رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أخلاق الزمن الجميل

هل غيرتنا التكنولوجيا وأصبحت علاقاتنا الافتراضية أقوى من علاقاتنا بمن حولنا؟ كنت أسأل نفسى هذا السؤال عندما أرى أولادى يجلسون معى وكل منهم مشغول بهاتفه المحمول، إما يمارس لعبة، أو يشاهد فيديوهات أو مواقع يهواها، وكنت قلقا أن يكون غيابى طوال اليوم عنهم وانشغالى الطويل هو ما باعد بيننا حتى ونحن معا، إلا أننى سمعت من أصدقاء وزملاء أن الإدمان الإلكترونى أصاب أجيال ما بعد الإنترنت والهواتف المحمولة، وأن اجتماع الأسرة نادر جدا، فكلٌّ فى غرفته أو مشغول بهاتفه، ولا أحاديث طويلة بين أفراد الأسرة.

الدول التى اخترعت لنا مواقع التواصل والهواتف المحمولة تتعامل معها بشكل أفضل، وفى حدود الضرورة والمفيد، فلا تجد أحدا يجرى مكالمات على الهاتف أو يتصفح مواقع التواصل أثناء العمل، وقننوا استخدام أطفالهم لتلك الأجهزة، وعلموهم كيف يتجنبون غير المفيد أو الضار، ويستفيدون مما تتيحه من إمكانات فى التعلم وتنمية المعارف والوصول إلى المعلومات المفيدة حسب اهتمامات كل منهم. وصفحات التواصل لديهم ليس فيها مباريات للسب والتنابز. أما نحن فكأننا نبحث عما يضر ولا ينفع من تلك الاختراعات الجديدة. وتكشف الإحصائيات أننا أقل شعوب العالم فى القراءة، وأكثرها اهتماما بالمواقع الإباحية والألعاب الإلكترونية، رغم أننا الأكثر احتياجا لبذل الجهد حتى نلحق بركب التطور فى العالم.

وعندما تأملت حياتنا بالمقارنة بما كانت عليه منذ عقود، شعرت بقلق أشد، فنادرا ما أجد شخصا يمتدح عملا لغيره، بينما الغالب هو توجيه الانتقادات التى تصل أحيانا إلى حد التشهير، فهل يجد الإنسان لذة فى سعيه للنيل من غيره والتقليل من شأنه ومن جهده؟ أليس من الأفضل أن يشجعه على الإجادة، وأن يوجه إليه كلمة طيبة تسعده، وتزيد من ثقته بنفسه وتدفعه إلى الإجادة.. أليس من الأفضل أن ندَّخر هذا الجهد السلبى وأن نلتفت إلى أنفسنا، ونحاول أن نقدم الأفضل؟ وإن لم نجد فى الآخرين ميزة تستحق الإشادة والتشجيع فلنصمت، بدلا من تحطيمهم معنويا.

وتساءلت أين الأعراف والقيم التى تربينا عليها، سواء صلة الرحم، أو احترام الصداقة والقيام بواجباتها، أو احترام العمل والعطف على الآخرين، والأخذ بيد الضعيف والمحتاج، أين روح الجماعة فى الأزمات والمُلِمّات؟ كانت الأمهات يقمن بجمع المدخرات عن طريق تنظيم جمعيات، كل سيدة تدخل بمبلغ شهريا، وتشارك عادة نحو عشر سيدات، وفى كل شهر تتسلم إحداهن مدخرات الأخريات، وتختار كل منهن الموعد المناسب لدورها حسب احتياجها، فمن تحتاج مبلغا كبيرا بسرعة لظروف طارئة، تكون الأولى، ومن لا تحتاجه بسرعة تختار دورا متأخرا. وهذه الطريقة فى التكاتف الاجتماعى كانت شائعة، وتخلق نوعا من المودة والترابط. وكان يوم الزفاف يسبقه يوم «الحِنَّة» حيث تتزين العروس وأقاربها بالحناء، بنقوش على الأكف والقدمين، وتجلس بفستان أنيق، ويأتى الجيران والأقارب والمعارف لتقديم هدايا نقدية «نقوط»، يتم تدوينها فى قائمة، لردها فى أقرب مناسبة، فيخف الحِمْل عن الأهل فى هذه المناسبة، بفضل هذا النوع من التآزر الاجتماعى.


أصاب الإدمان الإلكترونى أجيال ما بعد الإنترنت وأصبح اجتماع الأسرة نادر فالكل مشغول بهاتفه

عندما انتقلت من بلدتى فى الأقصر إلى القاهرة لدخول الجامعة، أدهشتنى رؤية جنازة لا يسير فيها إلا عدد قليل، والسيارات تتأفف من التعطل عندما يقطع السائرون فى الجنازة الطريق لبضع دقائق، ويطلقون آلات التنبيه، لكى تتحرك الجنازة بسرعة، أما فى بلدتنا فكانت للوفاة هيبتها، فلا تشغيل للراديو ولا فتح للتليفزيون فى المنطقة المحيطة بمسكن المتوفَّى، ويتم تأجيل حفلات العرس، والجنازة تخرج فيها البلدة عن بكرة أبيها، وتغلق المحال أبوابها، والطريق يخلو أمامها. وفى العزاء يأتى الأقارب والمعارف من البلدات القريبة والبعيدة، وتتم استضافة الغرباء، وتقديم أفضل الطعام لهم، ويستمر العزاء أياما يختلف عددها من بلدة لأخرى ــ بما يكفى لاستقبال المعزين القادمين من بلدان بعيدة أو من الأقارب المسافرين، ووجدت أن الأغلبية فى القاهرة يكتفون بإرسال برقيات تعزية، أما الآن فأصبح العزاء على مواقع التواصل الاجتماعى.

العلاقات بين الأشقاء وزملاء العمل أصبح يشوبها التنافس السلبي، بالحط من شأن الآخر أو وضع العراقيل أمامه، حتى لا يكون الأفضل، ولا أحد يمدح حتى القريب والزميل فى غيبته، وإن كان يستقبله بابتسامة مصطنعة، فهل تغيرنا؟ ولماذا لم نحافظ على تقاليدنا التى تربينا عليها، ولم ننجح فى تقليد الغرب إلا باستهلاك سيئ لمنتجاته واختراعاته؟ فلا أبقينا على القديم، ولا جارينا واستفدنا من الجديد.

علينا مراجعة أنفسنا، وألا نتعجل ونوجه أصابع الاتهام لغيرنا قبل أن نسأل أنفسنا، هل أقلعنا عما نلوم عليه الآخرين؟ وهل نفعل ما ننصح به أبناءنا وأصدقاءنا وإخوتنا؟، إن التربية ليست مجرد بضع نصائح نتفوَّه بها لأبنائنا، بل النموذج القدوة فى السلوك الفعلي، حتى لا يجدوا ما نقوله مجرد ألفاظ وأكاذيب، ثم نعانى من سلوكهم المعيب.

على كل مسئول فى بيته أو عمله أن يقدم القدوة الحسنة، وأن يرسِّخ ما يصلح للعصر من أعراف وتقاليد حسنة، وأن الأخلاق هى أساس البناء الصالح، فبدونها يكون أى تقدم أو ثراء بلا جدوى، بل يزيد من الضرر. فالأخلاق هى العمود الفقرى للحياة النافعة، وعلى أحزاب المعارضة أن تفرِّق بين النقد والسب، لتعطى نموذجا مفيدا، مثلما على الحكومة وأحزابها تقديم القدوة الحسنة فى الإدارة الكُفْأَة والأداء المتميز، وألا ننسى قول الشاعر: «إنما الأمم الأخلاق ما بقيت...فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.. وإذا أصيب القوم فى أخلاقهم... فأقم عليهم مأتما وعويلا»، رحم الله أمير الشعراء أحمد شوقى، ولا عزاء فى أخلاق الزمن الجميل.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: