رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ناس ذوق.. ذوق.. ذوق

لأول مرة فى العمر اللي راح أسعد بعمرى المديد.. لأول مرة يشعرنى التقدم في السن بالتميز والتفرد وريشة على راسى عن كل الشباب من حولى.. لأول مرة يوسعولى سكة لقدومى وطلعتى وطلّتى لأن الست الكبيرة جايه.. لأول مرة يكون للتجاعيد معنى ومغزى وجدوى ومصلحة ووزن واعتبار وباسبور للمرور، ولآلام الظهر المزمنة تأشيرة دخول.. للمرة الأولي مطلوب وبشدة، وبالتفصيل الممل، ومن أوراق الاعتماد للمروق للصفوف الأولى في مسألة تلقي لقاح «كورونا» سرد ما يعانيه الجسد من وهن، والتركيبة من خلل، والمفصلات من انبعاج في الزوايا: وعندى يابنى غير مسألة القلب والضغط والغدّة جلطتين وهشاشة وخمس دعامات وحساسية في القفص ودوخة لما آجى أوطى ودوخة لمّا ألوى رقبتي ودوخة لما أحاول أجيب حاجة مركونة من فوق ظهر الدولاب..

طلبت الرقم 15335 وقلت لمندوب وزارة الصحة وشرحت وأسهبت وأمليت الرقم القومى بدقة بالغة بالعدسة المعظمة من تحت نور الأباجورة، والاسم رباعيًا وعنوان السكن والمحافظة، وانتظرت قرب الشهر وجاءنى الرد الحميم بالاسم المجرد بدون سابق معرفة أو صلة رحم أو أواصر صداقة أو زمالة تختة واحدة: «سناء.. برجاء التوجه إلي مستشفى هليوبوليس لأخذ الجرعة».. ورحت لقيتها استرازينكا.. رفضتها ورجعت أجرجر في سنى وأطلب رقم 15335 من جديد: أنا ياابنى يا حبيبى مطلوب لى الصينى تبعًا لأوامر الدكتور وأنا قلت لك إن سنى مطلوب له الصينى فقط.. وانتظرت من تانى قرب الشهر وجاءنى الرد: «سناء.. برجاء التوجه إلى وحدة مستشفى هليوبوليس لأخذ الجرعة..» ورحت ورجعت بعدما لقيتها استرازينكا برضه وأنا اللى مؤكدة ع الصينى، ولأن أولاد الحلال أرشدونى بأن الصيني موجود بوفرة في أرض المعارض بمدينة نصر طلبت رقم 15335 للتغيير فجاءتنى أسرع رسالة فى الكون مع الصباح التالى وكأنهم ما صدقوا «سناء... تم إلغاء الجرعة الخاصة برقمكم في هليوبوليس تبعًا لرغبتكم» يعنى تم الشطب والخروج من الطابور وأصبح لا لى هنا ولا هنا ولا هنا ولا طُلت عنب الشام ولا بلح اليمن ولا صينى ولا انجليزى ولا بأجسام صاحية ولا ميتة!! ورغم تهنئة الطبيب الصديق على نجاتى من أيتها لقاح لأن أمى داعية لى متابعا رسائله اليومية على «الواتس آب» التى تؤكد نظرية المؤامرة حول جائحة الكورونا وآخرها ما جاء على لسان عالم الكيمياء «لوس موتاجنير» الحائز على جائزة نوبل من أن جميع الذين تم لقاحهم بأى عقار ضد كورونا من المتوقع وفاتهم خلال عامين، ويعقبها الصديق الكريم بخبر محبط آخر بأنه قد تم رفع دعوى من قبل مجموعة من العلماء بقيادة السناتور روبرت إف كيندي جونيور جاء فيها أن جميع اللقاحات بمثابة سلاح چينى والناجون منه يصبحون كائنات معدلة وراثيًا، ومن المتعذر علاجهم عن طريق إزالة السموم من الجسم مثل أى شخص يعانى من خلل چينى كمتلازمة داون ومتلازمة كـلاينفيلتر ومتلازمة تيرنر ومتلازمة ريت وما إلى ذلك، لأن الخلل الچيني مع التطعيم يغدو أبديًا ولا رجعة فيه وراثيًا، والرسالة التحذيرية الأخرى حول تصنيع الفيروس فى الصين قد أكدتها أجهزة المخابرات الأمريكية من أن ثلاثة من خبراء معهد ووهان للعلوم الفيروسية فى الصين قد نقلوا إلى المستشفى لإصابتهم بالتهابات رئوية فى نوفمبر 2019 وأن تقاريرهم الطبية اختفت بعدها، لكن السلطات الصينية تنفى هذه المعلومات يضاف إلي ذلك أن خبيرة الفيروسات الصينية «زينجلى لى شى» التي يطلق عليها لقب «الدكتورة خفاش» كانت قد جمعت آلاف العينات من الفيروسات التاجية الخفاشية لإجراء بحوث عليها وتعديلها لزيادة قدرتها على السريان ونشرت نتائجها عام 2015 فى مجلة Nature وقد أثارت تلك النتائج يومها تحفظات شديدة فى الأوساط العلمية من بينها التحذير الذى صدر عن معهد باستور الفرنسى بأن ذلك الفيروس «إذا ما تسرب من المختبر فلن يتمكن أحد علي وجه الأرض من التنبؤ بمساره».. وسواء كان التسريب معمليًا أو بالجهود الذاتية للفيروس فقد رحل عن عالمنا من ديسمبر 2019 حتي الثلاثاء الماضى 3٫551٫488 شخصا، بينما أصيب عالميا 170٫606٫850 تعافت الغالبية العظمى منه ويعتبر «تادروس ادحانوم جيبريسوس» المدير العام لمنظمة الصحة العالمية أن حصيلة الوباء قد تكون أكبر بمرتين أو ثلاث مرات من الحصيلة المعلنة رسميًا!!

نهايته.. رغم مثل تلك الرسائل والأخبار المؤرقة أنا كنت نويت وانتهيت إلى قرار طالع من نافوخى آخذ الصينى ولو زحفت له لبكين.. عايزة أعيش يا صديقى ولو لعامين خارج نطاق خنف الكمامات، والقفازات والمسحات والإيجابيات والإحصائيات والتباعد الاجتماعى، وسلام الكيعان والتعليم من خلف الجدار، واللقاءات الافتراضية على سلوك الهوا ومين عارف يمكن صحتى تتحسن بعدما تتعدل چيناتى وراثيا، وأنا شخصيا من أنصار نظرية إقطع العرق وسيّح دمه، وادخل دوغرى فى صلب الموضوع، وهات من الآخر، لهذا عندما قال لى الدكتور لوب مدير مستشفى القلب فى كليفلاند من عشرين سنة بعدما كشف على قلبى المعطوب إنه من الممكن تلافي الجراحة والاستغناء عنها بالأدوية على شرط «تمشى بقية عمرك جنب الحيط».. رفضت.. رفضت حياة الموات والرثاء وياعينى يا ابنتى، وخضعت بكامل قواى العقلية لجراحة استغرقت 9 ساعات استعانوا فيها بشريان من الساق لترقيع الأورطى، وقمت مشيت وطلعت أدق ونزلت أدق وعشت لى سنتين وثلاثة وخمسة وعشرة، وعندى أمل فى ربنا كبير رغم هزّة الأسى الكبرى التى اعترتنى لوفاة مرجعى وملاذى طبيب قلبى وقلب ملايين المصريين الدكتور العالم الشاب أحمد عبدالعزيز هذا الشهر متأثرًا بإصابته بالكورونا ليدخل فى نطاق 524 من الأطباء الشهداء على أرض معركة الجائحة اللعينة.

عدت أدير الرقم 15335 لأتلقى الجملة المعهودة «الرجاء الانتظار لأن جميع العاملين مشغولون مع آخرين».. براحة راحتكم وربنا يكون فى العون، وكفاية إن الناس الذوق الذوق الذوق يأخذون منا البيانات بإنسانية متفهمة وصبورة، ويجيبون على جميع الاستفسارات برحابة صدر مجانية ومشكورة.. قعدت أقرأ الجرنال واعتذار الصحة شغّال.. وقمت عملت لى فنجان قهوة واحتسيته على مهل رشفة رشفة.. والاعتذار شغّال.. والابن اللى داخ معى على مدارات السستم بدوافع «بر الوالدين» و«أمك أمك أمك» و«ولا تقل لهما أف» زهق ودخل أخذ حمامه ولبس هدومه لأجل ينزل يشوف حاله.. والاعتذار شغال.. وفتحت باب السكة لأكثر من جرس: بتاع العيش واللبان والسوبرماركت، وحاسبت الغاز وعاتبت الشغالة على تأخيرها وحرق بشاميل صينية إمبارح، وسألتها عن سيد المكوجى قالت لي طلع عنده كورونا.. والاعتذار شغال داخل جهاز الموبايل الراقد علي ترابيزة السُفرة وسط الصالة.. و..فجأة لقيته بيطلّع قماش.. معذرة كـلام.. التقطته ليتقافز بكلماته من بين أصابعى لأصرخ عبثا على ابنى لموافاتى بسرعة للقيام بعملية الشرح المتبعة، وماما كبيرة وعندها القلب والضغط الخ.. الخ.. ومن فرط تخوفي على ضياع الصوت البشرى بلا آلية الاعتذار وجدتنى بدون الاستعانة بالنجل العزيز فى طليعة المواجهة بشخصى للقيام بمهمة سرد رحلة اللقاح ومن جديد بالتواريخ والأرقام، وجاء رد الصوت المهذب الذوق ذوق ذوق بأننى مازلت مسجلة عندهم وإن طلبى بالفعل قد ألغى من هليوبوليس لأرض المعارض.. و..ذهلت من سرعة الاستجابة من بعد ثلاثة أيام فقط لا غير، وفي هذه المرة بالذات لم تعد تدهشنى حميمية الرسالة.. سناء.. آيوه يا روحى.. برجاء التوجه إلى أرض المعارض في مدينة نصر من التاسعة صباحا إلى الثانية عشرة ظهرا لأخذ الجرعة الخاصة.. تسلميلى يا حبيبتى.. وبعد يوم واحد رسالة ثانية مماثلة.. سناء.. حاضر.. وبما أننا أصبحنا سابق معرفة تأتى الرسالة «سناء نذكركم بالتوجه غدا لأخذ الجرعة الأولي من اللقاح».. وهى دى حاجة تتنسى!! من طلعة الفجر اصطحبني الابن لتجنب الزحام فوجدت الزحام ممن عملوا حسابهم مثلنا، لتنتابنى مشاعر متضاربة فى التخوف من طول الانتظار ممتزجة بفرحة وعى المئات الذين قدموا لتلقى عقار يحول بينهم وبين التردى قاطعين النفس تحت أجهزة التنفس الصناعى.. الزحام الآن يعنى إرهاصات للملايين القادمة التى ستعيد وجه الحياة إلى طبيعته لآخذ ابنى فى حضنى ونرجع شلة النادى بدون ماسكات والاكتفاء بالأقنعة الذاتية، وأهمس بتعليقي على معازيم الفرح فى طبلة ودن أختى.. و..كان لجلال السن الكبيرة رونقها وأسبقيتها وتميزها وأهبتها وهيبتها، فقد امتطيت عربة إعاقة ــ لم أرفضها إطلاقا ــ تدفعها ممرضة مبتسمة بحنكة بالغة من الباب الخلفى لأجدنى فى ثوان مباشرة أمام الطبيبة الشابة المرحبة داخل إحدى القواطع المجهزة طبيًا في الساحات الكبرى على أعلى مستوى.. قالت لى من غير ما أطلب: «من البديهيات يا ماما اللقاح الصينى لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة»، وقبل الحقنة التى لم أشعر بوقعها وقّعت على وثيقة بالاسم الثلاثى تنص على مسئوليتى الشخصية فى تلقى اللقاح أمام اللـه والناس ومحاكم الدرجة الأولى والثانية والثالثة والجنح والجنايات والاستئناف والأسرة والتفتيش والدستورية العليا والعدل الدولية والتحكيم الدولى ومجلس الأمن ولاظوغلى.. وقعت وفي الخلفية 70 مليون صيني و50 مليون أمريكى وثلاثة أرباع الشعب الانجليزى والفرنسى.. الخ.. جميعهم وقعوا مثلي حول مسئوليتهم عن الحقنة بجميع آثارها المترتبة عنها حاضرًا ومستقبلا.. ومن الآن أنا فى انتظار الرسالة الحميمة للحقنة الثانية «سناء.. تعالى.. حاضر يا غالى» وعيشنى النهاردة وموتنى بكرة وتطلع لى زلومة أو تنمو لي زعانف كلنا لها، وإن كنت قد لاحظت من بعد الجرعة الأولى بعضا من خشونة فى صوتى وضيقا في حذائى وشبه بروز في عضلاتى ورغبة ملحّة فى قضاء أطول مدة خارج نطاق المنزل، هذا غير شبه انسحاب دخيل طرأ على طرفى العينين لفوق، مع شوق بالغ للقراءة والكتابة من فوق لتحت، ونزوعًا لتدليل الحفيد باللقب الجديد «كابوكى».. كل هذا رغم إن الجرعة تحمل فيروسات صينية ميتة أمالّ بقي لو كانت حية!!

 

«بنادول» لبنان

لم يكن البنك الدولي يوما قاسيا في حكمه علي بلد ما مثلما جاء في تقريره هذا الأسبوع حول الأوضاع المتردية في لبنان الذى أصبح أكثر من نصف سكانه يرزحون تحت خط الفقر، ويعانى الجزء الأكبر من القوى العاملة التى تحصل على أجورها بالليرة اللبنانية من انخفاض خطير فى القوة الشرائية للارتفاع المبالغ فيه للأسعار، مع ارتفاع معدل البطالة وصعوبة شديدة في الحصول علي الخدمات الأساسية وعلى رأسها الرعاية الصحية، ومن المعروف الآن أن 85٪ من أموال المودعين قد تبخرت فى البنوك لما آلت إليه الحالة الاقتصادية بسب عدم وجود توافق سياسى واقتصار الحماية الاقتصادية على أعداد قليلة معروفة لفترة طويلة، ويتوقع البنك الدولى أن ينكمش إجمالى الناتج المحلى الحقيقى فى لبنان الذى يعانى من كساد اقتصادى حاد ومزمن بنحو 10٪ خلال العام الحالى.. ويصنف البنك أزمة لبنان بأنها الأكثر حدة عالميا منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى الآن.. هذا ولم يعد اللبنانى ــ كما جاء فى مرثية عن لبنان للكاتب غسان شربل الذى ودع جثة قتيل اسمه الأمل ــ يتوقع من صديقه الوافد من الخارج ربطة عنق أو زجاجة عطر، انتهت تلك الأيام إذ لم يعد ثمة مكان للرفاهيات واللياقات.. سيكون صديقك اللبنانى شديد الامتنان لو أطللت عليه حاملا علبة بنادول أو أكثر.. هناك أدوية كثيرة يفتقدها المواطن اللبنانى لكن البنادول هو سيد الموقف، لأن الصداع ووجع الرأس هو القاسم المشترك الوحيد بين اللبنانيين بعد التفكك الذي أصاب دولتهم، والشلل الذى ضرب مؤسساتها، والانهيار الذى فتك بعملتها واقتصادها.. وباتت وظيفة اللبناني الجديدة هذه الأيام هى وظيفة الطواّف على الصيدليات لتسول الأدوية التي يحتاج إليها تحت شعار «البحث عن البنادول» وصار هناك مشهدان عاديان أن ترى لبنانيا ينتظر أول العتمة ليفتش في النفايات عما يسد الجوع والآخر تلك الطوابير الطويلة أمام سفارات الهروب من بلد كان يومًا محفلا وجنة ومقصدًا.. وكمثال لضوء متذبذب في آخر النفق اللبنانى المظلم ذلك الخبر الأخير بالأمس حول شبه التوافق بين «برى» والحريرى ــ المقيم في جزيرة التكليف من دون تأليف ــ على توزيع الحقائب الوزارية على الطوائف اللبنانية بشكل متوازن وعادل من دون إسقاطها علي أسماء الوزراء الذين سيشغلونها على أن تتشكل الحكومة من 24 وزيرا وعلى ألا يكون في عداد الوزراء القادمين من يستفز اللبنانيين.. وذلك من بعد اغتيال مرفأ بيروت ونجاح المنظومة السياسية في إجهاض انتفاضة اللبنانيين وكسر إرادتهم وشرذمتهم وإرغامهم على الانشغال بالبحث عن الخبز الصعب والدواء المفقود وثمن تأشيرة الهجرة.

 

الشجرة المباركة

كانت الست صاحبة مفهومية ودرجة عالية من التذوق لا يدانيها فيها أحد مع حسن اختيار مثالى من بعد التروى والتمحيص والتدقيق.. الست أم كلثوم.. عمرها بالعمر ما عرضّت روحها للملامة، أو ابتذلت ذوقها الرفيع فيما لا قيمة له.. فنانة محترمة لا يدخل دائرة اهتمامها إلا كل ما هو محترم سواء فى الناس أو المعانى أو الألحان أو الأشياء.. وعلى دِرب مسلكها هذا المحترم فإنها لمّا أطلّت علينا فى الخمسينيات نجمة غلاف إعلانات صابون نابلسى شاهين صدقناها زى ورقة البوستة وصدقنا سلعتها ــ صابونتها ــ التى تستخدمها للعناية ببشرتها، فقوامها الراغى بزيت الزيتون النقي الذى تتساقط منه قطرات على أرض الإعلان كأنها التبر المقطر القادم من أعلى الجنان عند التقاء السحاب بجبال نابلس فى فلسطين.. زيت الزيتون الذى يقسم المولى سبحانه بثمرته بقوله في سورة التين: «والتين والزيتون» إشارة إلي أن غصن الزيتون الذي عادت به الحمامة التي أطلقها نوح عليه السلام من السفينة لتستطلع فى طيرانها إذا ما كانت المياه قد جفت عن الأرض، فلما عادت حاملة في منقارها غصن الزيتون عرف أن الأرض قد تكشفت لتطرح الشجرة المباركة أول نبتة تظهر على وجه البسيطة لتُثمر الزيتون الذى ورد ذِكره فى عدة مواضع من القرآن الكريم.. في قوله تعالى فى سورة النور «يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار» و«يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية».. وفي سورة الأنعام «وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه»، «والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان».. وفي سورة عبس «فأنبتنا فيها حبًا وعنبًا وقضبًا وزيتونًا ونخلا».. وجاء في قول الرسول صلي اللـه عليه وسلم: «ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة» وجاء فى تفسير قوله تعالى من سورة يوسف «ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون» أى أنه سيأتى من بعد ذلك عام ينعم فيه الناس بالمطر والغيث ليجنوا الثمرات ويعصرون العنب والزيتون.. وكانت الشجرة المباركة رفيقة للإنسان منذ خلق، فقد اكتشف الچيولوچيون بقايا أشجار وحبوب زيتون تعود إلى العصر «النيوليتى» الذى فيه بدأ الإنسان يصقل الحجر ويبني الأكواخ ويزرع الأرض ويدجن الحيوانات، وحول أصول فرعونية الزيتون عُثر على ورقة بردي جاء فيها بالهيروغليفية نص للقربان الذى قدمه الفرعون رمسيس الثاني للإله رع جاء فيه عن زيت الزيتون: «إن هذا الزيت الصافى مستخرج من هذه الأشجار ليشتعل إلى الأبد ويضىء معبدك».

وليس أبلغ من قدر الزيتون تاريخيا من أن تمثال زيوس رئيس الآلهة مكلل رأسه بتاج من فروع الزيتون، ومع بداية القرن العشرين عندما قام علماء الآثار بإزالة أنقاض قصر «كنوسوس» بجزيرة كريت التي شاهدت حضارة مذهلة قبل ميلاد المسيح بألفي عام اكتشفوا فى أنقاض القصر التاريخى جرارا لزيت الزيتون يبلغ ارتفاعها مترين مما يشير إلى زراعة الزيتون الواسعة النطاق في تلك الحقبة، إلي جانب التقدم في صناعة الفخار ومهارة التخزين التى استنتج منها المؤرخون أن سكان الجزيرة كانوا يصدرون زيتهم وينظّمون تجارته.

ويعود للرومان فضل ابتكار أول معصرة آلية للزيتون، وذلك عندما كانت السلطات الرسمية تعفى مالكى بساتين الزيتون من تأدية الخدمة العسكرية بمفهوم أنهم بتربيتهم لشجرة الزيتون يُقدِّمون أشرف خدمة وطنية جليلة.. وربما تكون شجرة الزيتون أكثر الأشجار المعمرة فهناك في القدس أشجار يقدر عمرها بألفى عام أى من أيام المسيح عليه السلام، وهناك شجرة زيتون فى كرواتيا يبلغ عمرها ألفا وستمائة عام، بينما فى منطقة «كارانا» الإيطالية بلغ عمر زيتونتها ثلاثة آلاف عام، وفى المطرية بالقاهرة الشجرة المقدسة التي بلغت 2000 عام وكانت السيدة مريم العذراء قد جلست تحتها فى رحلتها المقدسة إلى مصر برفقة زكريا وطفلها يسوع.. ومن فوق جبل الزيتون فى القدس ألقى المسيح موعظته الأخيرة.. وليس كمثله نبات يقاوم ظهور التجاعيد وأكبر دليل على ذلك أن المعمرين في سمرقند وطشقند الذين لا يعانون من أى تجاعيد أو غضون فى الوجه أو اليدين لأنهم يستخدمون الدهان بزيت الزيتون على الأقل ثلاث مرات أسبوعيا، ويأتى الحرص الآن على تناول الزيت المعجزة بعد إعلان المؤتمر الدولى لأمراض القلب الذى عقد فى أشبيليه فى مايو 1998 وخرج بتوصيات أهمها أن زيت الزيتون يحتوى على كميات كبيرة من «الأوميجا3» التى تحارب نسبة زيادة الدهون فى الدم حيث تزيد من ذوبان ما ترسب بالشرايين من الدهون، والنوع «البكر الممتاز Extera virgin loive oil» فعّال للغاية في تخفيض خطر أمراض القلب بسبب محتواه العالى من مركبات نباتية مضادة للأكسدة تسمى «بولى فينولز poly phenols» وفيتامين E المتوفر أيضًا في زيت الزيتون يلعب دورا هاما كمضاد للأكسدة على جوانب الشرايين، هذا إلى أن تناول الدهون الأحادية غير المشبعة كما فى زيت الزيتون له أثر بالغ في خفض نسبة كوليسترول الدم، وبالتالى حماية القلب وشرايينه.. ولا نهاية لهبات الشجرة المباركة التي أكدت أحدث الدراسات الطبية في العام الماضى فى مجلة Archives of internal medicine من أن تناول ملعقة طعام من زيت الزيتون يوميا تنقص من خطر حدوث سرطان الثدى بنسبة 45٪. وليس في الدنيا أجود من شجرة الزيتون «البعلى» على أرض سيناء والتي تروى بماء الأمطار ويستخرج من ثمارها أجود أنواع الزيوت، ليس فى سينآء وحدها بل على مستوى العالم أجمع فخصائصه العلاجية ليس لها مثيل، ودرجة الحموضة فيه أقل من 1٪ حتى إن إسبانيا أكثر بلاد العالم إنتاجا لزيت الزيتون تحرص علي استيراد زيتون سيناء الشافى المعافى..

زيتونة لا شرقية ولا غربية تقع عليها الشمس طول النهار فلا يتمكن منها حر ولا برد، أي ليست حكرا علي شرق ولا غرب، فهي تنبت في أي مكان، وقد جاء إلى الرسول صلي اللـه عليه وسلم رجل من الأعراب يشكو ألمًا في معدته فقال له: «كل لا وادهن بلا» أي كل زيتا وادهن معدتك بالزيت، ومن هنا جاء قول الحريرى في المقامة الحلبية: «بورك فيك كما بورك في لا ولا» أي في شجرة الزيتون التي هي لا شرقية ولا غربية.. «اللـه نور السماوات والأرض».. يتجلي النص القرآني ويفيض بالنور ليغمر الكون بما فيه ومن فيه.. نور طليق من القيود والحدود تتصل فيه السماوات بالأرض، والأحياء بالجماد، والبعيد بالقريب.. ولأنه الإنسان الكيان البشري الذي لا يستشرف ذلك الأفق البعيد فقد أعطي سبحانه مثالا لنوره يُقربه إلي الإدراك البشري المحدود «مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور علي نور».. المثل الذى ضربه المولى لنوره كوسيلة لتقريبه إلى المدارك، وهو العليم بطاقة البشر، فمن عرض السماوات والأرض إلى كوّة صغيرة فى الجدار «المشكاة» يوضع فيها المصباح فتحصر نوره وتجمعه فيبدو قويا متألقًا، والمصباح في زجاجة تقيه الريح وتصفى نوره فيشع، والمصباح يوقد من شجرة زيتونة مباركة، ونور زيت الزيتون أصفي نور، والمثل الإلهى هنا أيضًا للظلال المقدسة التى تلقيها الشجرة المباركة، ظلال الوادى المقدس فى الطور، وهو أقرب منابت الزيتون لجزيرة العرب، وفى القرآن إشارة لها وظلالها حولها: «وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين».. شجرة معمرة فيها كل ما ينفع الناس.. زيتها وخشبها وورقها وثمرها.. شجرة لا شرقية ولا غربية ليست متحيزة إلى مكان أو جهة، وزيتها تميزه الشفافية والإشراق.. زيت الزيتون.. حتي يكاد يضيء بغير احتراق ولو لم تمسه النار.. نور علي نور..

كــانوا مجــرد أطـفـال!!

من أجل هؤلاء الضحايا الصغار وغيرهم بالمئات الذين قتلوا برصاص الصهاينة عند المسجد الأقصى وحى الشيخ جراح وقطاع غزة استنفرت دماؤهم الطاهرة ضمير العالم لتتصاعد الحملات الإعلامية المناهضة ضد إسرائيل داخل معاقلها التي ناصرتها دومًا، وفى كل مكان نقلت إليه وسائل التواصل مشاهد أجساد الصغار الممزقة وسط الركام.. «النيويورك تايمز» صحيفة أمريكا الأولي على صفحتها الأولي تنشر صور وأسماء 66 من الأطفال الفلسطينيين الشهداء على خلفية سوداء تعبيرًا عن العزاء مع قصة كل طفل شهيد منهم حتى رضيع الشهرين.. «الجارديان البريطانية» تعتذر عن تأييدها يوما لوعد بلفور 1917 الذي ترتب عليه زرع دولة إسرائيل فى فلسطين.. «هيئة الإذاعة البريطانية BBC» تتساءل بلهجة محرضة «ما هو حجم المساعدات إلى إسرائيل؟!».. «الواشنطن بوست» تنشر رسالة موقعة من 500 ناشط أمريكى من حملة الرئيس بايدن الانتخابية تدعو الرئيس الأمريكى لمعاقبة إسرائيل علي جرائمها فى فلسطين... دماء شهداء فلسطين التى اختلطت بدماء الشهداء المصريين على مدى أربع حروب لم تترك فيها بيتا مصريا بلا شهيد من أجل فلسطين، وحتى اللحظة لا غير مصر مدافعا عن أرض المسجد الأقصى الشريف بالرجال والمال وإعادة البناء.. واليوم علي أرض مصر التى طالما عانت من دروب الإرهاب الغاشم على مدى عشر سنوات فى سيناء تتسامى على أحزانها لتجتمع الفصائل الفلسطينية في جبهة واحدة فالمصالحة فرض عين وبدونها لا حوار جدى عن السلام الشامل لتهدأ نظرة الفزع في عيون الطفل الفلسطينى بعدما رددت أسقف العالم رجع الصدي لتأوهات الشهيدة حور الزمالى التي لم تبلغ العامين..!


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: