رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أوكرانيا ما بين الدمار وإعادة البناء

لا شك أن زلزال الرئيس بوتين قد هز أركان العالم، واستطاع آخر القياصرة أن يدخل مغامرة تاريخية من الصعب تحديد نهايتها.. فمازال المسرح مليئا بالأحداث والشخصيات ولا يستطيع أحد مهما اتسع خياله أن يتنبأ بآخر فصول الرواية..

ــ فى الأسابيع الماضية حاولت أن أقرأ ما جرى من الأحداث رغم الغموض الشديد الذى أحاط بها.. خاصة أن المقاومة الأوكرانية غيرت حسابات كثيرة وتداخلت أطراف اللعبة ما بين المعارك ومفاوضات السلام، رغم أنها لم تصل إلى نتيجة أمام حالة انقسام حادة ما بين جميع الأطراف.. ولا شك أن هناك بعض الحقائق التى يمكن أن نتوقف عندها..

ــــ أولا: لا شك أن الرئيس بوتين قد غير ثوابت السياسة العالمية واستطاع أن يعيد صورة قديمة للاتحاد السوفيتي، ظن البعض أنها اختفت.. ولكن بوتين أعادها للمشهد العالمى بقوة لكى يؤكد أنه شريك فاعل فى مجرى الأحداث العالمية وأن أسطورة النفوذ والسيطرة للقرار الأمريكى قد تغيرت قواعدها وأن أمريكا لم تعد صاحبة الكلمة الأولى فى إدارة شئون العالم..

ــــ ثانيا: إن الرئيس بوتين نجح فى تقسيم العالم إلى قوى جديدة، فلم تعد أوروبا القوة الموحدة.. وأصبحت الصين منافسا قويا فى إدارة شئون العالم وأصبح العالم مقسما ما بين أربع جبهات هى أمريكا والصين وروسيا وأوروبا.. وأن هذا يعنى أن بوتين نجح فى إعادة قدر من التوازن للقوى الأساسية فى العالم..

ــــ ثالثا: إن أوكرانيا لم تكن السبب الوحيد فى الأزمة ولكن الهدف كان رسالة واضحة لأمريكا والاتحاد الأوروبى وأن أوكرانيا دفعت ثمن ولائها للغرب.. حتى لو كان ذلك سببا فى تشويه صورة بوتين أمام العالم بسبب نتائج الحرب التى دمرت كل شيء.. كما أنها كشفت موقف الرئيس الأوكرانى وعلاقته بأمريكا وأوروبا رغم أنهم خذلوه..

ــــ رابعا: كان اجتياح القوات الروسية لأوكرانيا فرصة تاريخية لاستخدام آخر ما وصلت إليه الترسانة العسكرية الروسية وإنتاج أنواع جديدة من السلاح خاصة الصواريخ والطائرات.. وبذلك عاد سباق التسلح وربما سبقت روسيا أوكرانيا فى هذا السباق.. ولكن المؤكد أن بوتين فاجأ العالم بأنواع جديدة من الأسلحة الأسرع من الصوت والدبابات الحديثة.. وكانت هذه أهم رسالة لأمريكا وأوروبا وأسواق السلاح فى الدول المختلفة..

ــــ خامسا: قد تكون الحرب فى أوكرانيا أولى معارك الاقتصاد العالمي.. وقد استخدمت فيها كل الوسائل فى التكنولوجيا فى البنوك والتحويلات والعملات والأرصدة والذهب وأول مواجهة بين الروبل والدولار فى معركة لم تحدث من قبل.. وكانت معركة البترول والغاز من أخطر هذه المواجهة، خاصة أن أمريكا وأوروبا اكتشفوا خطأهم التاريخى فى الاعتماد الكامل على البترول والغاز الروسى والقمح الأوكراني.. وقد اهتزت أركان الاقتصاد العالمى أمام أسعار البترول والغاز والسلع الغذائية.. وكان ذلك من أهم آثار الحرب الروسية الأوكرانية..

ــــ سادسا: هناك جانب أخلاقى فى هذه الحرب رغم كل المساعدات العسكرية والاقتصادية التى قدمتها أمريكا والاتحاد الأوروبى لأوكرانيا.. إلا أنها افتقدت الجانب الأخلاقى حين تخلى الجميع عن أوكرانيا وتركوها تقع فريسة للدب الروسى رغم كل الوعود السابقة.. وكانت النتيجة حتى الآن عشرة ملايين إنسان هجروا بلادهم فى أكبر هجرة جماعية شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.. ولا شك أن ذلك سوف يترك آثارا سيئة فى الأجيال الجديدة التى عاشت هذه المأساة..

ــ سابعا: تأتى نقطة أخيرة أن الرئيس بوتين وضع أمريكا والاتحاد الأوروبى أمام تحديات ضخمة فى سلطة القرار حين تكون الأحداث أكبر من أصحاب القرار أمام ضرورات العمر والخبرة والإمكانات.. وقد ظهر ذلك فى ردود الأفعال تجاه أحداث ضخمة كانت تتطلب سلطات أكثر حسما أمام رئيس لا أحد يعرف إلى أين يمضى وما هى آخر الحكاية..

ــــ نحن الآن أمام رواية لم تكتمل ولم تحدد نهايتها وما هى آخر أحلام بطلها.. وربما كان السبب فى ذلك أننا أمام رجل اتسمت حياته بالغموض واكتشف العالم حجم قدرات وإمكانات روسيا وكيف تقدمت كل وسائل الإنتاج فيها.. نحن أمام قدرات مذهلة فى الصناعة والزراعة ورصيد الأموال والدخل والذهب والأرصدة المالية.. وأمام مجتمع تقدم فى مجالات التكنولوجيا الحديثة فى السلاح والصناعات الثقيلة.. إن المفاجأة لم تكن فى بوتين صاحب القرار ولكن فى قدرات الدولة التى حققت انجازات غير مسبوقة.. ولهذا فإن العقوبات التى فرضتها أمريكا وأوروبا على روسيا لم تحقق أهدافها بل إن دولا أوروبية رفضت تنفيذها خاصة بالنسبة للغاز والبترول حتى عندما فرض استخدام الروبل فى بيع الغاز والبترول..

ــــ وعلى العالم الآن أن يودع كل أفكاره القديمة فقد انتهت الحرب الباردة لتحل مكانها حروب الاقتصاد وربما سقط الدولار عن عرشه وتراجع دوره فى سوق العملات.. وانتهت أسطورة العولمة وانتهاك الثقافات وإهدار ثوابت الشعوب.. ويجد العالم أمامه رئيسا يطالب باحترام ثقافات الآخرين وأديانهم ويدافع عن حق كل إنسان فى أن يختار عقيدته ووطنه.. لا أحد يدرى ماذا سيقال الآن عن قضايا حقوق الإنسان والعدالة والكرامة الإنسانية بعد أن سقطت كل الشعارات ما بين اشتراكى ورأسمالي.. وأين أفكار ماركس وستالين ولينين وأين الرأسمالية التى توحشت وأصبحت الشعوب تأكل بعضها والحكومات عاجزة عن أن تطلب من شركاتها أن تخفض أرباحها ولا أحد يسمعها؟..

ــــ لقد فاجأ الرئيس بوتين العالم فى خطابه الأخير حين شن هجوما شرسا على أمريكا والاتحاد الأوروبى وحلف شمال الأطلسى ولم ينس الدول العربية فى هذا الهجوم.. وقال بوتين إن الجميع يعلم أن روسيا دولة كبرى من زمن بعيد، وأن الاستخفاف بها أو تهميش دورها أمر مرفوض وإن أمريكا استغلت جيران روسيا من حلف وارسو لتهديد أمنها.. وإن رئيس أوكرانيا قد وقع فى خطأ كبير حين صدق أمريكا وتصور أنها سوف تحارب روسيا معه وقد تخلت عنه وتركته يحارب وحده وهذا ما فعله حلف شمال الأطلسى حين تخلى عن أوكرانيا.. كان خطاب بوتين الأخير توضيحا كاملا لما يراه فى الساحة الدولية خاصة حديثه عن الدول العربية.. كانت مفاجأة بوتين الكبرى اعترافه بالقدس عاصمة أبدية لدولة فلسطين وبذلك تكون روسيا أول دولة فى العالم تعترف بالقدس عاصمة لفلسطين..

ــــ إن العالم يتشكل من جديد وكل ما كان من الأفكار والنظريات والشعارات أصبح الآن فى ذمة التاريخ.. سوف تقال أشياء كثيرة عن مغامرة بوتين وعجز بايدن وضحايا أوكرانيا وعالم جديد يطل من بعيد.. لا أحد حتى الآن يرى ملامحه ورموزه وأبطاله.. وهل هناك ما وراء هذا السر الغامض.. كان العالم يحتاج إلى زلزال يهز أركانه وقد فعلها بوتين ولكن إلى أين يبقى هذا السؤال الحائر..

ــــ يبقى بعد ذلك سؤال آخر من يا ترى سوف يعيد بناء وطن دمرته الحرب ومن يدفع فاتورة دمار أوكرانيا وهل سيعود الهاربون من الموت إلى بلادهم مرة أخري؟.. وما هو مستقبل أوكرانيا التى تهدمت مبانيها وهاجر شعبها وانقسمت إلى دويلات هل تفعل ذلك روسيا بدافع إنسانى وأخلاقى كما أعادت بناء الشيشان التى دمرتها.. أم أن مسئولية بناء أوكرانيا سوف تتحملها أمريكا والاتحاد الأوروبي.. وقد فعلت أمريكا ذلك فى مشروع مارشال الذى أعاد بناء أوروبا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية.. يبقى السؤال بلا إجابة خاصة أن العالم يعيش حالة من الغموض والفوضى لا أحد يعرف نهايتها فمازالت الكلمة للموت والسلاح والدمار..

 

..ويبقى الشعر

 

لا تـَذكـُرى الأمْسَ إنـّى عِشْتُ أخفِيه

إنْ يَغفِر القـَلـْبُ.. جُرحِى مَنْ يُدَاويـــــهِ؟

قـَلـْبـِى وعينـَاكِ والأيَّامُ بَينـَهُمــــــــــَا

دَربٌ طويلٌ تعبْنـَا مِـــــــنَ مَآسِيــــــــهِ

إنْ يَخفِق القـَلبُ كـَيْفَ العُمْرُ نـُرجعُـهُ؟

كـُلُّ الـَّذى مَاتَ فينـَا.. كـَيْفَ نـُحْييــــــهِ؟

الشَّوقُ دَرْبٌ طويلٌ عشْتُ أسْـلـُكــُهُ

ثـُمَّ انـْتـَهَى الدَّربُ وارْتـَاحَتْ أغـَانِيـــــه

جئـْنـَا إلَى الدَّرْبِ والأفـْرَاحُ تـَحْمِلـُنـَا

واليَوْمَ عُدْنـَا بنـَهر الدَّمْـــــــع ِ نـَرْثـِيـــــه

مَازلتُ أعْرفُ أنَّ الشَّوْقَ مَعْصِيـتـي

وَالعشْقُ واللــّــه ذنــْبٌ لـَـسـْتُ أخـْفـــِيـــه

قـَلـْبـِى الـَّذِى لـَمْ يَزَلْ طِفـْلا ً يُعَاتبُـنـي

كـَيْفَ انـْقـَضَى الـعِيدُ.. وانـْفـَضَّتْ لـَيَالِيهِ؟

يَا فـَرْحة ً لـَمْ تـَزَلْ كالطـَّيفِ تـُسْكرنِي

كـَيـْفَ انـْتـَهَى الحُلمُ بالأحْزَان ِ والتـِّيـــــهِ؟

حَتـَّى إذا ما انـْقـَضَى كالعِيدِ سَامرُنـَا

عُدْنـَا إلـَى الحُزْن ِ يُدْمينـَا.. ونـُدْمِيهِ

         ***

مَا زَالَ ثـَوْبُ المُنـَى بـِالضَّوْءِ يَخْدَعُنِـي

قـَدْ يُصْبحُ الكـَهْـلُ طِفـْلا ً فِى أمَانِيــــــهِ

أشـْتـَاقُ فِى اللـَّيل ِ عطـْرًا مِنـْـكِ يَبْعَثـُنِى

ولـْتـَسْألِى العِـطـْرَ كـَيْفَ البُعْد يُشـْقِيــــهِ؟

ولتسْألِى اللـَّيْـلَ هَلْ نـَامَتْ جَوانِحُـــــــهُ؟

مَا عَادَ يَغـْفـُو وَدَمْعِــــــى فِى مآقِيــــــــهِ

يَا فـَارسَ العِشْق ِ هَلْ فِى الحُبِّ مَغـْفـِرَة ٌ

حَطـَّمتَ صَرْحَ الهَوَى والآنَ تـَبْكِيـــــــهِ

الحُبُّ كالعُمْر يَسْرى فِى جَوانِحِنـــــــــَا

حَتـَّى إذَا مَا مَضَي.. لا شَـيْءَ يُبْقِــيــــهِ

عاتـَبْتُ قـَلـْبـِى كـَثيرًا كـَيْفَ تـَذكـُرهَـــا

وعُمْرُكَ الغَضُّ بيْنَ اليَأس ِ تـُلـْقـــــِيـــــهِ؟

فِى كـُلِّ يَوْم ٍ تـُعيدُ الأمْسَ فى مـــــــلـَل ِ

قـَدْ يَبْرأ الجُرْحُ.. والتذكــارُ يـُحْييـــــــهِ

إنْ تـُرجعِى العُمْرَ هَذا القـَلـْبُ أعْرفـــُهُ

مَازلتِ والله نبْضـًا حائـِرًا فيـــــــــــــهِ

أشْتاقُ ذنـْبى ففِى عَيْنيكِ مَغـْفِرتِـــــــــى

يَا ذنـْبَ عُمْري.. ويَا أنـْقـَى ليَــــاليـــــهِ

مَاذا يُفيدُ الأسَى أدْمَنـْتُ مَعْصِيَتِــــــــي

لا الصَّفـْحُ يُجْدِي.. وَلا الغـُفـْرَانُ أبْغِيهِ

إنـِّى أرَى العُمْرَ فى عَيْنـَيـكِ مَغـْفـــــِرَة ً

قـَدْ ضَلَّ قلـْبـِى فـَقـُولِي.. كـَيْفَ أهْدِيهِ؟!

-------------------------------------

قصيدة  (لأن الشوق معصيتى ) سنة 1989

[email protected]
لمزيد من مقالات هوامش حرة يكتبها ــ فاروق جويدة

رابط دائم: