رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بيت السنارى

فى ذلك الحى العريق حى السيدة زينب رضى الله عنها وفى قلب القاهرة يقع بيتٌ مملوكى عتيق هو بيت السنارى الذى اتخذه بعض علماء الحملة الفرنسية مقرًا وعاش فيه أيضًا بعض قادتها العسكريين، وقد تم اتفاق منذ سنوات بين المجلس الأعلى للآثار المصرية ومكتبة الإسكندرية لكى يكون ذلك البيت الأثرى فى حيازتها بأجر رمزى سنوى على أن تتولى المكتبة إدارته ثقافيًا واجتماعيًا وفنيًا ليصبح مركز إشعاع فى ذلك الحى الشعبى الذى تفوح منه رائحة التاريخ وتتناثر حوله الآثار الإسلامية والرموز الباقية من عمران الأولين وتراثهم الخالد، ولقد تحول بيت السنارى فى السنوات الأخيرة إلى منارة مضيئة فى وسط ذلك الحى الشعبى المتميز على مقربة من مسجد السيدة زينب الملقبة بالطاهرة وهى من سليلة بيت النبوة رضى الله عنها فهى بحق (أم العواجز) كما يسميها العامة فى مصر، ومازلت أتذكر أن أبناء وبنات ذلك الحى كانت لهم ولهن حظوة فى مجلس الشعب السابق على اعتبار أن رئيسه - أطال الله فى عمره - وهو فقيه قانونى لا يبارى وأعنى به الدكتور أحمد فتحى سرور كان نائبًا عن تلك الدائرة المهمة فتصور كل أبنائها وبناتها أن ذلك يعطيهم ميزة فكنت تراهم متطلعين فى إصرار للعمل فى المجلس النيابى فى تلك الفترة، وما من مرة زرت فيها بيت السنارى - وما أكثر ما فعلت - إلا وشعرت بأجواء تاريخية قاهرية تشعرنى بالدفء الإنسانى والمناخ الشعبى فى بيئة مصرية خالصة وما أكثر الندوات التى حضرتها والاحتفالات الدينية والصوفية التى شهدتها التى قاد معظمها الفنان المتفرد انتصار عبد الفتاح وفرقته للأناشيد الدينية الإسلامية والمسيحية على نحو غير مسبوق، كما أن اللقاءات الفكرية فى صحن تلك الدار التاريخية تعطى إحساسًا أن بصمات الزمن على وجوه كل الحاضرين ثقافة واستنارة وضياءً، فضلاً عن استضافة بيت السنارى عددا من لقاءات الصالون الثقافى العربى الذى أتشرف شخصيًا برئاسته ويضم عددًا من كبار المسئولين العرب وسفراء الدول الشقيقة فى القاهرة يتقدمهم رئيس وزراء مصرى سابق وعدد من المفكرين وكبار المثقفين وقادة الرأى، وقد حرصنا على أن يظل بيت السنارى متاحًا لمن يريد وكثيرًا ما شهدت بعينى رأسى كل ليلة العشرات من الفتيان والفتيات والأطفال يمارسون هواياتهم المختلفة فى ورش الفنون التشكيلية فى إطار أحد المعارض الموسمية المتكررة للرسم والنحت، فضلاً عن تكريم شخصيات تاريخية مثل عبد الرحمن الكواكبى ابن حلب الشهباء الذى مات فى القاهرة فى ظروف غامضة مطلع القرن الماضى لأنه واجه السلطان العثمانى بشجاعة ودافع عن الأمة الإسلامية ضد الاستبداد وطبائعه المقيتة، كذلك احتفى البيت بأسماء عدد كبير من الفنانين المصريين وقدموا أمسيات متخصصة واحتفظوا ببعض آثارهم معروضة فى البيت على الدوام، كما جرى افتتاح منفذٍ بيع لمطبوعات مكتبة الإسكندرية - وما أكثرها وما أعظمها - فى بيت السنارى حتى تكون فى متناول من يسعون إلى الثقافة ويطلبون المعرفة من أبناء القاهرة القديمة بعراقتها وتألقها وأضوائها، أما عن بيت السنارى فى شهر رمضان فحدث ولا حرج فكانت آخر ندواته التى تشرفت بإدارتها هناك فى ذلك الشهر الكريم قد جمعت فى رحاب الدار كل أطياف الحوار السياسى والفكرى فى إطار موضوعى وجاد حول القضايا المصرية والإقليمية والدولية، إنه بيت السنارى الذى يتنافس مع بيوت تاريخية أخرى متناثرة فى الأحياء القاهرية القديمة يعود بعضها إلى العمارة الفاطمية والآخر إلى العمران المملوكى، بينما تنسب مجموعة أخرى إلى القاهرة الخديوية بكل حداثتها ورونقها.. إن مكتبة الإسكندرية وهى حامية التراث وراعية الإبداع والثقافة وحافظة الهوية المصرية تسجل دائمًا على نفسها دورها الفكرى والتثقيفى والترفيهى فى كل الأوقات، لأنها صاحبة رسالة حضارية تطل بإشعاعها على المتوسط وتنشر ضياءها فى ربوع الدلتا والوادى وتبعث برسائل الاستنارة فى كل اتجاه من عالمنا المعاصر، إن بيت السنارى يقف إلى جانب بيوت أخرى تحول معظمها إلى مراكز تثقيف وتوعية نذكر منهما فى هذا السياق بيت السحيمى وقصر الأمير طاز وبيت يكن فى الدرب الأحمر، فضلاً عن قصر المانسترلى الذى أصبح مركزًا للفنون والموسيقى فوق مقياس النيل شاهد العصور وربيب النهر الخالد، وأنا شخصيًا من دعاة استثمار المواقع الأثرية القديمة لكى تكون منارات ثقافية يجرى توظيفها لدى الأجيال الجديدة بحيث تمثل لهم ارتباطًا بين الماضى والحاضر، بين الأصالة والحداثة، بين القدم والمعاصرة، وعلى ذلك الدرب يمضى بيت السنارى مواصلاً رسالته محلقًا فى آفاق المعرفة وسماوات الفكر وأجواء الثقافة.


لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى

رابط دائم: