رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اجتهادات
كاوتسكى العرب فى ذكراه

عندما غضب زعيم الثورة البلشفية الروسية ومؤسس الاتحاد السوفيتى السابق فلاديمير لينين على المُنظِّر الماركسى كارل كاوتسكى، هجاه بشدة فى كراس عنوانه (الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكى). لم يذكر لينين حينذاك أنه تعلم الكثير من كاوتسكى، الذى يُعده كثير من اليساريين الأب الثالث للاشتراكية بعد ماركس وإنجلز.

كل ما فعله كاوتسكى، وجلب لعنة لينين عليه، أنه بادر بمراجعة بعض الأفكار الماركسية التى آمن بها وشارك فى بلورتها، عندما خاب أمله فى مسار الثورة الروسية فى بدايتها، واكتشف أنها ظلمت من كان مأمولاً أن تُنصفهم وتكون ديمقراطية لهم، وديكتاتورية ضد الطبقات المالكة، ورأى أنها أعادت إنتاج ديكتاتورية القياصرة بطريقة أخرى.

وقد حدث مثل ذلك بعد عقود للمفكر السورى الكبير إلياس مرقص عندما لعنه رفاقه اليساريون، واتهموه بالارتداد لأنه استخدم عقله كما فعل كاوتسكى، واكتشف ما رأى أنه فى حاجة إلى مراجعة.

كان مرقص، الذى مرت قبل أيام الذكرى الثلاثون لرحيله، أحد أبرز المثقفين فى الحزب الشيوعى السورى عندما شرع فى إجراء هذه المراجعة، ونقد غياب الديمقراطية الحزبية، وطالب بترك الزهور تتفتح، فاتُهم بالارتداد الذى يُعد الجريمة الأكبر فى الأوساط العقائدية بمختلف مرجعياتها. ونظم قادة الحزب حملة تعبئة ضده، وأمعنوا فى تشويهه دون أن يردوا على ما طرحه، بخلاف ما فعله لينين عندما ناقش أطروحات كاوتسكى, وإن فى سياق إثبات حُكم مسبق أصدره ضده.

وربما لم يتصور مرقص عندما راجع بعض الأفكار والمواقف الماركسية أنه يفتح طريقًا بقى السير فيه خطرًا لفترة طويلة، ويُشَّجع مثقفين وحزبيين يساريين على التفكير فى مُسَّلمات كان الاقتراب النقدى منها غير آمن.

وقد تعلمت شخصيًا من الراحل الكبير فى مرحلة مبكرة من حياتى أنه لا توجد مُسلمات فكرية، وأن الأنساق الأيديولوجية المغلقة تُجمد العقل مهما بدت عقلانية. وساعدنى كتابه (الماركسية والشرق) الصادر عام 1968 على مراجعة بعض الأفكار التى آمنت بها فى باكورة شبابى.

وكان مرقص، على هذا النحو، رائد المراجعات الفكرية لدى اليساريين العرب، مثلما كان كاوتسكى بالنسبة إلى نظرائهم الأوروبيين.


لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد

رابط دائم: