل أنا حبيت ياليل وأنا عمرى ما حبيت يا ليل يا مرسال الهوى روح بلغه مرسالى مرسالى شوق ومحبة أقوى من الليالى ليالى واللـه ما كانت تخطر يوم على بالى..
ويغيب القمر فى ليل شادية فتهيب بالحبيب العودة فى سلام: غاب القمر يابن عمى ياللا روحنى دى النسمة آخر الليل بتفوت وتجرحنى مشوارنا همسة وضحكة شاردة فى الفضا بعت الأمل مرسال بعت للنجوم موال وخطوتك وانت جنبى شوق إليك يمرجحنى ياللا روحنى..
وسرعان ما تتبخر ليالى الأنس ليتشبث بها سيد مكاوى: ويا ليل طوّل شوية ع الصحبة الحلوة ديه حلوين من يومنا واللـه وقلوبنا كويسة بنقدم أحلى فرحة ومعاها ميت مسا وياليل يا أبوالليالى احكى له ع اللى بيجرالى و..ذهب الليل وطلع الفجر!!!

أجدها واضحة مثل عين الشمس:
الجنة مؤنث.. والجحيم مذكر
السعادة مؤنث.. والحزن مذكر
الصحة مؤنث.. والمرض مذكر
الحياة مؤنث.. والموت مذكر
الأجازة والراحة مؤنث.. والدوام والتعب مذكر
الخلاصة أن الأنثى سر جمال الكون فلماذا تظلمونها بقولكم عنها إنها «نكد» وحتى النكد «مذكر»!!!


لمزيد من مقالات سناء البيسى

رابط دائم: