رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سياحة الثقافة وثقافة السياحة

أصبح حديث السياحة فى البلاد عاليا منذ نشوب الأزمة الاقتصادية التى أتت من حالة الشح الدولارى التى تعترض عملية التنمية الجارية فى مصر. كان منطقيا أن يزيد النظر فى ذلك القطاع الاقتصادى المهم فى هذه المرحلة باعتباره الأكثر قدرة على التوفير المباشر للعملة الصعبة دونما حاجة - أو هكذا كان الاعتقاد - إلى اتخاذ إجراءات هيكلية تستدعى تكلفة عالية فى الزمن والثمن. مما زاد من هذا الاعتقاد أن مصر بدت جاهزة لقفزة كبيرة بفعل التحسن الكبير فى بنيتها الأساسية، وعمليات الاكتشاف الكبيرة لآثار فرعونية وغير فرعونية مصر، وافتتاح العديد من المتاحف، والاستعداد لافتتاح المتحف المصرى الكبير، فضلا عن مواكب المومياوات وطريق الكباش الذى جعل مصر فى مجال اهتمام من العالم. أكثر من هذا أن حديث السياحة بات ممتدا داخل الإقليم العربى، حيث شاركتنا دول الإصلاح فى هذا المجال، وظهر أن دول السعودية والإمارات والمغرب وقطر تقدم ابتكارات عديدة لمن يريدون للسياحة أن تغل دخلا عاليا ينافح طولا مصادر الدخل التقليدية فى الزراعة والصناعة والخدمات. الابتكارات كانت عديدة فى السعودية، حيث جرى استخدام الرياضيين العالميين من أمثال كريستيانو رونالدو وليونيل ميسى فى صور مبتكرة لمنافسات عالمية. قطر لا تزال تحصد سياحيا من نتائج كأس العالم؛ أما المغرب فلاتزال تحصد أموالا ناتجة من طعامها المتميز وملابسها التى لا تقل تميزا واستعدادها لكى تكون ساحة لتصوير الأفلام السينمائية العالمية. بشكل ما بات هناك ما يكفى فى العالم العربى ما يدل على نهضة سياحية تحصد إيجابيا من نتائج ما بعد كوفيد ١٩، والحرب الأوكرانية معا، وما يسببه من ضيق للقارة الأوروبية وانزعاج فى بقية العالم، ورغبة فى الراحة والاسترخاء والتسوق والتعرف على ثقافات أخرى.

ما حدث فى مصر فى حديث السياحة كان حالة من الذهول والوجوم التى نزلت على أعضاء مجلس الشيوخ عندما عرضت النائبتان الموقرتان هبة شاروبيم وريهام عفيفى موضوع السياحة للمناقشة. رقمان اتفقتا عليهما أثارا ذعرا بين النواب هما أن مصر تشغل الترتيب ٥٣ بين الدول السياحية فى العالم، والمركز السادس بين دول الشرق الأوسط. كان ذلك يمضى ضد كل ما هو سائد من معرفة نابعة من اعتزاز كبير بالتاريخ المصرى وما يبوح به حاليا من أصالة غنية عن ماض تليد، وما يعتقد أن الحضارة المصرية جاذبة لكل الحضارات الإنسانية الأخرى. لم يكن متخيلا أن مصر هبطت سياحيا إلى هذا الحد حتى رغم الأزمات الكبيرة ذات الأصول الخارجية التى عانتها خلال الأعوام الأخيرة، ولكن الآخرين من العرب والشرق أوسطيين عانوها أيضا. تناوب النواب مناقشة القضية الحيوية جمعت ما بين التقدير الكبير للطاقة السياحية فى مصر، والاستياء الكبير من تهافت العائد وتراجع الترتيب. معالى وزير السياحة أحمد عيسى لم يرطب من الأجواء كثيرا اللهم إلا عندما عبر عن نيته فى تنفيذ الخطة التى وضعها سابقه معالى د. خالد العنانى فى سابقة غير معهودة فى التقاليد الوزارية المصرية فى أن يبدأ الوزير الجديد ليس من حيث انتهى الوزير السابق وإنما من الصفر. عرض الخطة أسفر عن اعتراف بالأرقام المتواضعة المشار إليها أعلاه، ولكن البشرى كانت أن الدولة كلها بصدد العمل على رفع عدد السائحين إلى 30 مليون سائح مع حلول عام 2028. الأرقام المتوافرة عن السياحة فى مصر تبدو حاليا مبشرة، وذكر الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى مصر، أن عدد السياح الوافدين إلى البلاد زاد 4٫85% فى النصف الأول من 2022 إلى 4.9 مليون سائح مقارنة مع 2.6 مليون سائح خلال النصف الأول من العام 2021. وبلغ عدد السياح الوافدين مـن مختلف دول العالم 8 ملايين سائح فى عام 2021، مقابل 3.7 مليون سائح فى 2020، بنسبة ارتفاع قدرها 117.5%. وسجلت أوروبا الشرقية أكثر المناطق إيفاداً للسياح إلى مصر خلال 2021 بنسبـة 50.6%، يليها الشرق الأوسط بنسبــة 18.9%، ثم أوروبا الغربية بـ 16.4%، وإفريقيا بـ 7.1%.

ولكن المعضلة هنا أن الأرقام تبدأ من قاعدة منخفضة كثيرا، ومن ثم فإن معدلات النمو لا تكفى لتشكيل فارق كبير يوفر موارد كافية، أو يسمح بالمنافسة أو التكامل مع دول عربية وإقليمية أخرى. المدهش أنه لم يرد لا فى عرض النائبتين ولا فى النقاش ولا العرض الحكومى عما إذا كان قطاع السياحة يسير فى المسار الذى حددته رؤية مصر 2030، وعما إذا كانت الأهداف التى وضعتها لاتزال قابلة للتحقيق. ما كان مفاجئا حقا ولا يسير وفق العرف العام فى مصر أن الآثار الفرعونية والآثار المصرية الأخرى ليست هى الجاذبة للسائحين إلى مصر؛ ولكن الحقيقة لم تكن كذلك، حيث ظهر أن ما يسمى السياحة الثقافية لا يزيد على 11% من ممارسة السياحة. واتضح من ذلك أن الخيال العام فى مصر لا يستوعب حقيقة أن السائح ما هو إلا إنسان يبحث عن الراحة والمتعة والاستمتاع بالحياة التى تعوضه عن الشقاء الذى يعيشه طوال العام والذى يوفر منه الأموال التى يدفعها خلال الإجازة السياحية فى بلدنا أو فى بلاد أخرى.

ما نحتاجه ليس فقط السياحة الثقافية ولكن أيضا ثقافة السياحة التى توفر للسائح الترفيه والمتعة والراحة التى يصبو إليها، وترفع عنه لعنة المشاكسة والملاحقة والتحرش والبقشيش. هذه الثقافة السياحية تشمل مع المواطنين الدولة التى تنظم حركة السائح ما بين دخوله إلى المطار وخروجه منه بسهولة ويسر وفى أسرع وقت، وهذه تحتاج أولا إلى التسويق الذى يجذب السائح، وثانيا التسهيلات التى تجعله يستغل وقته أفضل استغلال.


لمزيد من مقالات د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: