رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الوعى فى نادى الجلاء

كانت هى المرة الثالثة التى أدخل فيها إلى نادى الجلاء، ولم يكن ممكنا من زاوية المشاعر والعواطف والفكر فى عمومه إلا استدعاء ما سبق استعدادا لما سوف يلحق. المرة الأولى كانت فى الثالث والعشرين من يونيو ٢٠١٣ قبل أسبوع من الثورة الكبرى فى الثلاثين من الشهر؛ وكانت المهمة هى إلقاء محاضرة عن «الأخطار الموجهة إلى الأمن القومى المصري» فى الندوة التثقيفية الخامسة للقوات المسلحة المصرية. المرة الثانية جاءت بعد ذلك بسنوات وفى الندوة التثقيفية الرابعة والعشرين للقوات المسلحة، وكانت المحاضرة أيضا عن الأمن القومى والتهديدات الموجهة له من قبل أهل الشر من الزاوية الفكرية والإعلامية. المرة الثالثة كانت قبل أسبوع فى يوم الثلاثاء ٢٨ يونيو قبل يومين من الذكرى التاسعة لثورة ٣٠ يونيو، وجاء تنظيمها من شراكة بين وزارة الشباب والمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية، والموضوع هو الوعى والأمن القومي. المرات الثلاث كانت تاريخية بمعنى أنه لا يمكن استبعاد تأثيرها العميق على البلاد، وفى الأولى كانت أولى إرهاصات الثورة حاضرة فى الخروج الشعبى المتجسد فى حركة تمرد، والذى يستعد لليوم الأعظم بعد أسبوع. وفى القاعة ساعتها وبها ٧٠٠ مقعد يشغله جميع قادة القوات المسلحة، وفى المقدمة منهم وزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي. يومها جرى التحذير من التعرض للشعب المصرى الذى بات خطا أحمر، وتوجيه الإنذار بحل المأزق السياسى الذى وصل إليه حكم الإخوان خلال أسبوع. وفى الثانية كانت الثورة نجحت واستقرت ولكن تحدى الإرهاب وقتها كان عتيا، وهو ما استوجب قبول التحدى الإعلامى خاصة أن الإصلاح الشامل للبلاد قد أخذ موعده. وفى الثالثة لم تكن الثورة قد نجحت فقط، ولا كان الإصلاح قد استتب وحده، وإنما ظهرت علامات نضج التجربة من الاستعداد لمرحلة جمهورية جديدة تستوجب وعيا يليق بها، ويستوعب مهامها. فى الأولى كان التهديد للدولة المصرية قائما، وفى الثانية كان التحدى للتجربة المصرية حالا، وفى الثالثة كان المستقبل يطل على مصر وحان موعد انطلاقه وسط أزمة دولية تضاف إلى الإرهاب والجائحة.

فى الذكرى التاسعة لثورة ٣٠ يونيو فإن التاريخ يأخذ مأخذا آخر غير الذى كان لأول مرة، وفيه فإن الوعى يصبح حائط الصد الأول فى مواجهة تحديات قائمة. والوعى كلمة تعبر عن حالة عقلية يكون فيها العقل بحالة إدراك وعلى تواصل مباشر مع محيطه الخارجى عن طريق منافذ الوعى المختلفة المتمثلة فى الحواس أو ملكات المحاكمة العقلية المتنوعة، لتتكون لدى الإنسان أفكار ووجهات نظر ومفاهيم عن الحياة والطبيعة تسهم فى الارتقاء والتقدم. تمكّن الحواس الخمس العقل من تلقى المعلومات حول المكان والزمان والبيئة الطبيعية والنفسية فى عمومها، ثم يعالجها الخيال والعاطفة، ويحكم عليها العقل، وتخزنها الذاكرة أو ترفضها.وقد يكون الوعى وعيا زائفا، وذلك عندما تكون أفكار الإنسان ووجهات نظره ومفاهيمه غير متطابقة مع الواقع من حوله، أو غير واقعى، وقد يكون جزئيا، وذلك عندما تكون الأفكار والمفاهيم مقتصره على جانب أو ناحية معينة وغير شاملة لكل النواحى والجوانب والمستويات المترابطة التى تؤثر وتتأثر بعضها ببعض ضمن فعالية تطور الحياة. الحلقة الحاكمة فى الوعى تقع فى دائرة الخريطة الذهنية للإنسان، الذى هو فى هذه الحالة المصرى، والتى تجعله يقوم بفحص وتحليل وفهم القضايا والأمور؛ هى باختصار المصفاة التى من خلالها يواجه فيها الإنسان واقعه.

أعطت الندوة فى نادى الجلاء اهتماما بالشائعات، وكيفية مواجهتها ودحضها عن طريق الحقائق والمعلومات الصحيحة التى تقاوم ما هو كاذب وهدفه تحقيق الخلل فى فهم الواقع. ولكن الشائعات هى جزء من الحرب النفسية الموجهة إلى الشعب، أما الوعى فهو قوة دافعة لأمور كثيرة أهمها الاصطفاف على طريق التقدم. الوعى هو ما يعطى الإنسان القدرة ليس على فضح الشائعة فحسب، وإنما إلى تجاوزها فى محيطه من أسرة وعائلة وحى ومدينة ووطن. وتصبح الخريطة الذهنية للوعى غنية أولا بالمعارف التى يكتسبها الإنسان المصرى من أسرته ومدارسه والتى من خلالها يقارن ويصنف ويرتب. وثانيا بالعلم حيث التفكير العلمى بمعنى التعرف على الأسباب والعلاقات السببية والعلاقات الارتباطية بين المتغيرات المختلفة سواء كانت فى الواقع أو الماضى أو المستقبل. وهى التى من خلالها يعرف الإنسان أن لكل أمر زمنا وثمنا (تكلفة). المدهش أنه فى مصرلا يوجد برنامج تليفزيونى أو فى الراديو عن العلم، وحينما كان هناك برنامج شهير عن العلم والإيمان فإن فحواه كان التعبير عن الدهشة من إعجاز الخلق وليس فى معرفة القانون الذى أدى إليه.

وللأسف فإن الخريطة الذهنية المصرية فيها الكثير ليس فقط الذى يجعل الوعى منكشفا للشائعة وترديدها، وإنما أكثر من ذلك توجد فيها مفاتيح لتشويه الوعى باللحظة الحاضرة منها الماضوية الشديدة التى تجعله يعتقد أن ما ذهب هو أفضل دائما مما هو قادم. ومنها أيضا الفهلوة المجتمعية التى هى مظهر من مظاهر الوعى الرديء الذى يستسهل الحلول، ويجنح إلى الفائدة الفورية بدلا من انتظار مستقبل مزدهر. الاتكالية والقدرية فيها الكثير من الاستسهال الذى يؤدى إلى أعباء كثيرة، ولا يمكن تفسير أزمة الزيادة السكانية فى مصر دون الأخذ فى الاعتبار الاعتقاد بأن الطفل الجديد يأتى ومعه رزقه، وأن مجيئه قدر لا مفر منه. الواقع هنا يؤدى بالوعى مباشرة إلى الاعتمادية المفرطة على الآخرين حيث توجد الدولة، أو حتى الاعتماد على دول أخرى لحل المشكلات الوطنية. وفى كل الحالات تسقط المسئولية الوطنية ليس فقط فى الدفاع عن الوطن، وإنما أيضا الأخذ بالوطن المصرى وله تاريخ عريق إلى المكانة التى يستحقها بين دول العالم.


لمزيد من مقالات د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: