رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المرأة المصرية «وزيرة» اقتصاد حياتنا اليومية

لا نتذكر فى يوم المرأة المصرية دورها الوطنى فقط، ومشاركتها فى التصدى للاحتلال وارتقاء شهيدات، فدور المرأة المصرية واسع وراسخ منذ القدم، فمنذ أجدادنا القدماء كان للمرأة المصرية مكانة لم تبلغها أى نساء فى الأرض قبلها، فكانت الملكة والشريكة فى كل شيء، تلقى الاحترام والتقدير، ولهذا تملأ تماثيلها وصورها ومومياواتها المعابد والمتاحف، وتشدو بها البرديات والكتابات المحفورة على آثارنا العتيقة.

ويحين يوم المرأة المصرية هذا العام، والعالم يمر بأزمة جديدة، بلغ تأثيرها كل الاقتصاد العالمي، فالصراع الدائر فى أوكرانيا، اندلع ونحن لم نكد نتعافى من جائحة كورونا، فازداد إحساسنا بعمق الأزمة، التى كنا نأمل فى تجاوزها سريعا، وتعويض ما فات، ونواصل جهود التنمية، ومع الأزمات تكون المرأة المصرية فى قلب الأحداث، فهى أول من يشمر عن ساعديه ويواجه آثار كل أزمة اقتصادية، أو ندرة فى بعض السلع، فهى مديرة الاقتصاد المنزلي، بل اقتصاد الحياة اليومية المصرية بكل تفاصيلها، والقادرة دوما على تخفيف آثار أى أزمة، وتعرف كيف تدبر الأمور مهما كانت الظروف، وقد منحها الله من الحكمة والدأب ما يجعلها تدير أمور الحياة فى أشد الظروف تعقيدا.

وزاد المرأة المصرية إرثها الحضارى الممتد عبر عشرات القرون قوة وقدرة ومكانة وثقة فى النفس، فكانت المرأة فى الريف تشارك فى كل أعمال الحقل الشاقة جنبا إلى جنب مع زوجها، تزرع وتحصد وتربى الماشية بلا ملل ولا كلل، وتحلب الألبان لتصنع منها الجبن والزبد، وتملأ البيت بالخيرات، وتدخر الكثير من أنواع الثمار والخضراوات، وتجفف الملوخية والبازلاء وحتى الثوم والبصل وتصنع المربات والمخللات، وتعرف متى وكيف تصنع بيديها معظم احتياجات البيت، وعند الوفرة تدخر لوقت الحاجة، ولا تهدر شيئا من الخضار أو الخبز أو الزائد من الثمار، فلكل شيء طريقة لكى تجعل منه الزاد الذى لا ينقطع، فما تبقى من الخبز تجفف السليم منه، وتعرف كيف تحفظه من أى عفن، حتى بدون ثلاجات، وما تمزق منه كانت تحوله إلى علف للماشية والطيور، وكذلك بواقى الطعام والخضار والفواكه.

وتعرف المرأة المصرية ما يدور فى الأسواق، وأسعار كل سلعة، وأى البائعين يغش وأيهم سلعته ليست بالمواصفات المطلوبة، ولا أدرى كيف تتمكن من معرفة كل ذلك، وأتذكر وأنا طفل فى المرحلة الابتدائية أن طلبت منى أمى أن أشترى كيلو من البقول، وطلبت منى بحزم أن أشتريه من البقال فلان، وعندما خرجت إلى وجهة الدكان الذى طلبت منى الشراء منه، وجدت دكانا آخر يبيع نفس النوع من البقول، وقلت إن كل البقول متشابهة، ولا فرق بين ما عند هذا أو ذاك، فقررت الشراء من الدكان القريب، وأخذت أتمشى بهدوء حتى لا تشك أننى لم أنفذ ما قالته، وبعد أن دخلت وجدتها تتفحص الكيس، ثم قالت: هذا ليس من البقال الذى قلت لك عليه، فارتبكت ولم أنطق، وأنا مذهول من قدرتها على اكتشاف ذلك بهذه السرعة، فوجدتها غيرت ملابسها، وأخذتنى من يدى ومعها الكيس، وذهبت لمحل البقالة الذى اشتريت منه، وطلبت منه استرجاع المال وإعادة ما اشتريته، ولم ينطق البائع، وامتثل لها بدون كلمة، ثم ذهبت معى واشترينا من الدكان الذى كانت قد طلبت منى الشراء منه، وقالت لى ليس كل البقالين سواء، فهناك من يأتى ببضاعة جيدة، ومن يبيع الفاسدة أو قليلة الجودة، وعندما أقول لك أن تشترى من فلان فلتسمع الكلام، وكان من الدروس التى عرفت منها أن السلع وإن تشابهت فهى ليست متماثلة فى جودتها، وأن المرأة المصرية لديها من الخبرة ما يجعلها تعرف السلعة الجيدة بمجرد نظرة أو من الرائحة، أو شىء آخر لا أعرفه.


وإذا قيل إن الظروف تغيرت، وإن الحياة اليومية ازدادت تعقيدا، فهذا لا يعيق قدرات المرأة المصرية على الإدارة المبتكرة لاقتصاد الأسرة وحياتنا اليومية، فالجينات المصرية تحمل خبرات طويلة، وورثتها عبر الأجيال، وشحذها العلم والمعرفة، وهناك تجارب رائعة لنساء مصريات مازلن يدرن اقتصاد المنزل بكل تدبير وبراعة، وأضفن إلى الخبرات ما تحتويه منصات التواصل الاجتماعى بما يفيد، مثل طرق التخزين، وأماكن الشراء المناسبة، وأسعار السلع، وأعرف مجموعة من النساء العاملات اتفقن مع إحدى جيرانهن، التى لا تعمل، على توليها إعداد وجبات ساخنة بما يتفقن عليه من أنواع الطعام، بما يوفر الوقت والجهد فى الشراء والإعداد والطبخ، مقابل ربح قليل لتلك الجارة، التى تتفنن فى إعداد أشهى الأطباق، وكلهن راضيات ويدفعن القليل مقارنة بالمطاعم، وهناك من يتفقن مع البائعات على غسل وتقطيع الخضراوات، والشراء من بائعات فقيرات يأتين من قرى مجاورة، ويثقن فى نظافتهن وجودة ما يأتين به، وسعر أقل من الشراء من الأسواق الكبيرة.

لكن هناك ظاهرة أتمنى من المرأة المصرية أن تقضى عليها، لأن ذلك فى مصلحتنا جميعا، فعندما يعلم البعض أن سلعة سوف يرتفع سعرها، نجد أن الخبر قد شاع، ويحدث هجوم شديد على ما توفر من السلعة لشرائه وتخزينه، فتختفى السلعة من الأسواق، ويفتح الباب أمام السوق السوداء، ليتضاعف سعر السلعة أضعافا مضاعفة، ويذهب الربح إلى فئة صغيرة جشعة، تستغل أى فرصة لتربح الكثير، أما إذا توقفنا عن الشراء المفرط من أجل التخزين، فالسلعة لن تختفي، والسعر قد يزداد قليلا، وهذا أفضل من الشراء الزائد الذى يضاعف السعر مرات كثيرة، والوعى بهذا السلوك سيحد من أى أزمة، ويخفف من حدتها، لأن السلوك الخاطئ بالشراء من أجل التخزين يمكن أن يوفر القليل، لكنه يسبب أزمة كبيرة، ويهيئ الفرصة لاستغلال تجار السوق السوداء، ولهذا أناشد نساء مصر الواعيات أن يتنبهن لهذا السلوك، وأن يشاركن فى التوعية من خطورته على الجميع، وأن يبلغن عن أى تاجر يستغل أزمة، ويبيع السلع بأكثر من ثمنها، وأن يساعدن أجهزة الدولة فى الإيقاع بهذه الفئة من تجار الأزمات، وأن يواصلن دورهن الواعى فى الاستهلاك المنضبط، والتقليل من الهدر، فهن الأوعى والأقدر على جعلنا نتخطى أى أزمة بسهولة، وأن يجعلن حياتنا هادئة وطيبة وجميلة، وكل عيد وكل نساء مصر بخير.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثــابت

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث: