رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قـبّة إمام الأئمـة

الشافعى يفتح أبوابه للزوار.. ضريح الإمام أبى عبداللـه محمد بن إدريس الشافعى ــ أحد الأئمة الأربعة مؤسِّس المذهب الشافعى والقاضى والفقيه والرحالة والشاعر ــ يتوافد عليه الآن فى الشهر الكريم مئات الزائرين لمشاهدة قبّة الضريح التى تزهو من جديد بعدما تم إعادة ترميمها على مدى خمس سنوات بتكلفة بلغت أكثر من 22 مليون جنيه لتظل متربِّعة فى مكانة أهم الآثار الإسلامية فى مصر ليس لكونها الأضخم فقط وإنما لتنوع الزخارف النادرة بها التى تعد سجلا بصريًا لطرز الفن الإسلامى على مر العصور لتكون جديرة بأن تعلو ضريح إمام الأئمة.. الشافعى الذى يضم مسجده رفاة الأميرة «شمس» زوجة صلاح الدين الأيوبى مؤسس الجامع عام 1211م، ورفاة كل من والده الملك الكامل، وابنه العزيز عثمان بن صلاح الدين.. وباللـه عليكم هل رأيتم فى زماننا أو فى الزمان الغابر عالماً تشكلت من أجله وتعانقت حروف صفة الشجاعة، وميزة قولة الحق، وفضيلة الاعتراف بالخطأ، وتفرد تصويب المسار، وريادة معركة التجديد والتغيير وسط الأمواج المتلاطمة؟!.. إنه الإمام الشافعى الذى أحرق قديمه ليكتب جديده.. الذى ما أن قام بمراجعة كل ما كتبه على مدى ثلاثين عاما قبل وصوله للقاهرة واطلاعه على ما أنتجته المدرسة المصرية من التزاوج الفكرى بين الإسلام ومعطيات الحضارات التى تشكل الوجدان، ثم الفهم العميق لروح الشريعة الإسلامية، ما أن رأى الشافعى هذه العناصر الجديدة من الرأى والفكر والحضارة فى مصر، وما قدمه الإمام الليث سيد الفقهاء فى الفقه حتى بدأ يعيد النظر فى كثير من آرائه بل أعلن للناس أن آراءه ليست إلاّ التى كتبها فى مصر، الأرض البراح، أما كُتبه السابقة فلا يحق لأحد أن ينسبها إليه بل أمر بإحراقها وأعاد فى نحو خمسة أعوام كتابة ما ألفه فى ثلاثين عاما وزاد عليها كتباً أملاها حتى بلغ مجموع كلماته على أرض الكنانة آلاف الصفحات جمعها فى كتبه «الأم» و«الجزية» و«الرسالة» و«علم أصول الفقه».. وجهد جهدًا شديدًا فى هذا العمل حتى روى عنه أهله: ربما قدمنا له المصباح فى ليلة واحدة ثلاثين مرة أو يزيد، بينما كان الشافعى يستلقى ويتذكر وينادى: هلموا مصباحا، فنقدمه ويكتب ويكتب وينقح ويوضح ويصحح، ثم يبعده ويعود فيطلبه وهكذا.. ويُسأل: لماذا لا تُبقى المصباح فقد أجهدت أهلك، فيقول: «الظلمة أجلى للفكر»، فقد كان لا يُحسن التأمل إلا فى السكون والظلمة..


قبة مسجد الإمام الشافعى بعد الترميم


فى مصر كانت قد اتسعت الرؤية وتغذى الوجدان بالرأى والفكر والحضارة مع رفض التعصب الذى ذهب إلى الشطط إلى حد أن البعض كان يتبرك بملابس الإمام «مالك» التى أخذها منه أحد تلاميذه، وإذا ما دهمهم الجفاف وتأخر المطر صلّوا صلاة الاستسقاء مستغيثين بقلنسوه الإمام مالك، فقام الشافعى بتأليف كتاب فيما اختلف فيه مع مالك ولكنه استحيا أن يصدره، وهو الذى جلس إليه يوما تلميذاً، وأبقى الكتاب عاماً ينظر فيه ويعدل من سطوره، ثم أصدره، وعندما عوتب فى ذلك جاء رده مشبعاً بعلوم الحضارات: «إن أرسطو تعلم الحكمة من أفلاطون، ثم خالفه قائلا إن أفلاطون صديقى والحق صديقى فإذا تنازعنا فالحق أولى بالصداقة».

وكأنها النظرية المقدسة فى حياة المفكرين والعلماء والفنانين والقادة التى يبرز فيها دور الأم الواعية فى دفع الأبناء إلى محطات الوصول المستنيرة حيث المستقبل مع العلياء والمجد.. وها هى الأم «حباب» حفيدة أخت السيدة فاطمة أم الإمام علىّ بن أبى طالب كرم اللـه وجهه محبة العلم حافظة القرآن وأنساب العرب وأشعارهم تنتقل إلى مكة ومعها وليدها «محمد» الذى أنجبته فى غزة وذلك بعد وفاة والده تاجر العطور والشيلان الدمشقية وغلق محله، حتى لا يضيع نسبه الشريف الممتد لآل البيت فى قريش.. حملت الأم الأزدية صغيرها وأقامت بجوار المسجد الحرام لتقوم بغزل الصوف كمورد للعيش حتى لا تحيا مع ابنها عالة على أحد من قبيلتها، لترسله لحفظ القرآن فى كتّاب مكة على يد شيخه إسماعيل بن قسطنطين حيث أتم حفظ المصحف وهو فى السابعة، و«الموطأ» وهو ابن العاشرة، وكان يدوّن جميع ما يستوعبه فوق قطع العظام، فيقول: «كنت يتيما فى حجر أمى، ولم يكن معها ما تعطى المعلم لكنه رضى عنى عندما خلفته وأجدت مع صبيان الكتّاب إذا قام، فلما حفظت القرآن دخلت المسجد لأجالس العلماء فأحفظ الحديث لأكتبه فى العظم، وكانت لنا جرّة عظيمة إذا امتلأ العظم بالسطور طرحته فى الجرّة».. الشافعي.. الصوت العذب فى الترتيل، والمغموس بالحزن والخشوع، مع إيقاع تزكيه خشية ورهبة العابد اللائذ المتبتل المستغفر اللاجئ لعظمة الخالق، ما أن ينساب صوته بالآيات البينّات حتى يرتفع نشيج البكاء من حوله ليغدو بين الجمع مدرار دموع.. فأمسك عن التلاوة إشفاقاً ليلتزم بحلقات التفسير حيث اصطدم بلسان المسلمين الجدد الموالى غير العرب الذين لا يتقنون العربية فشعر بحاجته الملحّة إلى زاد لغوى كبير يطلعه على تفهم أعمق لمعانى الكلمات وأسرار التراكيب اللغوية، وتلك كانت نصيحة الإمام الليث بن سعد عندما كان يقدم من مصر للحج، فيحث مستمعيه على الخروج للبادية وحفظ أشعار الهزليين.. فخرج الفتى إلى البادية القريبة ليعيش حتى عامه العشرين فى مضارب خيامهم يرحل برحيلهم ويحفظ أشعارهم وتراكيبهم اللغوية، ويتعلم منهم الرماية والفروسية، وعاد ليجالس حلقات شيوخه فى المسجد الحرام، وتبعاً لنصيحة الأم الفطنة ــ التى يروى عن ذكائها أنها شهدت عند قاضى مكى هى وأخرى مع رجل فردت القاضى الذى أراد أن يفرق بين المرأتين قائلة له: «ليس لك ذلك لأن اللـه سبحانه وتعالى يقول: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخري) فرجع القاضى عن موقفه أمام المرأة البصيرة بأحكام الشريعة ــ يتلمس التعلم على يد الإمام مالك بن أنس أمير المدينة مستعداً بحفظ كتاب «الموطأ» الذى ألفه مالك وقام بقراءة بعضه أمامه فاستحسنه ودعاه لضيافته ليظل ملازما له لحين وفاته عام 179هـ لم يتركه إلاّ ليزور أمه بمكة أو للقيام برحلة لإحدى عواصم العلم والفقه، وكان يستأذن شيخه الذى يجهزه بالزاد والمال والدعاء، ليعود من أسفاره مؤمناً بأن العقل وحده هو أداة فهم النصوص لا الاتباع ولا التقليد.. وتعلم من تلاميذ جعفر الصادق بأن العلم ليس بحفظ القرآن والحديث ومعرفة الآثار فحسب، لكنه يشمل كل العلوم الطبيعية والرياضية التى تفسر ظواهر الكون، وتكشف قدرة الخالق، ومن هنا حرص الشافعى على تعلم الكيمياء والطب والفيزياء والحساب والفلك والتنجيم، بل وعلم الفراسة الذى مارسه بجدارة، وعندما أراد الشافعى الارتحال إلى الكوفة شجعه مالك بقوله: «إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع».. وتَعَجَّبَ الشافعى من أن يقوم شيخه مالك بتكاليف الرحلة ولم يكن معهما شيء بالأمس القريب، فأجابه بأنه تلقى بعد صلاة العشاء صُرة هدية من الإمام الليث فقام بقسمتها بينهما، وخرج الشافعى من المدينة إلى الكوفة شاباً فى الثانية والعشرين ليعود منها ومعه من الكتب حِمل بعير ليروى لمالك الكثير حتى فى علم الفراسة التى كان فى نفس مالك شيء منها..

استقر الشافعى بالمدينة يقاوم التعصب المذهبى حتى رحل مالك بينما صاحبنا لم يزل فى التاسعة والعشرين فيعود إلى أمه بمكة مودعاً المدينة من خلال سطور دموعه، ويتوسط له الأقارب للعمل فى اليمن، حيث رهنت أمه دارها بمكة لرفقته فى رسالتها المقدسة لرعايته، وفى نجران باليمن عاود دراسة علوم الفراسة التى كانت مزدهرة هناك حتى تفوق فيها ــ علم الفراسة بين الطب النفسى والعضوى والذى قيل فيه «اتق فراسة المؤمن فإنه يرى بنور اللـه» ــ واستشعر هناك بظلم حاكم نجران للناس فاعتلى المنبر فى الجامع يحض الأهالى على مقاومته فوشى به لدى الخليفة هارون الرشيد بتهمة التشيع والثورة عليه فأتى بالمتهمين يجرون الأصفاد وعددهم تسعة ليأمر بقطع رءوسهم، أما العاشر وهو الشافعى فهتف بقوله: السلام عليك يا أمير المؤمنين وبركاته، ولم يقل ورحمة اللـه، فأجابه الرشيد: وعليك السلام ورحمة اللـه وبركاته، لقد بدأت بسنة لم تؤمر بإقامتها ورددنا عليك بفريضة قامت بذاتها، ومن العجب أن تتكلم فى مجلسى بغير أمرى!! فقال الشافعي: إن اللـه تعالى قال فى كتابه العزيز «وعد اللـه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً» وهو الذى إذا وعد وفى، فقد مكنك فى أرضه وامننى بعد خوفى حيث رددت عليّ السلام بقولك «وعليك رحمة اللـه» إذن فقد شملتنى رحمة اللـه بفضلك يا أمير المؤمنين.. وقال اللـه تعالى «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا».. ولما كان القاضى الجالس بجوار الرشيد من استضاف الشافعى فى الكوفة من قبل فقد شهدَ فى صالح الشافعى الذى نجا بعدما عقد الرشيد له مجلساً من أهل العلم لامتحانه فى الفقه والرياضيات والطبيعة والكيمياء والطب والفلك والتنجيم والفراسة ليصفق له جميع الحاضرين إعجاباً ويمنحه الرشيد خمسين ألف دينار ويعرض عليه منصب القضاء فى أى مكان يريد، أو يجعله والياً على أى قطر يختار، لكن الشافعى استأذن فى أن يعود إلى مكة للعيش بين أهله من قريش متفرغا للعلم وذلك بعدما أثرى الحياة الفكرية فى بغداد ثراء عظيما بمحاوراته مع محمد بن الحسن.. وعاد الشافعى من جديد إلى أم القرى ليتخذ مجلساً للفتوى والتدريس فى فناء بئر زمزم بجوار مقام إبراهيم الخليل وقد أصبح يملك من عطايا هارون الرشيد ما يسمح له بالتفرغ الكامل للعلم ليأتى إلى مجلسه يوماً ابن حنبل فيعجب به ليقول لصاحب له عن الشافعى: «اقتبس من هذا الرجل فإنه ما رأت عيناى مثله، فإن فاتنا فلن نعوضه أبدًا، وعندما مرض الإمام ابن حنبل قام الشافعى بزيارته فما أن رآه حتى نزل من على سريره وأجلسه مكانه ليجلس هو على الأرض، وعند انصرافه اركبه ابن حنبل دابته، ومشى تحت ركابه وهو المريض حتى أوصله إلى بيته، وكان الشافعى قد وضع كتابا أسماه (الرسالة) فى أصول الفقه فسافر إلى العراق ليعرض كتاب علمه الجديد على الشيوخ هناك ويناظرهم فيه وكان قد جاوز الخامسة والأربعين فاحتفت به بغداد وتمنى تلميذه أحمد بن حنبل أن يطيل الإقامة سنوات ليؤسس فى بغداد مدرسة فقهية جديدة.. لكن بغداد لم تعد التى أحبها، فقد مات خير الأصدقاء وذهب الرشيد واختلف أولاده، وما كاد الأمين يستقر على العرش حتى وثب عليه أخوه المأمون وقتله وركب مقعده، ولم تزل أصداء آهات نكبة البرامكة الذين أطاح بهم الرشيد يرددها الهواء، وارتفع الجدل العقيم فى سماء العقيدة فى المناقشة حول خلق القرآن، وزحفت الجرأة على الشريعة، وارتفعت دعوة للزهد فيما أحله اللـه ليزداد الأثرياء ثراء.. لم تعد بغداد مدينته ولا أُنس فى صحبة، ولا جمال فى رفقة، اللـهم إلا مع أحمد بن حنبل وحده، ويعرض المأمون عليه منصب قاضى القضاة فيعتذر عنه فقد قرر فى نفسه أن يقسم وقته ما بين الفقه والشِعر.. ويتلقى دعوة من والى مصر الجديد لزيارتها.. دعوة انتظرها من البلد الوحيد الذى عرف عقيدة التوحيد قبل الديانات السماوية.. بلد عاشَ على أديمها النبى يعقوب، وخليل اللـه إبراهيم، ويوسف والأسباط كما ولد فيها موسى وعلى أرضها كلمه اللـه، وحفظت للمسيح عليه السلام وأمه مريم حياتهما من بطش الروم الوثنيين.. بلد تَرَنَّمَ الشافعى فيه شعرا قبل أن يطأ عتبته:

لقد أصبحت نفسى تتوق إلى مصر..

ومــن دونهــا أرض المهــامة والقفر

واللــــه مــا أدرى للفــوز والغــنى..

أســاق إليهــا أم أســاق إلى القـبـر

ويستقبله على أبواب الفسطاط عدد كبير من الفقهاء ورجال الدولة ويدعوه الوالى إلى منزل كبير أُعد له لكن الشافعى يؤثر الإقامة لدى أقارب أمه أسوة بالرسول صلى اللـه عليه وسلم حين هاجر إلى يثرب فنزل لدى أخواله، ويغدو جامع عمرو «تاج الجوامع» مجلسه للتعليم والإفتاء بعدما وجده يعج بحلقات المعارف والقصص واللغة والشعر وسائر فنون الفكر وهو الذى كان يقول حسرة:

ولولا الشعر بالعلماء يزرى لكنت الآن أشعر من لبيد!

ومن الجديد الذى راقه فى مجلسه تبعا للمدرسة المصرية التى تعلم فيها فلاسفة الإغريق وأخذوا منها أسلوبهم فى المحاورات أن الأستاذ لا يلقى الدرس على طلاب ينصتون وكأن على رءوسهم الطير كما ألف من قبل خاصة فى حلقات الإمام مالك، ولكن ما أن يبدأ الأستاذ درسه حتى يدير على الفور حوارا مع تلاميذه لتتفجر القضايا وتنضج الآراء، وعند ملاحظته أن الحياة الفقهية يتنازعها تياران هما أنصار الإمام مالك، وأنصار الإمام أبى حنيفة والغلبة على الدوام لأنصار مالك المشتطين قال للحضور إن الإمام مالك بشر يخطئ ويصيب فانتفض أحد المتعصبين واسمه ِفتيان بن أبى سمح ليقوم بسبابه بكلمات بذيئة خاصة بعدما دخل فى مناظرة حول قضية العبد المرهون إذا ما اعتقه الراهن ولا ملك له غيره، وكان الشافعى يقول «يباع»، بينما رأى فتيان المناظر له أنه لا يباع.. فيحمل الحاضرون ذلك السفيه يلقون به خارج المجلس والشافعى مستمر فى حديثه وكأنه لم يلحظ كل ما جري، بل إنه طلب من تلامذته بعدها الصفح عن ذلك السفيه لكن أصحابه ذهبوا يشكون للوالى وشهد الشهود فزمجر الوالى قائلا: «واللـه لو شهد الشافعى على فتيان هذا لقطعت رأسه»، وأمر بضرب فتيان بالسوط والطواف به مقلوبا على جمل وقد حلقت رأسه ولحيته وشاربه ومن أمامه المنادى ينادى: «هذا جزاء من سب آل رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم».. ولم يسعد الإمام بما حدث بل عاد مهموما وقد ازداد نزيفه، وما أن خرج للجامع بعد استرداده بعضا من عافيته للجلوس فى حلقته حتى تربص به من على بعد سفهاء من أصحاب فتيان، وعندما خلت الحلقة وانفض الجمع من الجامع وبقى الإمام وحده حتى انقض عليه الوحوش بالهراوات ليسقط مجندلا فيولوا هاربين، ليحمل الإمام الغائب عن الوعى إلى منزله وما أن يسترد أنفاسه حتى يرسل غلامه إلى السيدة نفيسة يسألها كعادته الدعاء كلما ألم به مكروه فقالت لرسوله: «أحسن اللـه لقاءه ومتعه بالنظر إليه» فعلم الشافعى أنها النهاية... ولم يمض العام حتى مات «فتيان» فى سنة 205هـ.

الشافعى.. من لم يكن قاضياً أبدًا فى مصر لكننا فى مصرنا نطلق عليه لقب «قاضى الشريعة» الذى ذهبت أبحث عن سماته وأوصافه فى بطون المراجع والكتب فوجدته فى وصفه الوحيد عند قدومه إلى مصر عام 199هـ وهو يخطو إلى الخمسين فارسا طويلا ممشوق القوام ضاحك السن بشوشاً أسمر البشرة، مهذب اللحية المصبوغة بالحناء اتباعاً للسنة، ثيابه خشنة نظيفة، متكئا على عصا غليظة وكأنه الناسك الجوال سألوه عن حرصه على إمساكها وليس الضعيف، فقال لأذكر أنى مسافر فى الدنيا.. رخيم الصوت، يشع حباً ومودة من عينين بالغتى الصفاء رغم آثار السهر وطول الفكر وآلام البواسير المرض المزمن الطويل بآثاره الدموية المدمرة التى يزيدها الجلوس الطويل غلوا ووحشية، وهو الذى رحب بجلسته فى مصر بين مريديه فى الجامع الأموى التى يمد فيها ساقيه للإمام فيخفف الوضع من غلواء الألم.. وجدته فى العشرين زوجا لـ«حميدة بنت نافع بن عيسى بن عمرو بن عثمان بن عفان» التى أنجبت له من الأبناء ثلاثة محمد (أبو عثمان) وفاطمة وزينب وكان له من جاريته «دنانير» الابن الرابع محمد أبو الحسن الذى قدم مع أبيه إلى مصر صغيراً..

الشافعى.. قالوا عن علمه سجعاً فى كتب التراث: «جمع أشتات الفضائل، ونظم أفراد المناقب، وبلغ فى الدين والعلم أعلى المراتب، إن ذكر التفسير فهو إمامه، أو الفقه ففى يديه زمامه، أو الحديث فله نقضه وإبرامه، أو الأصول فله فيه الفصوص والفصول، أو الأدب فهو مبديه ومعيده، ومعطيه ومفيده، وجهه للصباحه ويده للسماحة ورأيه للرجاحة ولسانه للفصاحة، إمام الأئمة، ومفتى الأمة، والمصباح الزاهر فى الظلمة.. فى التفسير ابن عباس، وفى الحديث ابن عمر، وفى الفقه معاذ، وفى القضاء عليّ، وفى الفرائض زيد، وفى الشعر حسان، وفى كـلامه بين الحق والباطل فرقان..

الشافعى.. كثير العبادة يختم القرآن فى رمضان ستين مرة..

الشافعى.. القائل: أفلست فى عمرى ثلاثاً فكنت أبيع قليلى وكثيرى حتى حُلى ابنتى وزوجتى ولم أرهن قط..

الشافعى.. محب الطرائف والملح الذى كان يحكى لمجلسه طرائف مما شاهده فى رحلاته الطويلة منها أنه رأى فى المدينة أربع عجائب لم يرها فى غيرها: جدة عمرها إحدى وعشرون سنة!! وقاضيا حكم بإفلاس تاجر فى دين قيمته أربعة أرطال من نوى البلح!! وشيخا فى التسعين يدور حافيا يعلم القيان الرقص والغناء، فإذا ما جاءت الصلاة صلى قاعدا!! ووالياً كان صالحا طيبا فقال: مالى لا أرى الناس يجتمعون على بابى كأبواب الولاة؟ فقالوا له: لأنك لا تؤذى الناس، فقال: عليّ بإمام المسجد، فأحضروه له فجعل يضربه والإمام يصرخ حتى اجتمع الناس، فسرى على الوالى وطابت نفسه فقد اجتمع الناس على بابه..

الشافعى.. الذى زار قبر الإمام أبى حنيفة وصلى ركعتين، ولاحظ مرافقوه أنه عدل عن قواعده فى حركات الصلاة إلى قواعد أبى حنيفة، فلما سألوه فى ذلك قال: «أدبا من الإمام أبى حنيفة أن أخالفه فى حضرته»..

الشافعى.. الذى يرى أن الحاكم واجب الطاعة مادام الناس قد اختاروه باختيار حر وبيعة لا إكراه فيها ولا زيف..

الشافعي.. القائل عن طعامه: الشبع يثقل البدن ويقسى القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويصرف صاحبه عن العبادة..

الشافعى الذى قال: أقمت أربعين سنة اسأل إخوانى الذين تزوجوا عن أحوالهم فى تزوجهم، فما منهم أحد قال: إنه رأى خيرًا.

الشافعى.. الذى رحل فى الرابعة والخمسين فى ليلة الجمعة 28 من رجب 204هـ وتوجهت جنازته تبعاً لوصيته إلى منزل السيدة نفيسة التى صلت عليه قائلة: «كان رجلا يحسن الوضوء»..

الشافعى.. الذى بقيت منزلته رفيعة القدر فى نفوس المصريين خاصة فى الوجه البحرى..

الشافعى الذى اشتعل الرأس فيه شعرا قاله فى جميع المجالات:

• لئن كان ذنبى حب آل محمد فذلك ذنب لست عنه أتـوب

• ومـــــــن البلـيــة أن تـحـــــب ولا يحـــبك مــن تحـــــــبـه

.....

• الشمس لو وقفت فى الفلك دائمة..

لمّلها الناس من عُجم ومن عَرب

والبدر لولا أفول منه ما نظرت..

إليه فى كل حين عين مرتقب

.....

• كل العداوات قد ترجى إماتتها إلاّ عداوة من عاداك بالحسد

.....

• أما ترى البحر تعلو فوقه جيف..

وتستقر بأقصى قاعه الدّرر

وفى السماء نجوم لا عداد لها..

وليس يُكسف إلا الشمس والقمر

.....

• ولا تعطين الرأى من لا يريده..

فلا أنت محمود ولا الرأى نافِعهُ

.....

• إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه..

فصدر الذى يُستودع السر أضيق

.....

• ولولا العلم ما سعدت رجال ولا عُرف الحلال ولا الحرام

.....

• يخاطبنى السفيه بكل قبح فأكــره أن أكـون له مجــيبا

.....

• فما كل من تهواه يهـواك قلبـه ولا كل من صافيته قد صفا

.....

• مـــرض الحــبــيب فـعـــــــدته فمرضت مـن حذرى عليه

فــــأتى الــحـــبيب يـعــــــودنى فشفيت مـن نظـرى إليـه

.....

• أكثر الناس فى النساء وقالـوا إن حب النساء جهد البلاء

ليـس حــب النساء جــهــدًا ولكن قرب من لا تحب جهد البلاء

.....

• قل للذى مــلأ التشــاؤم قـــلبه ومضى يضيّق حولنا الآفاقا

سر السعادة حسن ظنك بالذى خلق الحياة وقسَّم الأرزاقا

.....

• دع الأيــام تفعــل مـــا تشـــاء وطب نفسا إذا حكم القضاء

ولا تجـــزع لحـــادثــة الـليـــالى فمــا لحــوادث الدنيا بقاء

.....

• ولا خــير فى ودّ امـرء مـــتلوّن إذا الريح مالت مال حيث تميل

.....

الشافعى من كانت أقواله مأثورات للزمان:

ــ «لا تجادل الأنثى.. فإن غلبتك احتقرتك، وإن غلبتها كرهتك.. فاصمت بارك اللـه فيك».

ــ «صَادق صديقا صادقًا فى صدقه، فصدق الصداقة فى صديق صادق».

ــ «أثقل إخوانى على قلبى من يتكلف لى وأتكلف له، وأَحب إخوانى إلى قلبى من أكون معه كما أكون وحدى».

ـ «طلبنا ترك الذنوب فوجدناه بصلاة الضُحى، وطلبنا ضياء القبور فوجدناه فى قراءة القُرآن، وطلبنا عبور الصراط فوجدناه فى الصوم والصدقة، وطلبنا ظل العرش فوجدناه فى محبة الصادقين».

ــ سأترك ماءكم من غير ورد وذاك لكثرة الوارد فيه، فإذا سقط الذباب على طعام رفعت يدى ونفسى تشتهيه، وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كان الكـلاب ولغن فيه، فإذا شرب الأسد من خلف كلب فذاك الأسد لا خير فيه.

ــ آية من اللـه هى سهم فى قلب الظالم وبلسم على قلب المظلوم.. قيل وما هى فقال قوله تعالى: «وما كان ربك نسيا».

ــ «يا أهل بيت رسول اللـه حبكمو فرض من اللـه فى القرآن أنزله، يكفيكموا من عظيم القدر أنكمو من لم يصل عليكم لا صلاة له».


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: