رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشرق الأوسط الجديد

هناك تحذيران ضروريان قبل المضى قدما فى قراءة المقال: أولهما أن كلمة الجديد فى العنوان لا تعنى الأفضل أو الأكثر جودة وسعادة، إنه جديد بمعنى مختلف ويستحق الاستقراء. وثانيهما وصف إقليم الشرق الأوسط بالجديد ارتبط فى التاريخ المعاصر بالمبادرات الأمريكية تجاه المنطقة، وكذلك بتلك الصيحة الإسرائيلية على لسان وقلم شيمون بيريز رئيس إسرائيل ورئيس وزرائها وواحد من أعلامها التاريخيين والذى جعل السلام العربى الإسرائيلى حجر الزاوية فى نظام إقليمى جديد يقوم على التعاون الذى أصاب أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وأدى من خلال الاقتصاد والتكنولوجيا إلى الاتحاد الأوروبي. ما شد الكاتب إلى هذا العنوان هو ما أتى فى الكثير من التغطيات الصحفية والبحثية التى تابعت زيارة الشيخ محمد بن زايد وهو القيادة السياسية فى دولة الإمارات العربية المتحدة إلى تركيا ولقاءه مع رئيسها رجب طيب أردوغان. فحتى وقت قريب للغاية لم تكن العلاقات التركية الإماراتية على ما يرام، وكانت واقفة وحاجزة بينهما سلاسل من القضايا الخلافية التى كانت كافية للقطيعة بينهما. الزيارة جاءت وسط سلسلة من اللقاءات على مستويات عليا بين القيادات الإماراتية وتلك التركية وأيضا القطرية تعدت من حيث المستوى السياسى ما أرساه بيان العلا الناجم عن القمة الخليجية ودعا إلى رأب الصدع فى العلاقات السياسية بين دول التحالف الرباعى (السعودية ومصر والإمارات والبحرين) مع قطر وتركيا. أكثر من ذلك فإن الأنباء وردت بعزم الإمارات على زيارة وفد على مستوى عال أيضا إلى طهران لفتح الأبواب السياسية مع إيران. هذا التحرك سبقته سلسلة من اللقاءات الدبلوماسية بين السعودية وإيران من خلال وساطة عراقية وكلها دعت باحثا سياسيا مرموقا مثل جون الترمان فى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية فى واشنطن إلى تصور وجود شرق أوسط جديد أو ليس كما عرفناه أو يصف الأوضاع الجديدة بعد الخروج الأمريكى من الإقليم، على اعتبار أن الولايات المتحدة تغير أقاليم العالم عند الدخول والخروج معا.

الوصف الجديد هكذا غالب فى الدوائر الغربية، ويحتاج بشدة إلى نظرة من الداخل الإقليمي، ومن مصر تحديدا لأن تجديد الإقليم بات مسعى مصريا أصيلا منذ عقود عندما شنت حرب أكتوبر لكى ترسى مبدأ أن الأقاليم الجديدة لا تقوم على العدوان ولا على الاحتلال. وعندما بادرت مصر بالسير فى طريق السلام والذى تبعته قرارات قمة فاس العربية ومن بعدها مبادرة السلام العربية فى قمة بيروت. ولكن رؤية مصر الإقليمية كانت دوما أبعد من الصراع العربى الإسرائيلى بحربه وسلامه، فالإقليم كان تاريخيا أكثر اتساعا وعمقا بصراعاته وتعاونه من مجرد وجود محدد إسرائيلى على أهميته بحكم تسليحه النووى والتقليدى، وبحكم علاقاته الغربية، وبحكم القضية الفلسطينية المعلقة منذ أزمنة طويلة. الإقليم يشمل دولا وشعوبا ومذاهب وتوجهات وفنونا وآدابا تفاعلت عبر الزمن تعاونا وتنافسا، ولكنها باتت تحتاج إلى الخروج من كل ذلك إلى آفاق القرن الحادى والعشرين الذى شهد دولا نامية وأقاليم فى العالم الثالث تخترق الحجب إلى الصفوف المتقدمة من الدنيا. وأيا كانت النظرية التى تتحكم فى الرؤية إلى حالة الإقليم الشرق أوسطي، وفى قلبه العالم العربي، من أنها كانت نتيجة استعمار الإقليم، أو الصراع مع إسرائيل أو حتى الصراع بين القلب والأطراف غير العربية الإيرانية والتركية والإثيوبية، فإن الحقيقة الثابتة هى أنه مع إطلالة القرن الحالى فإن الإقليم ودوله كان يحتاج إلى التغيير. لم تكن هناك مصادفة أن طاقة التغيير توجهت إلى التحركات الجماهيرية التى سميت بالربيع العربي، ولم تكن هناك مصادفة أيضا فى أن حركة الإخوان المسلمين حاولت الاستيلاء على هذه الطاقة وترويضها لمصلحة تغيير تاريخى رجعى قائم فى الأساس على التخلف والصراع.

ولحسن الحظ أن التغيرات التاريخية الكبرى بكل ما فيها من طاقات دافعة وطاقات مضادة أنها أيضا أفسحت المجال للحظة مصرية جديدة تأخذ مصر والمنطقة إلى التقاليد اللائقة بالقرن الحالي. احتاج الأمر عاما وبعض عام تجاوزت فيه مصر محنتها مع الإخوان، ودبرت لحالها رؤية إصلاحية أخذت فى ضرب معاولها فى الوادى وشطآن النهر والبحرين والخليجين لكى ترسى فى طريقها تغييرا واسع النطاق. ومع مطلع عام ٢٠١٥ جرت ثلاثة تطورات مهمة: أولها بدأت مصر فى تحقيق قفزة كبيرة فى قدراتها العسكرية، وثانيها كان توقيع اتفاقية إعلان المبادئ الخاصة بالتعامل مع السد الإثيوبي، وثالثها، فهو تخطيط الحدود البحرية مع السعودية ثم بعدها مع قبرص (وبعدها مع اليونان). هذه الخطوات مع الإصلاح الداخلى العميق شكلت الاستراتيجية المصرية القائمة على تصاعد عناصر القوة الداخلية اقتصاديا وعسكريا، وعلى توجه قائم على السلام والتعاون الاقتصادى والتنمية المشتركة فى الإقليم. وما بعد ذلك تطبيقات وتفاصيل انفتحت على تعاون كبير مع السعودية عبر خليج العقبة ذهابا وإيابا، والجسور العلمية والتكنولوجية والسياحية والديمغرافية عبر سيناء. ومن خلال نفس المنظور كان إنشاء منتدى شرق المتوسط الذى أخذ فى النضج إلى حاملات خط الغاز العربى إلى الأردن وسوريا ولبنان؛ وما سماه رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمى الشام الجديد الذى قيم ثلاثية تعاونية بين مصر والأردن والعراق، ومعه ثنائية تعاونية من مصر وقطر لتعمير غزة، والسلام فى ليبيا، ولم تكن بعيدة عن كل ذلك خطوات السلام الإبراهيمى التى استنتها الإمارات والبحرين. لم يكن فى أى من ذلك مع القوة الداخلية لا قتال ولا حرب، وإنما بناء فى الداخل والخارج، ودعما لعلاقات تاريخية مع الخليج، وللسلام مع إسرائيل والتعامل مع القضية الفلسطينية. الطريق المصرى للإقليم الجديد حقا لا يزال طويلا، فالمسعى لا يقل نبلا وجهدا عن طول الطريق وزمن الاجتهاد.


لمزيد من مقالات د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: