رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

وتبقى مصر الوعى والقيمة والثقافة

كلنا يتابع ما يجرى فى الشارع المصرى من متغيرات ومظاهر جديدة علينا.. وللأسف الشديد إن الجميع يقف متسائلاً عن أسباب ظواهر سلوكية وأخلاقية اقتحمت حياة الناس بضراوة حتى تحولت إلى واقع غريب.. والشيء الذى يدعو للحيرة هو حالة الجمود والسلبية التى نواجه بها هذه الظواهر.. إنها ليست قاصرة على سلوكيات غريبة ولكنها اقتربت كثيرا من قضايا الفكر والأخلاق بل والانتماء والمواطنة.. لا يمكن لنا أن نتجاهل هذه الظواهر..  

< ما حدث أخيرا فى قضية صدام القطارات والتى راح ضحيتها عشرات الشهداء والمصابين.. واتضح من تحقيقات النيابة أن سائق أحد القطارات يتناول المخدرات ومساعده يتعاطى الترامادول.. والسؤال هنا أين الرقابة الصحية على سائقى القطارات!.. بل أين الفحوص الطبية على العاملين فى وسائل النقل!.. ولماذا لا يخضع العاملون فى هذه الأماكن الحساسة لمتابعة دورية حرصا على أرواح الناس وأموال الشعب! لأن الخسارة فى البشر وفى وسائل نقل دفعت فيها الدولة مليارات الدولارات..  لم تكن الحوادث قطارا أو قطارين بل إن هناك مسلسلاً طويلاً كل يوم تقريباً فما هى أبعاد كل هذه الكوارث وهل هى المخدرات فقط أم هناك أسباب أخرى من الإهمال؟.. 

< إن للقضية أكثر من جانب إنسانى ومالى وسلوكي.. وكيف أصبحت المخدرات مرضا تجاوز فى خطورته وانتشاره وباء كورونا.. إن كارثة المخدرات فى مصر أصبحت من أهم الأسباب فى الفساد المالى والأخلاقى والصحى الذى دمر شباب مصر.. هنا نجد أنفسنا أمام عدة أزمات فى السلوك والأخلاق والصحة ومال الشعب الضائع.. ويكون السؤال الأهم أين مؤسسات الدولة ولماذا لا تواجه هذه الظواهر.. وأين مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة المسئولة عن قضايا الوعى والتربية.. وقبل هذا أين الأسرة والمسجد والكنيسة ورموز الفكر والدين والثقافة.. حين يصل الأمر إلى سائق قطار يقتل مئات الركاب لأنه يتناول المخدرات فنحن أمام مجتمع فقد أبسط قواعد المسئولية والأمانة..  

< كلنا يتابع إنجازات الحكومة فى منظومة الطرق والكبارى والرئيس عبدالفتاح السيسى يتابعها بنفسه ويزور المواقع ويتحاور مع العمال والمهندسين.. هل بعد هذا الجهد وهذا الإنجاز نشاهد كل يوم عشرات بل مئات الجثث التى تتناثر على الطرق الجديدة التى دفع فيها الشعب مليارات الجنيهات.. فأين الوعى وأين المسئولية وكيف نسيء استغلال طرق جديدة كان ينبغى أن نحافظ عليها مثل كل الشعوب المتقدمة..  

< إن الجميع يؤكد أن وباء المخدرات هو السبب فى السرعة والحوادث الدامية وسقوط آلاف الضحايا.. وهنا يعود السؤال عن الوعى والرقابة ومؤسسات الدولة.. ليس المهم أن نشترى السيارة ولكن الأهم أن نتعلم كيف نقودها وليس المهم أن نقيم طرقا جديدة.. ولكن الأهم أن نعلم الناس أخلاق القيادة.. إن هذا الإنسان المشوه والسلوك الخاطئ وراء كل هذه الجرائم أى أننا يجب أن نبحث عن الإنسان.. 

< ظواهر غريبة تطل علينا كل حين مثل قتل الأطفال والاعتداء عليهم والتحرش بهم.. وللأسف الشديد إنها جرائم عائلية فيها الآباء والأمهات وأفراد الأسرة.. وقد اتسعت دائرة هذه الجرائم حتى أصبحت حديثا يوميا فى الصحف وعلى الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي.. بل إن هناك مواقع تخصصت فى نشر هذه الكوارث اليومية.. والسؤال هنا عن المسئولية هل هى الأسرة وما أصابها من التفكك والضياع.. هل هو الشارع حين غابت الأخلاق وانهارت المبادئ.. هل هو غياب الحسم والعقاب والمساءلة أم هى كل هذه الأسباب.. 

 < تبقى أمامى لغة الحوار وقد وصلت إلى درجة من الانهيار والتردى لم نصل إليها من قبل.. ابتداء بما نسمع على الشاشات وانتهاء بالغناء الهابط الذى يحاصرنا فى كل مكان.. ولم تتوقف لغة الحوار الهابط على هذه الأشياء ولكنها للأسف الشديد وصلت إلى حوارات أعداد كبيرة من المثقفين.. حيث أصبح من الصعب أن نتفق على موقف أو قضية وأصبح التراشق والاتهامات أخطر ما يسيء للواقع الثقافى بكل مدارسه وتياراته..  

< إن أسوأ ما حملت هذه المواجهات إنها أساءت لرموز كثيرة وشوهت الكثير من الحقائق والأفكار.. وأصبحت خلافات الرأى والمواقف هى التى تحكم واقعنا الثقافي.. وأصبح من الصعب أن نتفق على شيء ابتداء بفتاوى الدين وانتهاء بقضايا الفكر والسلوك والأخلاق.. نحن أمام حقائق مؤكدة أن الشارع المصرى يشهد ظواهر جديدة عليه سلوكا وأحداثا وحوارا وأزمات حادة.. وعلينا أن نقف مع أنفسنا ونراجع ما يحدث فينا وأن نواجه أنفسنا بالحقيقة حتى لا تصبح الظواهر أمراضا مستعصية يصعب معها العلاج.. مصر تتغير ولكن إلى أين سؤال.. يبحث عن الإجابة.. 

< إن السؤال هنا على من تقع مسئولية ما أصاب الشارع المصرى من هذه التغيرات السلبية وما هو العلاج إذا كان العلاج متاحا أو ممكنا.. فى البداية لا أستطيع أن أتجاهل دور الأسرة الأب الغائب والأم التى فقدت دورها أمام مسئوليات ما بين العمل والسوبر ماركت ودروس الأولاد.. وكان التحدى الأكبر هو مواقع التواصل الاجتماعى وكانت سببا فى القطيعة الكبرى والاستقلال التام بين أبناء الأسرة الواحدة.. حيث غابت الرقابة وانتهى دور الأسرة فى كل شيء ووجد الأبناء أنفسهم أمام عالم مفتوح يجمع كل التناقضات والأسرار والحكايا..  

< لا يمكن لنا أن نتجاهل أثر وسائل الإعلام فى تشكيل الأجيال الجديدة فى عالم يحكمه الإعلام ويوجه كل ما فيه سلوكا وأخلاقا ووعيا.. إن مواقع التواصل الاجتماعى والشاشات والفيس بوك هى التى تشكل عقول الأجيال الجديدة وتصنع أفكارها فى ظل غياب كامل لما كان يسمى الأسرة أو الرقابة.. هنا لابد أن يعود دور المدرسة والأستاذ والتوجيه والرعاية وقبل هذا كله دور المسجد والكنيسة..  

< تبقى بعد ذلك قضية هى الأخطر وهى الأمية لأننا نتحدث عن أم الأزمات وحين نجد أنفسنا أمام ملايين من البشر لا يكتبون ولا يقرءون يصبح الحديث عن الوعى وانتشار المخدرات وكوارث القطارات وحوادث السيارات وأخلاق الشارع ولغة الحوار أشياء عادية فى مجتمع منفلت..  تصبح كل هذه الأشياء نوعا من العبث وعدم المسئولية.. أما مواكب المثقفين الذين انقسموا على أنفسهم فى كل القضايا ابتداء بالدين والفتاوى وتكفير بعضهم البعض وانتهاء بقضايا الحريات وحقوق الإنسان فهم فى حاجة إلى وقفة تعيد للحوار قدسيته وللحقيقة مكانتها.. 

< تبقى بعد ذلك قضية خلافية مازالت تفرض نفسها وتربك مشاهد ومواقف كثيرة فى الشارع المصرى وهى قضية التطبيع.. لقد حركت هذه القضية مياهاً كثيرة رغم أنها بقيت أكثر من أربعين عاما مياها راكدة فى الشارع المصري.. وقد عادت أخيرا أمام واقع عربى غير حسابات كثيرة وإن بقى الشارع المصرى على ثوابته وقناعاته وإيمانه بحق الشعب الفلسطينى فى أرضه وحقه فى حياة كريمة .. 

< إذا كانت هناك شعوب عربية اختارت طريقا لا يناسبنا فكل يختار طريقه، وليس من حق أحد أن يفرض شروطه على الآخرين خاصة فى قناعات يصعب التراجع عنها.. إننى أخشى أن يتصور البعض أن عواصف التطبيع يمكن أن تجتاح الشارع المصرى من خلال بعض مثقفينا، لأن مصر استعصت على ذلك ولن تقبل اليوم ما رفضته من سنين.. 

< هذه كلها عواصف ورياح حادة تحاول أن تضرب فى العمق ثوابت دينية وفكرية وحضارية وسياسية عاش عليها المصريون حياتهم ولن يقبل النسيج الحضارى المصرى غوغائية الفكر وقصور الرؤى وغياب المسئولية.. إن مصر كانت وستبقى المجتمع الذى يدرك بوعى مسئولياته التى ينبغى أن نحافظ على ما بقى منها لأنها ثروتنا الحقيقية التى عشنا عليها.. يجب أن نحرص على مصر الانضباط والالتزام والقيمة وقبل هذا كله مصر الوعى والثقافة.. إن رياح التخلف والسطحية وغياب الوعى ليست من تراث المصريين وعلينا أن نتجنب هذه العواصف حتى لا تقتلع آخر ما بقى لدينا من تاريخ وأمجاد كان العالم ومازال يحسدنا عليها.. 

 

ويبقى الشعر

 

مثـْـلُ النـَّوارس ِ.. 

حينَ يـَأتى اللـَّيْـلُ يَحْمِلـُنِى الأسَى 

وأحنُّ للشـَّط ّ البَعيدْ 

مثـْـلُ النـَّوارس ِ.. 

أعْشـَقُ الشـُّطآنَ أحْيانـًا  

وأعشَقُ دَنـْدنـَات الرّيح ِ.. والموْجَ العَنِيدْ 

مثـْـلُ النـَّوارس ِ.. 

أجْمَلُ اللــَّحظـَاتِ عِنـْدِى  

أنْ أنـَامَ عَـلى عُيُون ِ الفـَجر 

أنْ ألـْهُو مَعَ الأطـْفـَال فِى أيَّام عيـِدْ 

مثـْـلُ النـَّوارس ِ.. 

لا أرَى شَيـْئـًا أمَامِى 

غـَير هَذا الأفـْق ِ.. 

لا أدْرى مَدَاهُ.. وَلا أريدْ  

مثـْـلُ النـَّوارس ِ.. 

لا أحبُّ زَوَابعَ الشُّطـْآن ِ.. 

لا أرْضَى سُجُونَ القـَهْر .. 

لا أرْتاحُ فى خـُبْز العَبيدْ 

مثـْـلُ النـَّوارس ِ.. 

لا أحِبُّ العَيْشَ فِى سَفحْ الجبَال .. 

وَلا أحِبُّ العشْقَ فى صَدر الظـَّلام ِ 

وَلا أحِبُّ الموْت فِى صَمتِ الجَليدْ  

مثـْلُ النـَّوارس ِ .. 

أقـْطفُ اللـَّحظاتِ مِن فـَم الزَّمَان ِ 

لـَتحتوينـِى فـَرْحة ٌ عَذراءُ 

فِى يَوْم ٍ سَعِيدْ 

مثـْلُ النـَّوارس ِ .. 

تعْتـَريــِنـِى رعْشَة ٌ.. وَيَدُقُّ قـَلبـِى 

حِينَ تـَأتِى مَوْجَة ٌ 

بالشَّوْق ِ تـُسْـكرُنِى.. وأسْـكِرُهَا 

وأسْألـُهَا المزيدْ 

مثـْلُ النـَّوارس ِ .. 

تـَهْدأ الأشْواقُ فِى قـَلبى قليــِلا ً 

ثـُمَّ يُوقظـُهَا صُرَاخُ الضَّوءِ 

والصُّبحُ الوَليدْ  

مثـْلُ النـَّوارس ِ .. 

أشـْتـَهـِى قلـْبًا يعانِقـُنِى 

فأنـْسَى عنـدُه سَأمِى .. 

وَأطـْوى مِحنـَة َ الزَّمَن ِالبَلِـيدْ 

مثـْلُ النـَّوارس ِ.. 

لا أحَلـّق فِى الظـّلام ِ .. 

وَلا أحبُّ قوافِلَ التـَّرحَال ِ.. 

فِى اللـَّيْـل الطـَّريدْ 

مثـْلُ النـَّوارس ِ.. 

لا أخَافُ الموْجَ 

حِينَ يَـثـُورُ فِى وَجْهـِى.. وَيَشْطـُرُنِى 

وَيبْدُو فِى سَوَادِ اللــَّيل كالقـَدر العَـتيدْ 

مثـْلُ النـَّوارس ِ.. 

لا أحبُّ حَدَائقَ الأشجَار خـَاوَيـَة ً 

وَيُطـْربُنـِى بَريقُ الضَّوْءِ  

وَالمْوجُ الشَّريدْ 

مثـْلُ النـَّوارس ِ .. 

لا أمَلُّ مَوَاكِبَ السَّفـَر الطـَّويل ِ.. 

وَحِينَ أغـْفـُو سَاعة ً  

أصْحُو.. وَأبحرُ مِنْ جَديـِدْ  

كـَمْ عِشْتُ أسْألُ  مَا الـَّذى يَبْقى 

إذا انـْطفـَأتْ عُيُونُ الصُّبح ِ 

واخـْتـَنـَقـَتْ شُموعُ القـَلـْبِ‪ ‬

وَانكسرَتْ ضُلوعُ الموْج ِ 

فِى حُزن ٍ شديدْ ؟! 

لا شَىْءَ يَبْقـَى .. 

حِينَ ينـْكسرُ الجنـَاحُ 

يَذوبُ ضَوءُ الشَّمْس 

تـَسْكـُنُ رَفرفـَاتُ القـَلـْبِ  

يَغمُرنا مَعَ الصَّمتِ الجَليـِدْ 

لا شَىءَ يَبْقـَى غـَيُر صَوْتِ الرّيح 

يَحمِلُ بَعْضَ ريشى فـَوْقَ أجْنِحَةِ المسَاء.. 

يَعُودُ يُلقيها إلى الشـَّط ّ البَعيدْ 

فأعُودُ ألـْقِى للرّيَاح سَفِينتِى 

وأغـُوصُ فى بَحْر الهُمُوم ِ.. 

يَشـُدُّنى صَمْتٌ وَئيدْ 

وَأنـَا وَرَاءَ الأفق ِ ذكـْرَى نـَوْرس ٍ 

غـَنـَّى.. وَأطـْرَبَهُ النـَّشِـيدْ 

كـُلُّ النـَّوارس ِ.. 

قبْـلَ أنْ تـَمضِى تـُغـَنـّى سَاعَة ً 

وَالدَّهْرُ يَسْمَعُ مَا يُريدْ 

قصيدة "مثل النوارس" سنة 1996


لمزيد من مقالات يكتبها فاروق جويدة

رابط دائم: