رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شخصيات وأجواء رمضان زمان

ارتبط رمضان بعادات وأجواء وعلاقات اجتماعية تداوى النفوس، وتنقى الأرواح، نراجع فيه خطايانا، ونستغفر لذنوبنا، ونصالح من كنا نخاصمه، نتجمع حول المائدة فى طقس أسرى حميم، العائلة كلها تأتى وتتجمع فى اليوم الأول وربما الأيام الأولى مهما كانت المسافات بين الأبناء، فهناك بيت العائلة أو كبير العائلة، الذى يتجمعون فيه، ونساء العائلة يدخلن مباريات جماعية لإعداد ما لذ وطاب على المائدة العائلية الكبيرة، كل منهن تقدم أفضل أطباقها.

والرجال يتجمعون فى حجرة يسردون حكاياتهم، فالغائب الذى عاد لديه ما يحكيه، ويريد التعرف على ما فاته فى غيابه، وتكون الفرصة مناسبة لتلتئم العائلة فى أجواء من المودة والتسامح، وفض المشكلات التى قد تحدث بين الأقارب على مدى عام. فالشهر الكريم بروحانياته وتسامحه ينقى ما فى النفوس، وكفيل بإعادة أجواء المودة مهما كانت الخلافات داخل العائلة، فيتبارون فى التسامح وحل أى مشكلة.

أما نحن الصغار فكانت فرحتنا مضاعفة، بأيدينا الفوانيس ذات الشمع، ونحرص على الصوم مثل الكبار لنثبت قدرتنا على التحمل، ومهما ضغط علينا الجوع أو العطش فإننا نعتبر تمسكنا بالصوم تحديا لا ينبغى أن نخسره، ورغم إلحاح الأهل بأن نفطر أو يقتصر صومنا إلى أذان العصر أو أقل، لأن أجسادنا هزيلة لا تتحمل صوم النهار بطوله، فكنا نتبارى فى إثبات المقدرة على إكمال الصوم لآخر اليوم، وهذا التحدى كان ينمى شخصيتنا ويزرع فينا القدرة على الصبر والثبات، وكان التجمع واللعب والذهاب إلى مسجد الشيخ عبد الباسط عبد الصمد القريب من بيتنا فى أرمنت يهون علينا، ونجد المسجد عامرا، ونتوضأ ونصلى فى جماعة، مما يجعلنا ندخل تجربة روحية مبكرة، وكنا نتسابق على مصالحة من خاصمناه أوالاعتذار لمن أغضبناه، ولم يكن أى صبى منا يتردد أو يرفض هذا التسامح الجماعى، فمن المعتاد أن يتخاصم الصبية ويتعاركوا أو يغضبوا، لكن شهر رمضان كان العلاج الشافى لكل مشكلات الكبار والصغار، فتعود الضحكات والفرحة لتعم الأرجاء، ونخرج من المسجد لنقترح اللعبة الأفضل للأغلبية، ونخرج من لعبة إلى أخرى، رغم المجهود فإن اللعب كان ينسينا الجوع.

وألعاب زمان كانت كلها جماعية ومتنوعة، وكان يتم تنظيم مسابقات بين أبناء كل منطقة وإقامة دورى كرة رمضانى، ويبدأ الإعداد لدورى الحارات والشوارع قبل حلول الشهر الكريم، وشراء كأس وميداليات وكل فريق يجهز ملابسه وكرة شراب عبارة عن إسفنج يتم لفه بالخيط ليجعل منه كرة كاملة الاستدارة، ثم تغليفها بأحد الجوارب القديمة لحماية الخيط، ويتجمع الصبية والشباب للعب أو تشجيع فريق الحارة أو الشارع.

أما أهم شخصيات رمضان فيتقدمها الراديو، الذى يذيع أغانى رمضان الجميلة، وابتهالات الشيخ النقشبندى، إلى أن تحين قراءة القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد رفعت لمدة نصف ساعة قبل أذان المغرب، فكان صوت تلاوته الجميلة يدخل القلوب، وكل أجهزة الراديو فى بلدتنا أرمنت قرب الأقصر ــ التى كان يعمل بها والدى مهندسا فى السكك الحديدية ــ تفتح الراديوهات على تلاوة المقرئ المتميز، وبالنسبة لنا نحن الصغار كانت تلاوة الشيخ محمد رفعت ليست فقط لصوته الجميل المميز، وإنما تعنى أن موعد الإفطار قد اقترب، وأننا على أعتاب الفطور الشهى، الذى يزيد من لهفتنا عليه صبرنا الطويل على تناول الطعام، فكان كل ما على المائدة أو الطبالى شهيا، لكننا كنا نذهب إلى مسجد الشيخ عبد الباسط نترقب ظهور المؤذن الشيخ حسانى الذى سيأتى لاعتلاء المئذنة، ورفع الأذان، وكان مشهد قدومه الهادئ يدفعنا إلى التهليل والاستعداد، وكان كل منا يحمل كمية من البمب فى جيبه، ليطلق مدفع الإفطار الخاص به، إيذانا بالإفطار.


ومع بدء الإفطار برشفة ماء وتمرة بلح مجفف، تتسابق الملاعق إلى ما لذ وطاب من الطعام، لكن هناك أشياء أخرى تجذب انتباهنا أكثر من الطعام، وأهمها مسلسلات رمضان الإذاعية، ويتنقل المؤشر من محطة البرنامج العام إلى الشرق الأوسط إلى صوت العرب، لنلاحق المسلسلات الدرامية والكوميدية، وتنتهى بمسلسل ألف ليلة وليلة بصوت الفنانة الكبيرة زوزو نبيل، والتى تبدأ بجملة «بلغنى أيها الملك السعيد ذو الرأى الرشيد»، ثم تأخذنا إلى رحاب رحلة رائعة تلهب خيالنا، فى عالم مشوق من المغامرات الأسطورية، لتنتهى بصياح الديك.

وننطلق بعد الإفطار وسماع مسلسل الفنان فؤاد المهندس والفنانة شويكار، لنكمل متعتنا باللعب فى الشوارع التى تهيأت بالأنوار والورق الملون والزينات البسيطة، لكنها كانت تبعث البهجة فى نفوسنا، ونلعب حتى نتعب ونعود إلى منازلنا، وننام لنستيقظ على الدقات المميزة لطبلة المسحراتى عم أحمد أبو الحسن، وصوته يردد «إصحى يا نايم وحد الدايم، رمضان كريم»، وكان عم أبو الحسن يعرف كل بيت فى بلدتنا، وينادى على كل رب أسرة باسمه، وكم كان شوقنا لرؤيته، بل نطلب أن نسير معه فى أرجاء البلدة، لكننا كنا نذعن لرفض هذا المطلب، ونكتفى بالإطلال عليه من الشباك ومبادلته التحية، وطمأنته إلى أننا استيقظنا.

كانت تلك الأجواء الرمضانية زمان أكثر من كونها عبادة ومن أركان الدين، فقد رسخت لدينا الكثير من المعانى الجميلة، حفرت مكانها فى ذاكرتنا وشكلت شخصياتنا، ومنحتنا طاقة روحية وشعورا بالأمان والتقارب والتسامح والفرح الجماعى وجمع شمل الأسرة والعائلة، والبلدة بل ومصر كلها، التى كانت الخيمة الرمضانية تغلف روحها بالمحبة والبهجة. فما أحوجنا إلى أجواء رمضان!!


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: