رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عودة الكرنب!!

قبل نكبة الحرب الأوكرانية التى تضع العالم بأسره الآن على كف عفريت، ومن قبل ما يستحضر جنرالات حلف الناتو من أجهزتهم السيناريوهات المخيفة التى كانوا يعتقدون أنها أبدًا لن تشق طريقها إلى أرض الواقع، ومن قبل ما يضيف الأمين العام للأمم المتحدة الفصول المرعبة المتتالية إلى مذكراته التى يعدها سرًا استعدادًا لموعد انتهاء ولايته القريب، ومن قبل عدم وجود خيار آخر ضد روسيا سوى العقوبات الاقتصادية وإرسال أسلحة فتاكة إلى الدول المجاورة التى ترتجف من هول ما يجرى وما ينتظرها، ومن قبل رفض التعامل بالروبل إلى حين وجوب التعامل به، ومن قبل عالم أصبح يسمح بتخيُّل «شى جين بينج» الجالس على عرش الحزب الشيوعى الصينى إذا ما فاجأ العالم بما عجز عن تحقيقه «ماو» وهو استعادة تايوان بالقوة العسكرية ووقوع العالم فى عين الزلزال، ومن قبل ما تعى أمريكا أن روسيا بوتين غير روسيا يلتسين وأن صين «شى جين بينج» لا تشبه صين «ماو» وأن خوف الهند التقليدى من الصين لا يعنى أن العملاق الهندى سيأتى بلا شروط إلى بيت الطاعة، ومن قبل عدم فهم أمريكا بأن العالم لا يمكن إدارته بفرض الزى الموحد على مجتمعات مختلفة الأصول والأفكار والتوجهات، ومن قبل الإدراك بأن ما يجرى على أرض أوكرانيا أكبر بالتأكيد من أوكرانيا ذاتها، وأن العالم قد تغيَّر.. تغيَّر الأعداء وتغيَّر الحلفاء، ونحن فى الطريق إلى نظام دولى جديد شاء حظ أوكرانيا التعس أن يبدأ من ركامها، وأن حربها بمثابة الزلزال الذى يفتح ملف قيادة العالم، وأنها أخطر من حرب فيتنام والحرب الكورية وأزمة برلين وأزمة الصواريخ الكوبية ــ وقتها كان بوتين فى العاشرة من العمر ــ وغزو أفغانستان وغزو العراق.. من قبل كل هذا كانت رحلتنا للاتحاد السوفيتى فى أواخر الثمانينيات.


البراعة دائمًا جزء من صورة فلاديمير بوتين .. لقطة مركبة صنعها خيال الكاميرا

هنا مبنى الكرملين مقر الحكم.. و.. هنا الميدان الأحمر وقبر لينين زعيم الثورة البلشفية، وتلك كنيسة القديس بازل بأبراجها المخروطية.. و..ما أن بلغ الابن فى أوتوبيس الرحلة مقعد المفكر اليسارى الراحل الدكتور عبدالعظيم رمضان قطب المجموعة اللامع حتى تابعته بلهفة من بعيد لألحظ مظاهر خذلانه ومعاناته فى ضبط أعصابه احترامًا لمن هو فى سن والده، فالدكتور رمضان ما أن أنصت للطلب الإنسانى الهامس حتى استشاط غضبًا وكأنما قرصته عقرب ليهب واقفًا مستديرًا لنا فى مقاعدنا المنكمشة مغلظًا القول بأننا بفعلتنا الشنعاء هذه التى نقدم عليها بجهجهون المصريين إنما نقوم بجهالة بعملية تخريبية فى دعائم دولة عظيمة، ونهد بضحالة الدهماء أواصر نظام عالمى مستتب، ونلعب بغباء فى أساس نظرية لينين المترسخة فى وجدان الشعب الروسى العملاق الذى منحنا شرف زيارته، فمعنى أن تحصل مجرد عاملة إرشاد سياحى ليست سوى ترس فى آلة العمل الجبارة للاتحاد السوفيتى فى بضع ساعات على ما يوازى دخلها لمدة عام كامل إنما هو إفساد وتخريب وعدم شعور بالمسئولية من جانبنا نحن المتسيبين فاقدى الأيديولوجية.. و..لم يجد الابن المزبهل أمام ثورة الدكتور رمضان سوى الرد المهذب المتربى الذى أنشأته عليه الكابح جماحه فى أعتى الظروف الحرجة: خلاص حضرتك إن ماكنتش حضرتك عايز تشارك حضرتك فى مكافأة البنت الروسية الغلبانة فأنت حر حضرتك، لكن اعذرنا حضرتك فى أننا من الأحرار حضرتك ومن حقنا تنفيذ ما وصلت إليه قناعتنا فى سلوك الاتجاه المضاد لفكر يسار حضرتك.. وأيما كانت سعادة البنت التى ارتسمت إشراقتها على وجهها عندما لاشت معنا سقم نظرية لينين وحوارييه وأتباعه حتى أن الرئيس فلاديمير بوتين ذات نفسه بعدها وصف الشيوعية بأنها «زقاق مسدود بعيدًا عن التيار الرئيسى للحضارة».. وكنا قد عشنا أيامًا داخل الستار الحديدى عندما سمح بأولى الرحلات السياحية إلى بلاده فلمسنا مدى ما وصل إليه الشعب السوفيتى من ضنى حال عندما كانت موسكو تعنى لأهلها وزوارها أجهزة التليفونات المراقبة وعملاء مخابرات الكى جى بى وسياراتهم السوداء التى تجوب الميادين كالشياطين المطلوقة لردع أى هفوة ضد النظام الذى عانى الجميع ويلاته خاصة الأدباء والشعراء، حيث أعدم البعض أو انتحر أو نفى خارج البلاد وإلى أصقاع سيبيريا، أو أودعوا المصحات العقلية، وكل جريرتهم أنهم عبروا عن صدمتهم من الحياة المنافية للقيم الإنسانية، ورفضوا أن يكرسوا إبداعهم للدعاية للحزب الشيوعى ولستالين بالذات، وفى تلك الظروف البائسة انتحر الشاعر سيرجى يسينين بشنق نفسه فى غرفة الفندق فى ليننجراد وكان فى الثلاثين من العمر، وأودت الخيبة بالشاعر مايكوفسكى الذى غنى للثورة الاشتراكية بكل جوارحه إلى كآبة شديدة فأطلق الرصاص على رأسه، كما انتحرت الشاعرة المتميزة مارينا تسفيتايفا، واعتقل الشاعر أوسيب مندلشتام بسبب قصيدة تعرض فيها لستالين وتوفى فى معسكر الاعتقال، وحُكم على الكاتبين بورس بيليناك واسحق بابل بالإعدام، وعانى الكاتب الشهير مكسيم جوركى من فقدان ابنه الوحيد فى ظروف غامضة عقابًا للكاتب على رفضه كتابة رواية عن سيرة ستالين، وبعدها مات جوركى نفسه فى ظروف غامضة ويُقال إن ستالين أمر بقتله طبيًا، وتعرَّض الكاتب الساخر زوشينكو للاضطهاد مما أصابه باكتئاب بالغ وفقدان للشهية لينصحه الطبيب بقراءة القصص الفكاهية خصوصا قصص زوشينكو لأنها أفضل علاج لحالته، فتنهَّد المريض قائلا: دكتور أنا زوشينكو!!.. وليس أبلغ من قسوة انتحار الروائى الروسى الكسندر فاديب رئيس اتحاد الكتاب عندما اتضحت له الحقائق المروِّعة عن جرائم ستالين فلم يتحمل الضغط النفسى الشديد.. وقد بلغت سطوة الأجهزة أن منعت الشاعر الروسى باسترناك وزوجته من السفر لاستلام جائزة نوبل.
ولأن لكل شىء آخر فبعد أكثر من ثلاثين عاما قام جامع المقتنيات الليتوانى «يوليوس أوربيتيس» البالغ من العمر ٧٥ عامًا بجمع ما يزيد على ٣٥٠٠ قطعة من مقتنيات أعمال التجسس ذات الصلة بجهاز الاستخبارات السوفيتى الأسبق الـ«كى جى بى» ليفتتح بها متحفًا متفردًا وسط حى مانهاتن بمدينة نيويورك الأمريكية ثمن تذكرة الدخول إليه ٢٥ دولارا، ومن بين المعروضات جهاز التنصت الذى استخدمه الزعيم النازى أدولف هتلر، ومصباح المكتب البرونزى فى فيللا الطاغية ستالين ــ الذى ترك أكثر من ٢٥ ألف كتاب قام بالتعليق على العديد منها فى الهوامش أو واضعًا خطوطًا تحت بعض الكلمات والجُمل كاشفًا بها عن أفكاره ومعتقداته الخاصة وهو الذى لم يسجل آراءه فى يوميات ولا أصدر أى كتاب، ولكن هوامشه تعد كاشفًا لما كان يدور فى عقله مثل وضعه خطوطًا تحت جملة منسوبة إلى جنكيز خان «موت المهزوم ضرورى لراحة بال المنتصرين» أو «إن حالة وفاة واحدة مأساة.. أما المليون فإحصائية» ــ ومن معروضات متحف الـ«كى جى بى» فى نيويورك أيضًا مسدس على شكل أحمر شفاة، ومظلة تخفى فى طياتها إبرة مسمومة، وبابا من الفولاذ كان داخل سجن الجهاز الاستخباراتى، وحقيبة يد حريمى تحمل درجًا سريًا يضم معدات جيش كامل من الأسلحة الفتاكة، وكاميرات مراقبة دقيقة داخل الخواتم والسترات ومشابك الأحزمة، وإحدى آلات التشفير السوفيتية النادرة.. وتقدر أسعار المقتنيات فى متحف التجسس السوفيتى بما يزيد على ١٢ ألف دولار......
موسكو التى أسسها الأمير «يورى دو لو جوركى» كعاصمة للبلاد وجدناها فى رحلتنا إليها مع أواخر الثمانينيات باردة باهتة بلا حياة، حيث الطوابير الطويلة انتظارًا لدخول المتاجر الشاغرة بلا بضائع.. طابور الرصيف الممتد لآخر الشارع أمله ومُنى عينه حصول المنتظر فيه على خيارياية أو كوساية دبلانة أو حتى طمطماية ممهمطة من البياعة الهجمة الفارشة بصندوقها المتواضع هناك على مدى الشوف، وبضاعتها كلها على بعضها لا تتعدى بحال من الأحوال طبق سلطة جنب الأكل على سبيل فتح الشهية، ولأن فلوسنا أيامها كانت ياما هنا ياما هناك بالمقارنة بفلوسهم، أضف إليها ما تم تحصيله من السوق السوداء ــ المؤهلة تحت الطلب وعلى كل ناصية ــ أصبح لدينا فجأة ثروة لا بأس بها مما دفعنى للمرة الأولى والأخيرة للجنوح والتهور فى دفع ابنى لشراء كل ما يخطر وما لا يخطر له على بال: يا ابنى يا حبيبى عايزاك تتعلم الصرف التبذير السفه.. عايزة أشوفك مسرفًا يا ضنايا.. خليلى إيدك مخرومة.. بعزق يا روح أمك.. ماتعملشى حساب ليوم أسود ولا أبيض.. خير ربنا كتير والروبلات على قفا من يشيل.. بلاش كسل وفز قوم وانزل اللـه يرضى عليك يا ابنى فرتك لك قرشين، وإلا قسمًا عظمًا قلبى حيكون غضبان عليك ليوم القيامة.. ويعود الغالى من مشاويره المكوكية إيد هنا وإيد هناك محتفظًا بثروتنا كاملة لم تنقص روبلا واحدا، وذلك لأن أسواق موسكو المهانة فى الاتحاد السوفيتى التعس كانت كلها خرابًا ويبابًا، وليس معروضًا للبيع اللـهم إلاَّ فصوص الكهرمان المعتمة الكابية التى وضعنا فيها همنا واشترينا منها مثقالا فى حقيبة سفر لنصنع منها فى بلدنا إكسسوارًا كنت أعلم مسبقًا أنه لن يخرج إلى النور زهدًا فى ثقل ظله.. ويا غُلبى فى رحلتنا على محلات الجاهز بفساتينها الكالحة الشبيهة بمعروضات سوق الكانتو حَدَانا والغريب أن كل واحد منها كان مصلوبًا بمسامير فوق الجدران المهترئة، وعندما قادنا الحظ أخيرًا إلى محل حلوانى لنغيِّر من طعم الكرنب اليومى لنجد ثلاث قطع جاتوه لا غير فأبدينا للبائعة رغبتنا فى شرائها كلها، فظهرت على الفور علامات الامتعاض على وجهها، ولم تقبل سوى ببيع واحدة فقط قد تكلست فوق سطحها طبقة الكريمة لتبدو كطفح المرض الجلدى.. وأعطتنا ساعتها بنت مالينكوف درسًا اشتراكيًا فى حق الجماعة وأنانية نظام الفرد.. وحدث ولا حرج عن فرحة عائلة سوفيتية جلست فى المقاعد المجاورة لنا فى السيرك وتشكراتها وتعظيماتها وعظيم امتنانها طوال فترة العرض وفى الاستراحة ولحظات الخروج فى الطابور وذلك لأن ابنى عزم على عيالها المبحلقين بعلبة اللبان كاملة، ولن أنسى فرحة عاملة نظافة الغرف عندما خلعتُ عليها بقية زجاجة البارفان وتكرارها إلى ما لا نهاية لفظة «سباسيبا» بمعنى شكرا، وذلك فى بلوك الفندق الأخطبوطى الضخم الذى نزلنا فيه وسط موسكو ويحتل حيًا كاملا بعدة نواصى، والذى لابد لأى نزيل من التوهان داخل دروبه وطوابقه ولافتاته الروسية المتشابهة، وفى المرة التى تركت فيها الأصدقاء وسط وجبة إفطار الكرنب فى المطعم الاشتراكى الفسيح بالدور الأرضى لأسارع إلى غرفتى قبل الانتهاء من الأكل لإحضار كوبونات الطعام الموزعة علينا داخل الطائرة مع برنامج الرحلة والإقرار بأننا لا نحمل أى ممنوعات ووجوب تسجيل أى قطع من الحلى نحملها مع الساعة التى لابد من تدوين ماركتها.. خرجت مُندفعة لعودة خاطفة ألحق فيها طبقًا لن أجد غيره لسد الرمق طول النهار فضللت الطريق، ولا من مرشد ولا دليل بأى لغة كانت، ومكثت للمساء ألف وأدور فى بيت جحا السوفيتى حتى التقيت مع الوعد ومن قبيل الصدفة السعيدة مع دوران أحد الحوائط بالزميل الراحل عبدالملك خليل مراسل الأهرام المخضرم فى موسكو لينتشلنى من المتاهة السوفيتية.. ومن فاترينة البريستورويكا فى اللوكاندة الأخطبوط وبعد الاطلاع على جوازات سفرنا أكثر من مرة استطعنا شراء ديك من الخزف الملون وكاسيت لتشايكوفسكى والعروس الروسية المتداخلة «ماتروشكا» لأحرص على قسيمة الشراء زى عينى لإبرازها فى المطار المتعسف الذى يُفتش تحت الجلد ويوقفك طويلا للنظر فى أمرك تحت المرايا الفوقية والتحتية والجانبية إذ ربما.. وأتارينا أنا وابنى كنا نايمين فى العسل، فغالبية أفراد الوفد المصاحب الذين كانوا يتسللون دواليك من سلك الرحلات الجماعية بطريقة مريبة فى صحبة سيدة دبلوماسية مقيمة كان لشراء قطع الماس فى السر بأسعار زهيدة للغاية، وبالاطلاع صدفة على ما يجرى تحت الستار استعطفنى الابن لأشترى له خاتم خطبة لم تزل فى عالم الغيب، فرفضت بإباء وشمم، فالضبط فى حالة التلبس مصيره النفى إلى سيبيريا وفضيحة بجلاجل على جميع المستويات هنا وهناك: وترضى لى يا ابني؟!.. أبدًا يا أمي!!.. وتبادلنا بعدها النظرات المستريحة والابتسامات الملائكية طاهرة الذيل على أرض مطار المغادرة ونحن نرقب من حولنا وجوهًا من خوفها كما البفتة البيضاء، فما خفى فى الأماكن السرية كان باهظ القيمة اشتروه بأبخس الأسعار لكنه ليس أغلى من السمعة الطيبة، وفضلت أقول لابنى عمّال على بطال وبدون لازمة: مش كده أحسن يا حبيبى؟!!.. ورجعت لقاهرتى لألتقى بمرعوبات مطار الاتحاد السوفيتى وهن يتهادين أمامى بفراء الاستراكان المبرقش والبوكليت ويلوِّحن بأصابع قراريط البرلنت النقى الـمُطعم بالزفير، لكنى أبدًا لم أندم على مظهرى بغرزة التريكو وغوايشى الفضة وخواتمى الزركون، وجهد ابنى فى عمله ليشترى شبكته بعرق الجبين!
تلك حال الاتحاد السوفيتى فى زيارتنا له فى أواخر الثمانينيات الذى اختفت معه فى ظروف غامضة واحدة من أهم ركائز منظومة العلاقات الدولية كانت تسمى باتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية.. للمرة الأولى منذ العصور الوسطى التى تنهار فيها قوة عظمى دون أن تهزم فى حرب، وبعد أن كانت مساحة الاتحاد السوفيتى أكثر من 22 مليون كيلومترا مربعا أصبح 17 مليونا فقط، وقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتى إلى انتحار56 ألف روسى، وبلغ عدد قتلى المخدرات فى عام ١٩٩٣ وحده نحو 40 ألفا، وحين هاجر الاتحاد السوفيتى إلى المتاحف كان فى شوارع موسكو رائحة هزيمة حادة لا يمكن أن تسلم بها إلى الأبد.. روسيا التى تجيد الانتظار تحت الثلج مصابة بهاجس الحصار، وعلى الدوام البلاد القوية تعرف كيف تصنع الحدث والرجل المناسب لهذا الحدث ومن هنا كان لافتًا أن تستعين روسيا بضابط سابق فى الكى جى بى شهد عن قرب انهيار جدار برلين وبعده انهيار الاتحاد السوفيتى، وكان هو ثمرة قرار اتخذته المؤسسة العسكرية والأمنية لطى صفحة روسيا المستضعفة المنزوعة الأنياب التى عرفها العالم فى عهد سلفه بوريس يلتسين، ليمضى فلاديمير بوتين للأمام بجرحه السوفيتى، ومشروعه للثأر من الغرب، وحلمه باستعادة بعض أملاك الاتحاد السوفيتى المحنطة فى المتاحف، ومن هنا استعادت بلاده بمجرد فوزه فى الانتخابات عددًا من الرموز السوفيتية القديمة مثل العلم ذى اللون الأحمر والنجمة السوفيتية، والنشيد الوطنى بعد تعديله واحتفظ بوتين بقبر لينين وسط موسكو، وشيَّد أكبر مقبرة رئاسية مذهبة تحكى تاريخ روسيا نقل إليها جثمان ستالين، وقام بإنفاق ١٨٩ مليار دولار فى خطة لجعل البحرية الروسية أقوى مما كانت عليه فى عهد الاتحاد السوفيتى.. فلاديميروفيتش بوتين المولود فى ٧ أكتوبر ١٩٥٢ فى ليننجراد، وهو الابن الأصغر بين ثلاثة أطفال لفلاديمير سبيريدونوفيتش بوتين (١٩١١ ــ ١٩٩٩) وماريا إيفانوفنا بوتينا (١٩١١ ــ ١٩٩٨) وكان الجد سبيريدون بوتين الطباخ الشخصى لكل من لينين وستالين، وقبل ولادة بوتين توفى شقيقه «ألبرت» فى سنته الثالثة والشقيق «فيكتور» متأثرًا بالربو، وتوفيت الأم بالسرطان وكانت تعمل خياطة بأحد المصانع بعد إصابة زوجها فى الحرب، وقتلت جدة بوتين من جهة أمه على يد المحتلين الألمان عام ١٩٤١، واختفى أخواله على الجبهة الشرقية خلال الحرب العالمية الثانية، ويذكر عن أم بوتين أنها قد تعرضت للإغماء بسبب الجوع لتظن زميلاتها فى المصنع أنها قد قضت نحبها لتنقل إلى أحد المقابر الجماعية قبل أن ينتبه الموجودون إلى أنها مازالت تتنفس لتنقذ قبل الدفن بدقائق معدودة، وبعد شفائها أنجبت ابنها بوتين وهى فى الأربعين من العمر، وكانت تابعة للكنيسة الروسية الأرثوذكسية، ورغم إلحاد والده لكنه لم يمنع الزوجة من التردد على الكنيسة بانتظام، وعلى الرغم من اضطهاد الحكومة لديانتها قامت بتعميد ابنها بوتين فى طفولته سرًا، وكانت تأخذه للقداس بانتظام، وقد أعطته صليبًا طلبت منه أن يباركه، ليقول بوتين فيما بعد «لقد فعلت ما قالت أمى ولم أخلع الصليب من حول رقبتى أبدًا منذ ذلك الحين».. وكان بوتين قد تزوج من «ليودميلا» الأستاذة الجامعية عام ١٩٨٣ وتصغره بخمس سنوات لتنجب له ابنتين «ماريا» فى عام ١٩٨٥ و«كاترينا» فى ١٩٨٦.. الزوجة التى كتب عنها فى بيان إقرار الذمة المالية للجهات المختصة بأن آخر وظيفة شغلتها كانت منصبًا إداريًا بسيطًا فى شركة تلغراف تحصل على راتب منه قدره ما يوازى ١٩ جنيها استرلينيا فى الأسبوع، وقالت ليودميلا عنه بدورها إنه إنسان منطو ولم يكن يومًا ذا نزعات قيادية، وأنه زوج قاس لكنه أب رقيق، ولم تكن تعرف أنه يعمل ضابطًا فى جهاز أمن الدولة «كى جى بى» إلا بعد مُضى عام ونصف على زواجها وذلك بالصدفة عن طريق زوجة أحد المعارف وليس عن طريقه، وقد تم طلاق بوتين عن ليودميلا عام ٢٠١٣ بعد ثلاثة عقود من الحياة المشتركة ليرتبط اسمه باسم بطلة الجمباز الأولمبية «إلينا كاباييفا» التى قابلها للمرة الأولى عام ٢٠٠١ وكانت إصابة ركبتها سببا فى اعتزالها للرياضة والتفرغ للرئيس الذى تسربت معلومات فى الأسبوع الماضى تفيد بأنه أرسلها مع أبنائها إلى سويسرا لإبعادهم عن مخاطر الحرب التى يخوضها جيشه فى أوكرانيا، ولـ«إلينا» أربعة أطفال: توأم من الإناث يبلغ السابعة، وتوأم من الذكور فى سنته الثالثة، وفى فترة ما فقد ورد فى مسلسل «فاتنات بوتين» اسم مذيعة القناة الأولى بالتليفزيون الروسى «يكاتيرنيا أندرييفا» والصحفية «يلينا تريجوبوفا» التى كتبت فى مذكراتها تفاصيل عملية انجذاب الرئيس إليها، فما كان من رد الفعل الرسمى عليها سوى تسريح كل من «أريتوم ارتيوموف» رئيس التحرير و«جريجورى نخوروتشيف» مدير التحرير فى جريدة موسكوفسكى التى نشرت مذكرات «يلينا» مع غلق ضلف الصحيفة ليعملا فى الهواء الطلق بميدان الإسكان والطوب بعيدًا عن مجالات إعلامية لها قوانينها الخاصة!..
وأما أحدث الشائعات التى تدور حول بوتين فتقول إن هناك أمًا حقيقية له تقيم فى جورجيا وتدعى «فيرا بوتينا» تزعم أنها الوالدة الحقيقية للرئيس الذى يشغل العالم حاليًا وكانت قد تركته لدى والديها فى عام ١٩٦٠ حين كان فى العاشرة وتبنته إحدى الأسر، وشهد جيران «فيرا» بأنهم يتذكرون الولد الذى احتضنته الأم فى إحدى الصور وتضاربت أقوالهم بين كونه طفلا مرحًا أو دائم الصراخ وهى لم تر ابنها منذ عام ٦٠ لكنها تعرفت عليه فى ١٩٩٩ عندما رأته على شاشة التليفزيون!! وهناك شائعة أخرى جاءت فى سطور تحقيق أجرته بروكت ميديا نشر فى نوفمبر ٢٠٢٠ من أن بوتين لديه ابنة تدعى «إليزافيتا» معروفة باسم «لويزا روزوفا» ولدت فى مارس ٢٠٠٣ ووالدتها هى «سفيتلانا كريفونوجيح».
ويطلق الرئيس فلاديمير بوتين نمرًا يدعى «أوستن» فى منطقة متاخمة للحدود الفاصلة بين أقصى شرق روسيا وشمال شرق الصين مما يتسبب فى قتل ١٥ من الماعز، ويمارس بانتظام رياضة الجودو التى أتقنها فى عمر الـ١١ ليصح أول رئيس روسى يحصل على الحزام الأسود عام ٢٠١٢.. ووفقًا للسيرة الذاتية الرسمية لبوتين خلال سقوط جدار برلين الذى بدأ فى ٩ نوفمبر ١٩٨٩ قيامه بحفظ ملفات المركز الثقافى السوفيتى حيث أرسل العديد من وثائق فيلا المخابرات السوفيتية إلى موسكو.. بوتين الغواص إلى مسافة ١٤٠٠ متر تحت سطح بحيرة «ياكال» فى أقصى شمال روسيا أعمق بحيرة فى العالم ليستعرض أمام العالم قدر قوته ونفسه الطويل.. روسيا بوتين ترفع العلم الروسى فوق القطب الشمالى ليغدو جزءا من أراضيها.. الرئيس الروسى الرسام الذى بيعت لوحته بمليون و١٥٣ ألف دولار بألوان الباستيل لمنظر نافذة فى الريف بستارة أوكرانية مطرزة لم تستغرق منه فى رسمها أكثر من خمس عشرة دقيقة.. بوتين الذى لا يصل أبدًا فى موعده حتى أن اليزابيث ملكة انجلترا انتظرته طوال ١٢ دقيقة، واضطر ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس وزوجته صوفيا لانتظاره فى البرد القارس مدة عشرين دقيقة، وقالت زوجته ليودميلا يومًا إنها لم تعد تشكو تأخره بعد أن أصبح أمرًا عاديًا فهو يقف ليصغى للناس دون مقاطعتهم فيضيع الوقت، والمثل الشعبى الروسى يقول: الرؤساء لا يتأخرون، بل يؤخرن.. وبسؤال بوتين ــ الذى أهداه رئيس دولة قيزغيستان أحد جبال بلده ــ عن مقدار ثروته فنفى بقوة ما يُقال من أنها قد بلغت أربعين بليون دولار قائلا: إننى أغنى رجل فى روسيا بثقة الشعب الروسى، وفى اتهام الغرب لموسكو حول استخدامها سلاح الطاقة فى ابتزاز جاراتها قال: لقد اعتبروا يومًا ياسر عرفات إرهابيا، ثم منحوه فى النهاية جائزة نوبل للسلام.. ولقد كان الزعيم الغربى الوحيد الذى أخذه بوتين على محمل الجد هو المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل لكنها بعدما ذهبت، حان الوقت لروسيا للانتقام من الإهانات التى لحقت بها فى التسعينيات، وكان بوتين يبلغ من العمر ٤٧ عاما فقط عندما تولى الرئاسة للمرة الأولى لكنه فى عام ٢٠٢١ أدخل تغييرًا دستوريا يسمح له بشغل المنصب حتى عام ٢٠٣٦ أى السنة التى سيتم فيها عامه الـ٨٤، وربما لا يعتبر بوتين نفسه رأس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، على الرغم من أنه أشار إلى أن حكمه لروسيا مبنى على أساس روحى، كما أنه استخدم الدين لإحكام قبضته على السلطة، وعارض المثلية الجنسية والطلاق باسم الدين.. وعندما اتهمه البعض بأن رسالته لنيل درجة العلوم الاقتصادية والتى كان عنوانها «التخطيط الاستراتيجى للموارد الإقليمية فى ظل تكوين علاقات السوق» قامت على السرقة الأدبية بعد اكتشاف أن ١٥ صفحة منها منسوخة من كتاب مدرس أمريكى كان دفاع بوتين بأنه قد تم الإشارة إلى ذلك المرجع فى الرسالة وأيدت لجنة التحقيق دفاعه.. و..ردًا على ما أسماه بوتين بالتصريحات العدوانية من قِبل الغرب فقد وقع على مشروع قانون يقضى بعقوبات بالسجن تصل إلى ١٥ عاما لمن ينشرون معلومات كاذبة عن الجيش الروسى وعملياته، مما أدى إلى توقف بعض وسائل الإعلام فى روسيا عن تغطية الحرب على أوكرانيا.
والآن فلاديمير بوتين رئيس روسيا الشاسعة وقائد الترسانة الهائلة وحامل سيف الفيتو فى مجلس الأمن والممسك للآن ــ رغم مهاترات الناتو بالاعتماد على الذات ــ بحنفية الغاز التى تقى غالبية أوروبا خطر التجمد فى صقيع الشتاء.. الرجل عارى الصدر الذى يُطلق نموره فى البرارى ويمتطى الدببة الشرسة، ويزعم أنه خائف.. مهندس الروبل الذى شكك البيت الأبيض فى صحته العقلية بعد عامين من العزلة أثناء جائحة كورونا.. من يحاصر ويأتى على الأخضر واليابس ويدعى أنه محاصر.. يزعزع استقرار العالم الأمريكى ويعبِّر عن خوف روسيا على استقرارها.. الكبييييير فى إخفاء النوايا، والأستذة فى علم التضليل، وصاحب سوابق بلا عقاب رغم التدخل العسكرى فى سوريا الذى تقبله أهل المنطقة وسلم به العالم، وحتى موضوع القرم قد نجح فى تمريره بأقل الخسائر الممكنة..
وبالأمس قام باستنساخ طبعة جديدة من حلف وارسو لمواجهة حلف الناتو وفى ذيله بيلاروس وأرمينيا وكازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان.. وردًا على خطوة فنلندا والسويد المتهورة للخروج من حيز الحياد قام قيصر الكرملين بتعزيز منظومة الردع النووى فى بحر البلطيق.. و..إذا ما كان الاستقبال حارًا للآن فى أوروبا تجاه اللاجئين الأوكرانيين فهل تبقى درجة الحرارة تلك حول معدلها أم هى حالة مؤقتة خاصة إذا ما طال أمد الصراع وتأخرت عمليات العودة وتحول اللاجئون إلى طالبى لجوء مستدام يقاسمون أهل البلاد اللقمة الغالية والغاز الذى عليه القولان؟!! و..إلى متى سيصمد زيلينسكى بقميصه الزيتى الذى دفعته الصدفة إلى قصر الرئاسة فى أوكرانيا فأوقع نفسه والعالم فى أكثر الأزمات تعقيدًا بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد لا يكون طريفًا، ولا من باب خفة الظل القول بأنه عندما ظهر أول مطعم لساندويتشات ماكدونالدز فى الاتحاد السوفيتى عام ١٩٩٠ حضر الافتتاح طابور مكون من ثلاثين ألفا.. والآن وبعد ثلاثين سنة تغلق سلسلة مطاعم ماكدونالدز فى روسيا أبوابها استجابة لسياسة المقاطعة والعقاب.. والسؤال فيما إذا كانت هناك نيّة مبيّتة لدى جهة ما فى لزوم العودة لوجبة الكرنب؟!!


الكاتب صلاح منتصر


وداعــا.. صــلاح مـنتصـر
ذلك الفراغ الشاسع الذى أحدثه برحيله مصطحبًا معه أسمى معانى الدماثة والمحبة والود والصداقة والزمالة والشجاعة والاحتواء ونصرة الحق والحكم الصائب والفهم العميق والكلمة العليا والسطور النابضة والأفكار المتوثبة والصحافة الحرة والنقد البناء والتوجه الهادف وحسن الخلق والحس المرهف والسلام مع النفس.. ويااللـه يا مولاى يا خالقى يا معين لقد أصبحت معالم خريطة الحياة من حولى تتلاشى بسرعة فائقة ببحارها وجبالها وغصونها وطيورها وشواطئها وموانيها وعواصمها وشوامخها، وكان ابن منتصر وحده مدينة زاخرة لها تاريخ وحاضر مشرف ومجيد سيظلان محفورين على جدران القلوب، فصبر جميل ودعاء بمغفرة ولا حول ولا قوة إلا باللـه.


لمزيد من مقالات بقلم : سناء البيسى

رابط دائم: