رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بناء عالم ما بعد الجائحة

عنوان المقال مأخوذ من إعلان أطلقته الأمم المتحدة فى ديسمبر الماضى من أجل مناهضة التمييز والعنصرية والحد من عدم المساواة ودعم التنمية المستدامة كحقوق رئيسية للإنسان لا يمكن الاستغناء عنها لبناء عالم أفضل بعد الجائحة. الموضوع اتخذه المركز المصرى للفكر والدراسات الإستراتيجية لكى يكون أطروحة للحوار فى مؤتمر انعقد يوم الخميس الماضى ضم أطرافا من المسئولين والمفكرين والعاملين فى المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان.

والحقيقة أن عالم ما بعد الجائحة يعكس عالما مختلفا أصابته صدمة كبيرة لم تترك بلدا لا كبيرا ولا صغيرا، ولا غنيا ولا فقيرا، إلا وأصابته من لعنتها ما يكفى لكى يتساءل عما إذا كانت الدنيا سوف تبقى على حالها أو تعود إلى ما كانت عليه، أو أنه من الممكن أن نبحث عن مستقبل آخر يكون العالم أفضل حالا وينتهز المناسبة لكى يجرى تجاوز ما كان مستفيدا من المعرفة التى تولدت فى ظل ظروف عصيبة. والحقيقة أيضا هى أن عام الجائحة لم يكن خاليا من الحوارات والمناظرات الكبرى التى تناولت قضايا العالم الكبرى كان أولها ما فرضته الكارثة من اختيارات صعبة بين بقاء المجتمعات والحياة فى عمومها، والاقتصاد فى خصوصها، مفتوحة؛ أو أنه لا يوجد مفر من الإغلاق التام حتى تنقطع سلاسل العدوى التى تنتشر بين البشر انتشار النار فى الهشيم.

لم يكن الاختيار سهلا، وفى بعض الأحيان فقد جرت صياغة الموضوع بأنه منافسة ما بين الموت بالوباء أو الموت من الجوع. لم يكن الأمر بهذه الحدة فى كل الأوقات، ولكنه البحث فى الأمر أدى أحيانا إلى تجارب ثبت بعد ذلك كارثيتها عندما قررت السويد أن تبقى مفتوحة بحثا عن تحقيق مناعة القطيع التى سرعان ما ثبت أنها خرافة تعنى الحكم بالإعدام على مجتمع كامل. وفى حالات أخرى أصبحت الحياة نفسها موضع اختبار عندما لم تكن أجهزة الأكسجين كافية لمقاومة الفيروس، فأصبح السؤال عمن تكون له الأولوية فى التنفس، وهل هم من كبار السن الأقل قدرة على المقاومة، أم أنهم من الشباب أصحاب المستقبل؟لم تكن معادلة الحياة والاقتصاد إلا واحدة من مناظرات أخرى كان موضوع حقوق الإنسان ثقيلا داخلها بدءا من مناظرة تدخل الدولة فى حياة الإنسان بالمتابعة التى تصل إلى وضع أجهزة لمراقبة الانسان وتتبع حالته الصحية أو تركه على حاله حرا بلا رقابة. الجائحة كشفت أمرا مهما أنه من الصحيح أن حرية الإنسان تقف عندما تبدأ حرية إنسان آخر؛ ولكن هذا الصحيح فى أوضاع الجائحة يصير فيه الكثير من العوار نظرا لوجود ثالث ما بين الإنسان وأخيه وهو الفيروس الذى لا يراه ولا يسمع به أحد، ما لم تتدخل الدولة لمراقبته ومنعه من العدوي. وهكذا فإن المناظرات الاقتصادية والاجتماعية سرعان ما تقود إلى مناظرات سياسية حول مدى قدرة الدولة على مواجهة هذه التناقضات المستمرة.

ومن المدهش أن الدول المتقدمة فى أوروبا وأمريكا الشمالية كانت الأقل كفاءة فى إقامة المعادلات المتوازنة بين تناقضات عميقة؛ وفى دولة عظمى مثل الولايات المتحدة فإن رئيسها دونالد ترامب قرر حجب حقائق الكارثة رغم وجود الحق للإنسان فى أن يعلم الحقيقة. ومع ذلك فإن الدوائر البحثية فى الغرب عامة راحت تصيغ المناظرة دوليا فى مدى كفاءة الدول السلطوية فى مواجهة الدول الديمقراطية. هذه الصياغة للمناظرة لم تكن فى كل الأحوال بحثا عن الحقيقة، بقدر ما كان لها ممثلوها فى الواقع الذى بدا صراعا بين الصين من ناحية، والولايات المتحدة من ناحية أخري. ظهر الفيروس التاجى فى لحظة دولية فارقة كان فيها صعود الصين، كما كان فيها قيادة داعية إلى تراجع الدور الأمريكى فى العالم.

والحقيقة أن ما أظهرته الجائحة لم يكن مرتبطا بنظم الحكم، بقدر ما كان القدرة على تعبئة الكفاءة والعلم لمواجهة فيروس كان ولا يزال غامضا. أثبتت التجربة العالمية أن النجاح النسبى الذى حققته دول كان فيها الديمقراطى كما كان فيها السلطوي؛ والعكس أيضا كان صحيحا حيث كان فى الفشل سلطويون وديمقراطيون ومدى استيعاب حقائق العلم والصحة العامة. المسألة باتت فى جوهرها مدى علاقة نظام الحكم بالشريحة التكنوقراطية فى الدولة وإمكانات تعبئتها. التجربة المصرية فيها الكثير مما يضيف فى هذا النطاق. وكان لما تحقق من رؤية مصر 2030 خلال السنوات الخمس الماضية فضل كبير فى مواجهة أزمة الكورونا والتخفيف من آثارها الموجعة، وهو ما أعطى ثقة كبيرة فى المسار الذى اختارته القيادة المصرية نحو التقدم المصرى واللحاق بالدول المتقدمة فيه.

حققت مصر توازنا معقولا بين العزل الاجتماعي، واستمرار الحياة، وأكثر من ذلك المحافظة على الممكن من المسيرة التنموية. وكان هذا التوازن الدقيق أهم عوامل نجاح مصر فى تعاملها مع الازمة خاصة خلال الإجراءات الاحترازية التى اتخذتها الدولة فى التعامل مع ثقافة الشعب المصرى الذى يعرف دائما ثقافة الازدحام والتواصل الاجتماعى فى المناسبات مثل حفلات الزفاف والجنازات والمصافحات والأحضان الحارة فى الحضر والريف. ورغم ما حدث من تراجع فى الإصابات والوفيات منذ مطلع العام الحالى 2021 فى مصر، ورغم كل أبعاد الأزمة فإن المسيرة التنموية المصرية لم تتوقف، وكانت مصر ضمن عدد قليل من دول العالم التى حافظت على معدل إيجابى للنمو خلال سنة الأزمة الأولي. وجرى معالجة الأزمة بطريقة لا مركزية ضمت تحالفا قويا من العلماء والجيش الأبيض ونقابة الأطباء، وأديرت الأزمة بطريقة احترافية من خلال وجود خبراء ومتخصصين فى وزارة الصحة، مما أسهم فى استمرار رؤية 2030 الاقتصادية والعملية التنموية فى المشاريع القومية التى التزم فيها العمال العاملون بالإجراءات الاحترازية مع الاستمرار فى المواظبة على العمل. وبينما كانت خلية إدارة الأزمة فى مجلس الوزراء فاعلة وقادرة، فإن خلايا تكنوقراطية مماثلة عملت فى المحافظات المختلفة بنفس الطريقة. وباختصار كانت اللامركزية تمارس فعليا على أرض الواقع مشيرة فى ذلك إلى واقع جديد فى المستقبل.


لمزيد من مقالات ◀ د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: