رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أكتوبر فى ذاكرة مصر

لابد أن أعترف بأن جراح نكسة ١٩٦٧ كانت من أكبر الأحزان التى عاشها جيلى حتى أطلقنا عليه جيل النكسة.. كانت مأساة هذا الجيل انه عاش أعظم واكبر لحظات الحلم طوال أيام الثورة الأولى وكنت أقول دائما إن انبهار جيلى بالزعيم الراحل جمال عبدالناصر كان قصة حب أبدية وإننا لم نحب أحدا قبله وفقدنا قدرتنا على الحب بعده.. حينما زار الزعيم الأهرام قدمنى الأستاذ هيكل وزميلى لبيب السباعى قائلا أصغر شباب الأهرام..

ـــ اعترف بأننى تنازلت عن الكثير من رصيد أحلامى وأنا أصافح جمال عبدالناصر لعلنى انسى مأساة جيلى مع النكسة.. مرت بنا الأيام وتركت نفسى اغرق فى مسئوليات العمل ولكن كانت مأساتى الحقيقية أننى امتنعت تماما عن كتابة الشعر وكأنه كان جزءا من أحلامى التى أجهضتها النكسة.. لا انسى ليلة تنحى عبدالناصر كنت أشاهد خطاب التنحى مع عدد من الأصدقاء وحين جاء حديثه عن الانسحاب من سلطة القرار واعترف بأنه يتحمل المسئولية كاملة أمام الشعب.. وأنه سيعود جنديا وسط الجماهير أغلقنا التليفزيون وخرجنا دون أن نتصافح نطوف فى شوارع القاهرة..

ـــ كانت سماء القاهرة مظلمة والآلاف يسيرون فى الشوارع دون هدف أو غاية ووجدت نفسى أمام السفارة الأمريكية والحشود تحاصرها وفوجئت وسط الظلام بالدماء تسيل من رأسى بعد أن اصطدمت بعمود النور حاولت أن أبحث عن شيء يجفف الدماء حتى الصيدليات كانت مغلقة.. فى اليوم التالى كنت أسير فى شارع رمسيس مع الملايين الذين خرجوا إلى الشوارع يهتفون للزعيم «لا تتنحى» أخذتنى الحياة وسرقتنى الأيام وأنا غارق ما بين العمل والأحزان.. وكان الشيء الوحيد الذى أرقنى أن الشعر تخلى عنى ولم اكتب بيتا واحدا طوال خمس سنوات حتى ظننت بأن الشعر هجرنى ولن يعود..

ـــ سنوات عبرت والشيء الذى كان يخفف جرح الحلم المكسور أننى كنت محظوظا حين انضممت لأسرة الأهرام قلعة الصحافة العربية وحلم أى شاب فى عمرى يريد أن يدخل قصر صاحبة الجلالة.. كنت أسير فى شارع سليمان باشا مع احد الزملاء حين سمعنا تكبيرات فى المحلات والناس تهتف الحرب بدأت قواتنا عبرت قناة السويس وعدت إلى الأهرام مسرعا لأجد الجميع يتحاورون فى صالة التحرير.. وبدأ سيل من الأخبار يتدفق عن سير المعارك وأن القوات المصرية تحقق انتصارات سريعة على جبهة القتال.. وبدأت أخبار معارك الطيران والكبارى وخراطيم المياه وتدمير خط بارليف ومعركة الدبابات اكبر معركة برية منذ معارك الحرب العالمية الثانية..

ـــ عادت شوارع مصر تضيء مرة أخرى وعادت مشاعر النصر تزور بيوت المصريين مرة أخرى وبدأت أغانى النصر تزور القلوب وتحرك المشاعر.. ومع فرحة الانتصار بدأ الشعر يطل فى حزن أيامى مرة أخرى حتى أن قصائدى كانت تتدفق مع فرحة النصر والعبور وتدمير خط بارليف ومعارك الطيران وبطولات الجندى المصرى.. والغريب أننى كتبت عددا كبيرا من القصائد عن النصر فى الأيام الأولى من المعارك كان توفيق الحكيم كاتبنا الكبير قد أطلق أنشودته عبرنا الهزيمة وكانت على الربابة بغنى تهز وجدان مصر كلها..

ـــ وسط هذه المشاعر المتدفقة دخلت على كاتبنا الكبير إحسان عبدالقدوس وقلت له لقد كتبت مجموعة قصائد عن نصر أكتوبر وأريد أن أصدرها فى كتاب وأتمنى لو أن توفيق الحكيم قدمنى للقراء تأكيدا لفرحة مصر كلها بهذا النصر العظيم.. لم يتردد الأستاذ إحسان فى أن يأخذنى من يدى وندخل على توفيق الحكيم فى مكتبه وقال له الأستاذ إحسان إن فاروق شاعر شاب وكتب ديوان شعر عن نصر أكتوبر ويريدك أن تقدمه.. أعجب الحكيم بالفكرة ولكنه قال: أنا لم أقدم أحدا فى حياتى حتى إننى رفضت تقديم إبراهيم ناجى وكان صديقى وصلاح عبدالصبور.. وتدخلت فى الحديث وقلت نحن أمام حدث تاريخى كبير حرك مشاعر كل أجيال مصر ولكن الحكيم لم يوافق.. واقترحت أن يأتى التقديم فى صورة رسالتين بين الحكيم وبينى اكبر كُتاب مصر وشاعر شاب كدليل على إعزاز كل أجيال مصر من الكتاب.. وراقت الفكرة الحكيم وإحسان معا واتفقنا أن نلتقى فى اليوم التالى ومعى الرسالة ووافق توفيق الحكيم.. سهرت أكتب الرسالة وذهبت بها إلى الحكيم مع الأستاذ إحسان وجلس الحكيم وكتب رسالته التى قال فيها «إن التتويج الذى تطلبه لديوانك تملكه أنت بهذا التاج المتألق فى حب بلادك»..

ـــ وصدر ديوانى الأول أوراق من حديقة أكتوبر بمقدمة الحكيم ورسوم بيكار اكبر فنانى مصر فى ذلك الوقت حين أهديت الرئيس أنور السادات نسخة من الديوان أرسل إلى رسالة رقيقة أشاد فيها بالديوان الذى يعتبر تكريما لدماء شهدائنا الأبرار الذين وهبوا حياتهم من اجل تحرير الأرض واسترداد الكرامة..

وفى حفل أكتوبر الذى حضره الرئيس أنور السادات والسيدة جيهان السادات غنت الفنانة الكبيرة ياسمين الخيام قصيدتى«عشقناك يا مصر» وهى من ألحان الموسيقار الكبير محمود الشريف..

حملناكِ يا مصرُ بينَ الحنايا

وبينَ الضلوع وفوقَ الجبينْ

عشقناكِ صدرًا رعانا بدفءٍ

وإن طال فينا زمانُ الحنينْ

فلا تحزنى من زمان جحودٍ

أذقناكِ فيه همومَ السنينْ

تركنا دمَاءك فوقَ الطريقِ

وبين الجوانحِ همسٌ حزينْ

عروبتنا هل تُرى تنكرين؟

منحناك كلَّ الذى تطلبينْ

سكبنا الدماء على راحتيك

لنحمى العرينَ فلا يستكينْ

وهبناك كلَّ رحيقِ الحياةِ

فلم نبق شيئا فهل تذكرين؟!

فيا مصر صبرًا على ما رأيتِ

جفاءَ الرفاقِ لشعبٍ أمينْ

سيبقى نشيدُك رغمَ الجراحِ

يضيءُ الطريقَ على الحائرين

سيبقى عبيرك بيتَ الغريبِ

وسيفَ الضعيفِ وحلمَ الحزينْ

سيبقى شبابُكِ رغم الليالي

ضياءً يَشعُّ على العالمين

فهيا اخلعى عنكِ ثوبَ الهموم

غدًا سوف يأتى بما تحلمين

ـــ كان ديوان «أوراق من حديقة أكتوبر» أول دواوينى وبداية مشوارى مع الشعر وكان أول ديوان يصدر عن هذا النصر العظيم وكان تقديراً منى لجيش مصر العظيم الذى حملت له طوال عمرى كل مشاعر الحب والعرفان حتى كتبت نشيد الجيش الذى يردده فى طابور الصباح كل جنود مصر الأبطال رسمنا على القلب وجه الوطن ولحنه الموسيقار كمال الطويل..

رسمنا على القلب وجه الوطنْ

نـخيـلا ً ونيـلا ً وشعبـا ً أصيـلا َ

وصناك يا مصر طول الزمنْ

ليـبقـى شـبـابـك جيـلا ً فـجيـلا َ

على كل أرض تركنا علامهْ

قلاعا ًمن النور تحمى الكرامـهْ

عروبتنا تفتديك القلوب

ويحمــــيك بالدمْ جيشُ الكنانة ْ

وتنساب يا نيل حرا ًطليقاً

لتـحكـى ضفافـك معنـى النضـالْ

وتبقى مدى الدهر حصنا ًعريقا ً

بصـدق القـلـوبِ وعـزم ِالرجـالْ

يدُ الله يا مصر ترعى سماكِ

وفـِى سـاحـة الحـق يـعـلو نـداكِ

ومادام جيشك يحمى حماكِ

ستمضى إلى النصر ِدوما ًخطاكِ

سلامٌ عليكِ إذا ما دعانا

رســولُ الجـهــادِ لـيــوم الفــداءْ

وسالتْ مع النيل ِيوما ً دمانا

لنـبنـى لمـصـر العـلا والرخــاءْ

ـــ وعبرت أيام وسافر بى الزمن ومازلت حتى الآن أشعر بطوفان من مشاعر العرفان لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. تحية لجيش مصر العظيم فى يوم من أيامه الخالدة فى ذاكرة المصريين.. لقد عبر بنا الزمان وسافرت سنوات العمر وبقى أكتوبر الحدث والذكرى والكرامة فى ذاكرة كل مصرى عاش هذه الأيام التى تجسدت فيها إرادة مصر جيشا وشعبا وأصبحت فى تاريخ مصر أيام مجد وفخار.. سوف يبقى أكتوبر صفحة مضيئة فى تاريخ مصر تفخر بها أجيالنا القادمة.. هذه وقفة مع لحظة من لحظات العمر التى قاومت متغيرات الزمن وعواصف الأيام..

 

..ويبقى الشعر

 

وحينَ نظرتُ فى عينيكِ.

عاد اللحنُ فى سمعى

يذكـّرنى.. يحاصرنى.. ويسألنى

يجيب سؤالـَه.. دمعى

تذكرنا أغانينـَا

وقد عاشت على الطـُّرقاتِ مصلوبهْ

تذكرنا أمانينـَا

وقد سقطت مع الأيام.. مغلوبهْ

تلاقـْينا.. وكل الناس قد عرفوا حكايتنا

وكل الأرض قد فرحت.. بعودتِنـَا

ولكن بيننا جُرحٌ.

فهذا الجرحُ فى عينيكِ شىء لا تـُداريهْ

وجُرحى.. آهِ من جُرحى

قضيْتُ العمرَ يؤلمنى.. وأخفيهْ

تعالىْ.. بيننا شوق طويلٌ..

تعالىْ.. كى ألملمَ فيكِ بعضى

أسافرُ ما أردتُ وفيك قبرى.

ولا أرضَى بأرضٍ.. غير أرضى

وحين نظرتُ فى عينيكِ

صاحت بيننا القدسُ

تعاتبنا.. وتسألنا

ويصرخ خلفنا الأمسُ

هنا حلم نسيناهُ

وعهدُ عاش فى دمنا.. طوَيْناهُ

وأحزانٌ.. وأيتامٌ.. وركبٌ ضاع مَرساهُ

ألا والله ما بـِعناكِ يا قدسُ..

فلا سقطت مآذنـُنـا

ولا انحرفت أمانينا

ولا ضاقت عزائمُـنا..

ولا بخِلت أيادينا

فنارُ الجرح ِ تجمعنا.

وثوبُ اليأس ِ.. يُشقينا

ولن ننساكِ يا قدسُ

ستجمعنا صلاة ُ الفجر فى صدركْ

وقرآنٌ تبسَّم فى سنا ثغركْ

وقد ننسى أمانينا..

وقد ننسى.. مُحبِّينا

وقد ننسى طلوع َ الشمس ِ فى غدِنـَا

وقد ننسى غروبَ الحلم من يدنا

ولن ننسى مآذننا.

ستجمعُنا.. دماءٌ قد سكـَبناها

وأحلامٌ حلمناها

وأمجادٌ كتبناها

وأيامٌ أضعناها

ويجمعنا.. ويجمعنا.. ويجمعنا.

ولن ننساكِ.. لن ننساكِ.. يا قدسُ.

 

قصيدة «لأنك عشت فى دمنا» سنة 1989

[email protected]
لمزيد من مقالات يكتبها ــ فاروق جويدة

رابط دائم: