رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحزن فى زمن الفيسبوك

الذين عاشوا جل عمرهم فى القرن العشرين لن يكفوا عن الدهشة والعجب كلما أوغل بهم الزمن فى القرن الحادى والعشرين. أحيانا سوف تعجز بهم التجربة الماضية عن متابعة ما يجرى، وكلما تيسر خيال لهم أنهم أمسكوا بتلابيب الحياة الجديدة فإنهم يكتشفون كيف أن لكل زمان منطقه وعلمه الخاص الذى يتطلب جهدا فائقا لمتابعته فضلا عن استيعابه. كان الظن دائما أن هناك ثوابت لا تعرف التغيير، وفى مقدمتها كان الحزن على الأحباب، أصولها والتعامل معها يعود لأيام الفراعنة.

الأخمسة بعد أسبوع من الوفاة، والأربعين عندما تعبر الروح والجسد إلى أزمنة أخرى لا يعرفها بشر. التحنيط كان حالة من الثبوت المبالغ فيه ولكنها كانت واقعا حافظت عليه طبقات اجتماعية.

بعد آلاف الأعوام اتخذ الثبات أشكالا أخرى، وقع فى مقدمتها صدور صحيفة «الأهرام» التى لم تعد فقط ديوان الحياة المعاصرة وإنما باتت السجل الدائم لحياة المصريين ساعة الوفاة. المقولة الشهيرة «إن من لم ينشر نعيه فى الصحيفة العريقة لم يمت» لم تكن فيها مبالغة واكتشفها ليونارد بايندر عالم الاجتماع السياسى عندما جعل من الصحيفة محتوى هائلا للنخبة المصرية المعاصرة.

المصريون لا يعلنون فقط الوفاة، وإنما معها يوجد السجل الكامل لعلاقات وأقرباء ومناصب ومعارف وشبكات اجتماعية واقتصادية لا تدل على الفقيد وحده، أو عائلته ومكانته فحسب، وإنما عن حالة الوطن كله. عندما شرفت بإدارة المؤسسة التاريخية، هالنى استقرار التقليد بعد أن تعددت الوساطات من أجل نشر نعى.

لا أدرى ما الذى جرى خلال عشر سنوات تلت، وعندما عرفت كان الذهول كاملا. البداية كانت لحظة حزن ولوعة لم أعرفها فى حياتى، كان الكل منشغلا فى التعامل ليس فقط مع الحزن وإنما فى القيام بما يقوم به المصريون استعدادا للوداع والعزاء.

السوابق كلها على مدى سبعين عاما كانت تجعل من كتابة النعى الخطوة الأولى فى كل الطقوس، ولما كان الكل منشغلا وجدت نفسى أخرج الموبايل وأبدأ الكتابة. كنت بطيئا والعيون غائمة بالدموع، قررت الاستعانة بصديق، حفيدى آدم الذى كان يعيش برجولة الاختبار العظيم للحزن.

قال بثبات ولكننا فعلنا ذلك بالفعل وأمس ولحظة الوفاة، حيث قام هو وأخوه يوسف بالإعلان عن وفاة والدهما على جميع منصات التواصل الاجتماعى من خلال بوستات. لم يكن الأمر جديدا، فقد عرفته منذ شهور فى حزن شديد آخر، ولكننى لم أتصور أن التقليد قد بات مستقرا إلى هذا الحد.

فيما بعد وجدت الفرصة لمراجعة ما جرى، لفت نظرى أولا حجم الانتشار المذهل للخبر. وثانيا أن الخبر لم يعد عن الصلات العائلية للمتوفى، وإنما عن شخصه ومسيرته. وثالثا أن كل ذلك جرى فى لغة عربية سليمة وراقية، ولم أدر ساعتها عما إذا كان ذلك نتيجة التعليم الراقى أو أن هناك أدوات للتصحيح الآلى اللغوى الذى يبقى اللغة العربية على أصالتها رغم ما هو شائع من أقاويل عن اللغة التى غادرت الزمن الجميل ولم تعد.

كان زمن الحزن قد تغير فى القرن الحادى والعشرين وأصبحت له تقاليده القائمة على الانتشار الواسع، لم يعد الأمر بالألوف أو مئاتها، وإنما بالملايين. عبر الخبر بتفاصيل دقيقة مست قلوبا كثيرة كل بر مصر عابرا للقارات والدول والعواصم الكبرى. كان الأمر فيه الكثير مما يخصنى ولكن الاتساع لم يجعل الحزن مألوفا أو ممكن التعود عليه، كانت لحظة إنسانية مشتركة تبقى حية وعائشة فى الحقيقة عن مهندس عاش فى مصر.

ولكن اللحظة هنا كاشفة فدولاب الحزن هو فصل واحد من فصول الحياة، ورغم كل اللعنات التى تصب على وسائل التواصل الاجتماعى وخاصة الفيسبوك، فإن دواليب الحياة كلها تظهر، بجمالها وقبحها، وجديدها وقديمها عاكسة ما للدنيا وما عليها. هو نمط من أنماط الحياة الإنسانية التى بات عليها أن تنسجم وتتآلف مع القرن الحادى والعشرين. أعرف أن كثيرين من أبناء القرن العشرين يتمنون اختفاء هذه الوسائل ما بين غمضة عين وانتباهتها. آخرون يرون فيها شرورا مطلقة، وبعض من ذلك صحيح لأن ذلك هو واقع الحياة التى يتداخل فيها الخير والشر بقدر ما تتداخل الحياة والموت.

هى معارك وحروب فى زمن آخر، وللمتابعين فإن مصر كلها شاهدة فى قلب العصر. وبمقدار ما تدفع قوى الخير فإن قوى الشر تدفع كذلك. القوى الأولى تقول إن مصر لديها مشروع وطنى كبير ويشهد بحضوره قلاع وعلامات ولا يمر يوم دونما شهادة كبري. القوى الأخرى تبدأ عادة بالإنكار، وأن لا شيء حدث أو يحدث.

وعندما تفقأ الحقيقة العيون فإن القول الدائم هو إن ذلك ليس ما نريده، والمراد أن نكون مثل اليابان التى خرجت من الحرب لكى تكون قوة اقتصادية عظيمة.

ليس فى هذا السجل أن اليايان كانت قوة صناعية عظمى قبل الحرب، وأنها كانت قوة فاشية عسكرية وإمبراطورها إله. الفيسبوك يعطى مساحات وميادين للمعلومات والمحاجاة والمقارنة والعلم بالتجارب، وبقدر ما يدلنا على تجارب كثيرة فإنه يكشف لنا عن الحقيقة التى قد تدور فى دولاب الحزن فإنها فى ذات الوقت تدور فى دواليب العمل والإدراك أن الزمن هو حالة فريدة وكل ما نحتاج أن نعلمه هو أننا فى قرن آخر؟!.


لمزيد من مقالات د. عبد المنعم سعيد

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث: