رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فقدان صديق عظيم

إنها أيام حزينة، اشتدت فيها اللوعة عند فقدان الابن والأخ، والآن اكتملت الدائرة بوفاة صديق عظيم: الأستاذ صلاح منتصر. لم يكن الأمر مفاجأة صاعقة هذه المرة تأخذ من الجسد قطعة لا تعود ويتفجر فيها الحزن على شكل حلقات متتابعة، وموجات لا تعرف متى سوف تهجم فى حالة من الألم والدموع الدافقة. لا يوجد أى تحذير بأن المآقى قد فاض بها الدمع، أو أن القلب بات على وشك الانفجار, وإذا كانت كل أمور الإنسان تبدأ من العقل، فما هى الأوامر والإشارات التى جرت حتى وصلت الأمور إلى هذه الدرجة من الألم المعنوى، وتثبيت اللحظة المؤلمة حتى تخال أنك أخذت نصيبك منها فتمر، وتعود الشاشة الإنسانية إلى استئناف حكاية القصة بينما تجلس داخل العائلة الملتاعة، أو المشاركين فى صلاة الجنازة، أو ساعة الدفن المروعة. اكتملت الدائرة بعد جهاد استمر لأكثر من عام، وربما بدأ الألم العظيم عندما ذهب إلى لندن لعلاج حزمة من الوجع، ولكنه عندما عاد يوم استحكمت «الجائحة» على متن آخر طائرة لشركة مصر للطيران تغادر العاصمة البريطانية. هكذا قال لى وهو فى غاية السعادة لكى يعيش لأكثر من عام حتى لقائنا الأخير فى منزل الصديق أيضا المهندس صلاح دياب الذى اختص عددا قليلا من خلصائه بكثير من الكرم. عندما سألته لماذا كتاباتك متقطعة هذه الأيام سكت متنهدا، وانقذتنى زوجته الجليلة منى الطويل من الحرج بأن صحته أحيانا لا تسمح. كنت أعلم دون قصد أننى وطئت مساحة الكتابة لدى من يعتز بها اعتزازا جعلها حياته.

والحقيقة أننى لا أستطيع تذكر متى كان اللقاء الأول مع صديقى، ولا أبالغ أنه كان واحدا من أساتذتى، فهناك بشر تكتشف فجأة أنهم جزء من حياتك، يأتون إليها فى مشاهد حاكمة، أولها جاء تراكميا فى مطعم الأهرام وتعليقات سريعة على ما كتبت كانت وقتها وساما على صدرى. منذ منتصف السبعينيات وفدت إلى الأهرام العريقة طائفة من الشباب جلهم من خريجى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الذين يكتبون بلغة جديدة. لم يكن مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية جديدا، ولكنه بعد حرب أكتوبر وبدء عملية السلام ورحيل الأستاذ هيكل كان مهيأ لنوع جديد من النظر جاء به الأستاذ السيد ياسين ـ رحمه الله ـ ومن أتى بهم إلى المؤسسة العريقة. وقتها عرفنا اهتماما بهذه الطائفة الجديدة من قبل الكتاب الدكتور لويس عوض والدكتور يوسف إدريس والأستاذ لطفى الخولى، ومن الصحفيين سلامة أحمد سلامة، وصلاح منتصر. ومع هذا الأخير كان لابد أن العلاقة توثقت بيننا عندما سألته لماذا تترك الأهرام إلى دار المعارف، وكانت إجابته، وما رأيك؟ وكانت لا لأنه بالنسبة لك فإن الأهرام سوف يخسر خسارة كبيرة. ما حدث فعليا أنه انتقل من الأهرام ولكنه احتفظ بعموده التاريخى.

مشهد آخر اجتمع فيه «الصلاح» دياب ومنتصر فى يوم شتاء مشمس ساطع عرض فيه الأول منصب رئيس مجلس إدارة المصرى اليوم، ولما أجبت مع شرف العرض بأننى لا أستطيع نظرا لارتباطى فى ذلك الوقت مع الاستاذ عماد أديب بإصدار صحيفة «نهضة مصر». ولما لم يكن صلاح دياب ممن يأخذون الاعتذار بسهولة فإن إصراره وضعنى فى حرج بالغ حتى انقذنى صلاح منتصر بأنه ينبغى تفهم دوافعى. ومن يومها استقرت الصداقة حتى كانا معا هما من أخذ بيدى إلى رئاسة مجلس إدارة المصرى اليوم فى ظل ظروف صعبة مرت بالبلاد وبشخصى. الصديق حالة خاصة من العلاقات الإنسانية غير صلة القرابة، ورغم أننا لم نكن أبناء جيل واحد، فإن كلانا كان جزءا عضويا من عصر بدأ مع ثورة يوليو وربما لم ينته مع ثورة يونيو، وخلال عقدين كنت دائما مدينا له بالمساندة المستمرة والمعرفة الدائمة التى لا تنضب. وعندما وصلنى نبأ أن صديقى قد بات فى ذمة الله تحولت اللوعة القائمة إلى كرب عظيم. والكرب نوع من المشاعر الشخصية التى تتولد من تراكم الخطوب والمصائب الجلل الناجمة عن حالات الوفاة والفقدان. هى حالة مؤلمة ألما أكثر من الولع والحزن وما يصاحبه من اعتصار نفسى وعضوى للإنسان الذى ألمت به النوائب.

الآن جاء الوقت الذى أدخل فيه الأهرام فى غير مهمة فكرية، للمرة الثانية بعد وفاة الأستاذ إبراهيم نافع دخلت البهو الواسع لكى تهب نسمة أنك تدخل المؤسسة العريقة. وساعة استقبال أحضان الأستاذين عبدالمحسن سلامة وعلاء ثابت، ومعهم كبار القوم من رجال الصحافة والإعلام، من بعدهم استقبال أجيال جديدة متحمسة لكى تعلم عن الراحل العظيم، تعرف أن التقاليد لا تنقطع. وعندما سألنى زملاء المهنة عن الفقيد كانت إجاباتى أن بصماته فى عالم الصحافة والكتابة والفكر والسياسة لا تنسى، ولكنه بالنسبة لى فقد فقدت صديقا عظيما مستقل الفكر، وشجاعا فى مراجعة أفكاره وحياته الشخصية بقدر شجاعته فى مراجعة التاريخ المصرى. كان الجسد المسجى فى البهو وحوله المحبون من الأسرة، ورابطة الجأش زوجته الفاضلة التى تقاسمت معه الثقافة العميقة، ورحلات لفت حول العالم، تنقل ضوءا ساطعا فى طريقه إلى العالم الآخر. بالنسبة لى كان هناك شعور كبيربالوحدة فلن يكون ناصحا ومساندا مرة أخرى، وألحت على ذهنى ثلاثية نجيب محفوظ وما جاء فيها من مشاعر كمال عبدالجواد الذى فى نهاية «قصر الشوق» وعند علمه بوفاة أخيه فهمى أن عليه الذهاب لشراء رابطة عنق سوداء يحترم فيها بداية الحزن، ولكنه بعد عقدين وفى نهاية «السكرية» وبعد كثير من الحزن بات عليه أن يشترى رابطة عنق سوداء جديدة. يا إلهى كم روابط العنق السوداء سوف تبلى؟ إنا لله وإنا إليه راجعون.


لمزيد من مقالات د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: