رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حين تغير الإنسان اختلت موازين الحياة

تغير الإنسان فلم تعد الحياة كما كانت ولم يعد الإنسان هو نفس الإنسان أخلاقا وسلوكا وتدينا وضميرا، هذه هى حقائق إنسان هذا العصر.. يقول علماء النفس إن هناك صفات فطرية وضعها الخالق سبحانه وتعالى فى الإنسان وهو لم يزل طفلا وما يجيء بعد ذلك فهو ما يكتسبه الإنسان من التجارب.. ولا أعتقد أن الأخلاق السيئة والضمير الميت ونوازع الشر والظلم والإجرام خلقت مع الإنسان.. لان الله سبحانه وتعالى وهو الرحمن الرحيم لم يخلق الإنسان مجرما أو ظالما وبلا أخلاق.. «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» صدق الله العظيم.. فماذا عن الحروب والدمار والجوع والأمراض التى تحاصر الآن سكان هذا الكوكب الذى لم يعد كما كان..

> وحين اختلت موازين الحياة وساءت أحوال البشر حلت عليهم أشياء تغيرت معها الثوابت.. فأصبح الحق ضلالا وأصبح الجمال قبحا وأصبح الإيمان كفرا وأصبحت الأخلاق ضيفا ثقيلا.. وتاه الإنسان بين ما خلقه الله عليه وما اختاره لنفسه فكان هذا الإنسان الذى نراه اليوم حيث لا أخلاق ولا دين ولا ضمير هذه الثلاثية هى التى تحكم سلوك الإنسان فى هذا العصر.. حين غابت الأخلاق خسر الإنسان ميزان الحكمة وحين غابت الحكمة سقط العدل وحين سقط العدل فتح كل أبواب الظلم والقهر والاستبداد فكان هذا الإنسان الذى استحل دم أخيه وقتل أمه واعتدى على حرمة الأشياء والبشر ..

> كان سقوط منظومة الأخلاق أولى خطايا الإنسان فقد تحول إلى كائن آخر فى سلوكه ورغباته ومطالبه.. واستباح لنفسه كل شيء وأصبح ذلك الكائن الهمجى الوحشى الذى تخلى عن أجمل ما منحه الله أن يكون على خلق.. لأن الله سبحانه وتعالى حين وصف نبينا عليه الصلاة والسلام قال : «وإنك لعلى خلق عظيم» وحين وصف سيدنا موسى على السلام قال «ولتصنع على عيني» وحين وصف سيدنا عيسى عليه السلام قال «وجيها فى الدنيا»

> والأخلاق هى كل هذه الأشياء ولم يكن غريبا أن تسبق الأخلاق الأديان ولهذا فإن الأديان نزلت لتكمل منظومة الأخلاق.. وحين يقال إن الدين المعاملة، والمعاملة هى الأخلاق وفى الإسلام تحتل المعاملات النصيب الأكبر من الثوابت بينما تأتى العبادات فى مكانة أقل.. والأديان كلها دعوة للأخلاق إيمانا وسلوكا وترفعا وعدلا وقد أكدت الأديان فى كتبها وشرائعها أن سلوك البشر كل البشر يدور حول منظومة الأخلاق.. وحين يفقد الإنسان أخلاقه فهو يفقد دينه أولا ثم تأتى التوابع بعد ذلك فى الظلم والعدوان واختلال منظومة القيم واستباحة كل شيء حلالا أم حراما.. وإذا انهارت أخلاق البشر تراجع الدين فى حياتهم، والأديان نزلت من السماء لكى تهدى البشر والهداية ليست فقط فى إقامة الشعائر ولكن الهدى فى السلوك المترفع والأخلاق الفاضلة والبعد عن كل ما يشوه الحياة ويؤذى البشر..

> كنت يوما أتحاور مع الأستاذ هيكل حول الأديان وقلت له أن العالم شهد كل هذه الجرائم وسط كل هذه الأديان وهذه الصلوات والعبادات.. ولنا أن نتصور الحياة والبشر بلا دين لنا أن نتصور كيف سيكون حال هذا الإنسان الذى توحش وافترى لو لم يكن هناك إله يخشاه ودين يردعه وكتاب سماوى يهديه.. حين انسحبت الأخلاق من حياة البشر كان الضياع والشر والجريمة آخر هذه السلسلة الذهبية..

> بعد الأخلاق والدين يأتى هذا الطيف الجميل الذى نشعر به ولا نراه انه يسرى فى دمانا ويتسلل فى خطانا ونراه ولا نراه إنه الدليل الذى ينهرنا إذا اختل المسار ويهدينا إذا فقدنا البصر والبصيرة هو الضمير.. لم يكتشف الإنسان له مكانا ورغم أن الأطباء سافروا إلى ابعد نقطة فى جسد الإنسان قلبا ودماء وخلايا فلم يقل لنا حتى الآن أين يوجد الضمير هل فى القلب أم فى المخ أم انه الجسد كله.. احتار العلماء فى وصف الضمير مكانا ووجودا.. إن الإنسان يشعر بقلبه ويفكر بعقله ولكن من أين يأتى حساب الضمير.. وهل هناك علاقة بين هذه الثلاثية هل الضمير ابن شرعى للأخلاق والدين سيد هذا الكون وإذا غابت كل هذه الأشياء ماذا يبقى للإنسان إذا فقد الأخلاق والدين والضمير..

> هذا هو إنسان هذا العصر تعامل مع الحياة والبشر والأشياء بلا أخلاق أو دين او ضمير.. إن الشارع الذى ابتعد عن الأخلاق أصبح همجيًا متوحشا قاسيا ظالما والإنسان الذى نسى دينه أصبح متخبطا حائرا ولم يجد فى ضلاله منقذا وملاذا.. أما من غاب ضميره فلم يعد له ميزان ولا بصر ولا بصيرة.. إن هذا هو عالم اليوم شعوب متخبطة لا تجد الأمن وتهبط عليها المصائب حروبا ودمارا.. والإنسان هذا الكائن العبقرى المسالم المحب للحياة أصبح كارها لكل شيء وتحولت الحياة إلى مستنقع من الأحقاد والكراهية شعوب تكره بعضها وبلاد تدمر نفسها وأوطان جعلت من الظلم قدوة وملاذاً..

> والشيء الأغرب أن الإنسان بعد أن تخلى عن الأخلاق بدأ رحلته فى تشويه صورة الأديان لست من دينى فأنت عدوى وبدأت معارك الأديان رغم أن الله سبحانه وتعالى أرسلها للناس جميعا.. وبدأ التشكيك ثم الاهانة ثم الهدم وكأن الإنسان قرر أن يعود إلى الجاهلية الأولى ويتخلى عن دعوات الحق والخير والجمال التى جاءت بها الأديان لتخرجه من ظلمات الضلال إلى ساحات الهدى والإيمان.. وكان الضمير آخر الضحايا فقد اخذ مكانا بعيدا حين شعر أن الزمان ليس زمانه وأن إنسان هذا العصر الذى تنكر لأخلاقه ولم يعد حريصا على دينه فلن ينقذه ضمير مات.. وقف الضمير حائرا وهو يرى الكون أطلالا من الوحشية والظلم والطغيان وقام يصرخ لا منقذ إلا الأخلاق ولا هداية إلا الأديان ولا خلاص لهذا الكون إلا بالضمائر أو قل على الأرض السلام.. إنها ثلاثية الأخلاق والأديان والضمائر وضعها الخالق سبحانه وتعالى للبشر من اجل حياة أكثر أمنا وعدلا وكرامة.. وحين فرط الإنسان فيها ساءت أحواله واختلت ثوابت حياته ووجد نفسه وسط غابة مخيفة حيث لا أمن ولا أمان..

> الخلاصة عندى أن إنسان هذا العصر يقف وحيدا أمام خطايا كثيرة صنعها بيديه.. لقد فرط فى أخلاقه فأصبح متمدينا فى صورته همجيا فى سلوكه وحين فرط فى دينه وقف فى منتصف الطريق وفقد البصر والبصيرة وخسر نفسه قبل أن يخسر دينه.. وبعد ذلك كان هناك ضمير يمنحه شيئا من اليقين اختفى فى ظلمات القلوب والمشاعر من ينقذ هذا الإنسان وأين الملاذ سؤال يبحث عن إجابة ما هو مصير غابة رحلت عنها الأخلاق والأديان والضمائر..

> لابد أن يعود الإنسان إلى صورته التى خلقه الله عليها أن يعود سيدا بأخلاقه وليس بجبروته وطغيانه أن يعود متدينا بالحكمة والموعظة الحسنة أن يعود بضميره الحى الذى يفرق بين الأشياء فى الحياة والبشر.. إن خسارة الإنسان الحقيقية ليست فى مال أو منصب أو مكانة ولكن الخسارة الحقيقية شعوب بلا أخلاق وإنسان بلا دين وحياة بلا ضمير.. منذ غابت هذه الثلاثية اختلفت موازين الكون ولم يعد العدل عدلا ولا الحق حقا وساءت كل أحوال البشر..

 

ويبقى الشعر

مَازالَ يرْكضُ بَيْنَ أعْمَاقى

جَوادٌ جَامحٌ..

سَجنوهُ يوما فى دُروبِ المسْتحيلْ..

مَا بَيْنَ أحْلام الليَالى

كانَ يَجْرى كلَّ يَوْم ألفَ مِيلْ

وتكسّرتْ أقدامُهُ الخضراءُ

وانشَطرتْ خُيوط ُالصُّبح فى عَيْنيهِ

وَاختنق الصَّهيلْ

مِنْ يومها وقوافِلُ الأحْزان تـَرتـعُ فى رُبُوعى

والدّماءُ الخضْرُ فى صَمتٍ تسيلْ

من يَومهَا.. والضَّوءُ يَرْحلُ عنْ عُيونى

والنـّخيلُ الشـّامخُ المقهُورُ

فِى فـَزع ٍ يئنٌ.. ولا يَمِيلْ..

مَازالتِ الأشـْبَاحُ تسْكرُ مِنْ دمَاءِ النيلْ

فلتخبرينـِى.. كيف يأتى الصُّبْحُ

والزمَنُ الجمِيلْ..

فأنا وَأنت سَحَابتـَان تـُحلقـَان

على ثـَرى وطن ٍبخيلْ..

من أينَ يأتِى الحُلمُ والأشْباحُ تـَرتعُ حَوْلنا

وتغـُوصُ فى دَمِنا

سِهَامُ البطـْش.. والقـَهْرُ الطـَّويلْ

مِنْ أينَ يأتى الصبْحُ

واللــَّيْـلُ الكئيبُ عَـلى نزَيف عُيُوننـَا

يَهْوَى التـَسَكـُّعَ.. والرَّحيلْ

من أينَ يَأتى الفجْرُ

والجلادُ فى غـُرف الصّغـَار

يُعلمُ الأطفالَ مَنْ سَيكونُ

مِنـْهم قاتلٌ ومَن ِالقتيلْ ..

لا تسْألينى الآنَ عن زَمن ٍجميلْ

أنا لا أحبُّ الحُزنَ

لكن كلُّ أحزانِى جراحٌ

أرهقتْ قلبى العَليلْ..

ما بيْنَ حُلم ٍخاننى.. ضاعتْ أغَانِى الحُبّ..

وانطفأتْ شموسُ العُمر.. وانتحَرَ الأصِيلْ..

لكنه قدَرى بأن أحيا عَلى الأطـْلالْ

أرسمُ فى سَوادِ الليل

قِنديلا.. وفجرًا شاحبًا

يتوكـَّآن على بقايَا العُمر

والجسدِ الهزيلْ

إنى أحبُّك

كلما تاهت خـُيوط ُالضَّوء عَنْ عَيْنى

أرى فيكِ الدَّليلْ

إنى أحبـُّك..

لا تكونِى ليلة ًعذراء

نامت فى ضُـلـُوعى..

ثم شرَّدَها الرَّحِيلْ..

أنى أحبـُّك...

لا تكـُونى مثلَ كلِّ النـَّاس

عهدًا زائفـًا

أو نجْمة ًضلتْ وتبحثُ عنْ سبيلْ

داويتُ أحْزان القلوبِ

غرسْتُ فى وجْهِ الصَّحارى

ألفَ بسْتان ٍظليلْ

والآن جئتك خائفـًا

نفسُ الوُجوه

تعُودُ مثلَ السّوس

تنخرُ فى عِظام النيلْ..

نفـْسُ الوُجوُه..

تـُطلُّ من خلف النـَّوافذِ

تنعقُ الغرْبانُ.. يَرتفعُ العَويلْ..

نفسُ الوجُوه

على الموائِد تأكلُ الجَسدَ النـَّحيلْ..

نـَفسُ الوجوهِ

تـُطلُّ فوق الشاشَةِ السَّوداءِ

تنشرُ سُمَّها..

ودِماؤنـَا فى نشْوة الأفـْراح

مِنْ فمهَا تسيلْ..

نفسُ الوجوهِ..

الآن تقتحِمُ العَيُونَ..

كأنها الكابُوس فى حلم ٍثقيلْ

نفسُ الوجوه..

تعُودُ كالجُرذان تـَجْرىَ خلفنـَا..

وأمَامنا الجلادُ.. والليلُ الطويلْ..

لا تسْألينى الآن عَنْ حُلم جَميلْ

أنا لا ألومُ الصُّبحَ

إن ولــَّى وودّعَ أرضنـَا

فالصبحُ لا يَرضى هَوَان َالعَيْش

فى وَطن ٍذليلْ

أنا لا ألومُ النارَ إن هَدأتْ

وصَارتْ نخوة عرجاء

فى جَسَد عليلْ..

أنا لا ألـُوًمُ النهرَ

إن جفتْ شواطئـُه

وأجدَبَ زرْعُه..

وتكسَّرتْ كالضَّوء فى عَيْنيهِ

أعناقُ النخيلْ..

مادَامَتِ الأشْباحُ تسْكرُ

منْ دمَاء النيلْ..

لا تسَألينى الآنَ..

عن زمن ٍ جميلْ

قصيدة "جاء السحاب بلا مطر" 1996

 

[email protected]
لمزيد من مقالات يكتبها ــ فاروق جويدة

رابط دائم: