رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحوار الدينى بين بث الفرقة والتآلف والتسامح

بين الحين والآخر تحدث بعض الفرقعات الإعلامية، وأكثرها خطورة تلك المتعلقة بالجدل حول المعتقدات الدينية، وما يتضمنه بعضها من مسائل لا يمكن إثباتها بالعقل أو بالتجارب العلمية، فهناك معتقدات عن الحساب والعقاب، وعذاب القبر، والجنة والنار، وماهية الجنة وما فيها من النعيم الذى يكافئ به الله المؤمنين، وكذلك قصة الخلق التى وردت فى الأديان السماوية، وقد نوقشت هذه القضايا طوال قرون، وقادت إلى جدل وخلافات بين الناس، سواء كانوا من الفقهاء أو من ليس لهم علاقة بدراسة الأديان، ويسعون إلى مناقشتها بأدوات العلوم الحديثة المتاحة والمتغيرة من زمن إلى آخر، ولكثرة ما قرأت وسمعت وناقشت المهتمين بهذه المسائل التى تدخل فى صميم العقيدة، فقد توصلت إلى أن تلك المناقشات لا يمكن أن تصل إلى شيء، وأن إعادة طرحها بين وقت وآخر لا تؤدى إلا لإثارة الضغائن، وإحداث الانقسام، ويمكن أن تؤدى إلى الفتن، ولن نعدم أن يخرج علينا من يصف فريقا ينكر ما هو مستقر فى العقيدة والوجدان بالكفر، ويدعو إلى محاكمتهم، ويمكن أن يصل الأمر إلى حوادث قتل.

فى أحد هذه النقاشات حول واقعة الإسراء والمعراج، تحدث أحد الأصدقاء حول طبيعة الزمن، وكيف أن العالم الشهير ألبرت أينشتاين أثبت أن الزمن نسبى، وأنه يختلف حسب المكان والسرعة، وإن كنت قد انبهرت بما قاله من أسانيد حول علمية رحلتى الإسراء والمعراج، إلا أننى فضلت عدم الخوض فى تلك المسائل، التى لا يمكن أن نصل إلى رأى قاطع بالتجربة العلمية لها، فهناك مسائل إما أن تعتقد بها أو لا تعتقد، وفقا لإيمانك أو عقيدتك، فمن له ديانة مختلفة فسيكون له رأى مختلف نابع من عقيدته، والعالم فيه الكثير من الديانات والمعتقدات سواء دينية أو غير دينية، ومن الصعب تغيير ما يتعلق بالأمور الغيبية من خلال مناقشات توصف بالعلمية، فالإيمان والإلحاد موجودان منذ أزمنة طويلة، والأديان متعددة، والاختلافات قائمة.

ودائما أجد الحل فى قوله تعالى «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة»، لكن الله تعالى أراد ألا يسلب الناس حريتهم فى الاختيار، وأن يجعل منهم نمطا واحدا، ونسخا متماثلة فى الرأى والعقيدة والعرق واللون، إنما جعلنا الله شعوبا وقبائل لنتعارف، وندرك ما بيننا من فروق، لكنه جعل من المعاملة المعيار الأهم فى الدين، فعلى كل إنسان أن يعتقد ما يراه، لكن المهم ألا يتعالى على غيره، أو يحقر منهم، أو يسلبهم حقوقهم بادعاء أنه الأصح فى المعتقد، وإلا رأت كل ديانة أو مذهب أو فرقة أن تحكم على مخالفيها بالقتل أو الاستعباد أو تسلبهم حقوقهم، ولهذا علينا اتباع قاعدة «ما لا ترضاه لنفسك لا ينبغى أن ترضاه لغيرك»، ولنترك لله أن يحاسب على المعتقد، أما نحن فعلينا أن نحكم على الناس بالمعاملة، فمن يحسن المعاملة هو الإنسان الأرقى، ومن يسئ معاملة الآخرين فهو الأدنى والمتخلف.

أتذكر تلك المناقشات التى أجريتها فى الدنمارك حول الصور المسيئة للرسول الكريم، وكانت الزيارة إلى كوبنهاجن عام 2008 بمبادرة من نقابة الصحفيين التى كنت أشرف بعضوية مجلسها، وأشرف على لجنتها الثقافية، وأجرينا اتصالات بالدنمارك لمناقشة حدود الحرية ومسئوليتها، والفائدة التى يمكن أن يجنيها من يسيء إلى معتقدات الآخرين، وكانت المناقشة ثرية، واتفقنا خلالها على أهمية الاحترام المتبادل للمعتقدات الدينية، وأنه ليس من حق شخص أن يتعالى على الآخرين بمعتقداته، وأن يراهم أدنى منه أو أقل تحضرا، وإلا كان من حق الآخرين أن يروا أنه عنصرى مغرور، ويفرض ما يعتقده على الآخرين، وأن من يسلك هذا السبيل لا يختلف عن أولئك التكفيريين، الذين يلجأون إلى العنف والإرهاب، فالنيل من مقدسات الآخرين نوع من العنف والإرهاب الفكرى باسم الحرية، وعلينا أن نرى النتائج التى أسفر عنها نشر تلك الرسوم المسيئة، فهل جاءت بالنفع على الناس، أو ارتقت بمشاعرهم، أو كرست التسامح والسلام بين الناس؟ أم أنها أدت إلى العكس، وغرست أجواء من الضغائن والأحقاد والكراهية، ولا يمكن أن تؤدى لأى فائدة، وكانت هذه المناقشات مؤثرة جدا على مواقف الصحفيين والرسامين والكتاب الذين شاركوا فى النقاش بالرأى أو الاستماع، وجنت فائدة أكبر بكثير من أن ننظم حملة مضادة، وأن نكيل لهم السباب، وأن نبادلهم السخرية والإساءة من معتقداتهم، وكانت النتيجة أن سمحت السلطات الدنماركية بإنشاء مسجد ومئذنة، بعد أن كانت المآذن ممنوعة، لأنها كانت تعتبرها تمييزا دينيا، لكننا قلنا إن التمايز يجب أن يكون مقبولا، مادام قد جرى فى جو من التفاهم والتسامح وقبول الآخر، وعدم التمييز على أساس المعتقد.


أتذكر هذه المناقشات بمناسبة إطلاق موجة جديدة من الإثارة فى قضايا شبعت بحثا وجدلا، ولم تسفر عن شيء إلا المزيد من التعصب والانقسام والضغائن، وأعتقد أن من يروج لبرنامج أو صحيفة أو موقع إلكترونى بمثل الخوض فى هذه المسائل يسيء إلى نفسه، ولا يحترم الآخرين، ولا حرية الاعتقاد التى يدعيها، فهو يتعالى على الناس، معتقدا أنه أكثر منهم علما، وفى الحقيقة فإنه يغذى التعصب والانغلاق.

علينا أن نتعلم أن هناك مقدسات فى الأديان لا ينبغى جعلها مادة للمهاترات أو استخدامها فى الترويج وإثارة الضجة بحثا عن الشهرة، فبئس الشهرة التى تؤدى إلى بث الأحقاد والضغائن، وأفضلها تلك التى تنشر التآخى والمحبة والتسامح والمعاملة الطيبة، ولهذا عندما كتبت حلقات دينية للتليفزيون المصرى مطلع التسعينيات، كنت أتطرق إلى ما تتفق عليه الديانات السماوية، وأتناولها بما يجمع بين الناس، ورأيت أن المشتركات واسعة، وأن جوهر الأديان رحب جدا، ومن السهل جمع القلوب لو توافرت الإرادة، وعمل كل منا فيما يفيد ويؤلف بين القلوب، ويبتعد عما يثير الضغينة والتفرق، وهنا أجد أن الأزهر يمكن أن يفعل الكثير، وأن ينبه إلى التركيز فى المناهج على ما يفيد ويجمع الأمة، ويكرس مكارم الأخلاق، وأن الدين المعاملة، ونحن بحاجة ماسة إلى ما يؤلف بين القلوب، ويبعدنا عن شرور الفتن والأحقاد، فبمثل هذا تنجو أمتنا من حرائق الفتنة والتناحر، وتعمل على البناء والتقدم.

 

التجربة الأردنية .. شفافية تعزز الاستقرار والتنمية

حسنا فعل الديوان الملكى الأردنى، بإصداره هذا البيان الذى يعد خطوة شجاعة، تنم عن قدر كبير من الإخلاص للشعب وللوطن على حد سواء، ليؤكد بما لا يدع مجالا لشك، أن المعلومات التى جرى تداولها خلال الأيام الأخيرة، عبر عدد من المواقع الإلكترونية، وتتحدث عن ثروات الملك عبدالله وأسرته، خاطئة ومضللة، ولا تخلو من نوايا سيئة.

والمؤكد أن الهدف الرئيسى من البيان لم يكن فقط الرد على مصادر تلك الشائعات، بقدر ما عكس تلك الصورة الواقعية، من النزاهة والشفافية فى المملكة، وهو النهج الذى طالما حافظ عليه جلالة الملك عبد الله، والملكة رانيا العبد الله، التى تتمتع بشعبية كبيرة بين الشعب الأردنى أطفالا ونساء ورجالا، حتى تحولت الأسرة إلى جزء أصيل من لحمة ونسيج شعب الأردن، بجميع فئاته وطوائفه.

لم يكتف الديوان الملكى بإصدار بيانه الشفاف والواضح والجريء، بل إن البنك الذى نسبت إليه تلك المعلومات المضللة، أصدر هو الآخر بيانا، أكد فيه بكل الدلائل، أن المعلومات التى تم نشرها خلال الأيام الماضية، كانت انتقائية وغير دقيقة، بل ومقتطعة من سياقها، لحاجة فى نفس هؤلاء المضللين، الذين تعددت مصادرهم ومشاربهم، بل وأهدافهم التى تستهدف فى حقيقة الأمر، واقع المشهد الأردنى المشرف على جميع الأصعدة داخليا وخارجيا، إذ لا يخفى على أحد ما تلعبه المملكة الأردنية من أدوار مهمة، فى العديد من القضايا التى تمس منطقة الشرق الأوسط، وتبدو خلال هذا الدور أقرب ما تكون الى رمانة ميزان، ونقطة متزنة فى ظل أجواء مشحونة بالصدامات والصراعات من حولها، أثرت بتداعياتها كثيرا على مسارات استقرار العديد من بلدان المنطقة، وحجمت من فرص التنمية فيها.

حتى مع صعود موجات الإرهاب من جهات عدة، كانت الأردن من أولى الدول التى تماسكت، وحافظت على أمنها واستقرارها، وسط كل هذه التلاطمات، على الرغم من مجاورتها لمناطق صراع مشتعلة طول الوقت، مثل سوريا وفلسطين والعراق ولبنان، بل وفوق ذلك استقبلت المملكة مئات اللاجئين، وواصلت لعب دورها البارز فى محيطها الاقليمى والدولى.

لم يكن غريبا أن تنطلق مثل هذه الحملات المغرضة، ضد قيادة المملكة الأردنية، والمؤكد أنها صدرت من جهات تشعر بغصة شديدة، جراء هذا الاستقرار الكبير الذى تعيشه المملكة، بينما هذه الجهات تتمنى لها الخراب وإثارة القلاقل، من أجل زعزعة أمنها واستقرارها الراسخين.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: