رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عبدالهادى الجزار.. «خمسة وخميسة»

بداخلي تجاهه موجة عارمة من الحنان الشديد الممتزج بالإعجاب الشديد والعجب الشديد، تأتى هادرة من الأعماق، تبغى احتواءه كطفل مرتعب وضمه إليها، لتأخذه إلى الملاذات البعيدة، ليتسنى لها وله الوقت والمكان والإطار والعطاء النقى للتفرغ له لتأمله برويَّة وفك طلاسمه بصبر.. أمومة فيّاضة بغيتها الحنو عليه ومسح دموعه وتهدئة مخاوفه وطرد بعبعه واستئناس عفاريته وحبس خنافسه ودحر ثعابينه.. مشاعر تبغى له الأمان ونزع أستاره السوداء ومحو ظلماته وطرد كوابيسه وجمع سنحاته المشتتة وغلق فوهات قبوره المطارِدة، والخروج به من قوقعة الرحم المسنن الخانق فى ميلاد جديد للـهواء الطلق الصحو ليشدو بمزمار الفرح في فجر يوم عيد كلمات مضيئة شمسية نورانية يحدوها الأمل غير تلك التأوهات الفزعة التى دوّنها إلى جوار رسومه عندما لم تكن تسعفه الخطوط فى نقل ما تراه بصيرته المعتمة، أو عندما تعصف به هواجس الحيرة والتوجس والقلق والخوف من المجهول.


الجزار 1925 - 1966

عبدالهادى الجزار ابن البلد المعجون بتراثها وفولكلورها وآلامها وتعاويذها وقهرها وحزنها وضجيجها.. صاحب الإحساس العميق الذى شَكَّلَ أحلامه وكوابيسه ليسكبها ذلك المذاق السيريالى، وليست فانتازياته إلا نوعًا من شطحات الخيال أو الهروب من مرارة الواقع لتحرير نفس مثقلة بهموم شعب تلصقها بالأرض، وليست تهويماته الفنية إلا تحليقًا فى عوالم أرضية واقتحام لأسوار «الماوراء» واختراق لسراديب الأمانى المكبوتة.. الفنان الشاب الذى رحل في شرخ الشباب «41 عامًا» وسيمًا جميلا بهى الطلعة دمث البسمة.. الجزار الذى لم يمكث طالبًا بكلية الطب سوى ستة أشهر ليهجرها إلى كلية الفنون الجميلة لعشقه الفن خالصًا بقوله: من غير المعقول أن تجمع لافتة عيادتى بين كلمتى (الطبيب والجزار)!.

أبوالعيون الطيبة التي تسكنها دهشة طفولة مقيمة دومًا.. الحالم المتقوقع المشطور بالماضي والحاضر الذى لم تكن عملية الاختمار والنضج بداخله سهلة ميسورة بل كانت أقرب إلى هذيان خاضت فيه شخصيته صراعًا مريرًا بين تيارين متقابلين أحدهما خيالى والثانى محلى واقعى، وحين انتهي الحمل وآب الصراع إلى نهايته المحتمة جاء المخاض على أرض البين بين فتدفقت الثمار تُتلى مُحرشفة بأسطح شوكية مدببة تخرج من باطن الأرض والعوالم السفلى ولا تهبط من العلياء وتشكيلات السحاب والشروق والغروب وقمر السماء، فنادرًا ما رسم الجزار الطبيعة أو كان من فنانى الهواء الطلق، وأبدًا لم يتسق عالم الجزار الداخلي مع الواقع إيذانًا بخلاصه وهنا يكمن ألمه المستمر وإن كان قد منحه حياة فنية متجددة لا تفنى.

عبدالهادى.. وليد الساحل وأمواج الشاطئ وقواقع الغيب القادم صبيًا من حي القباري بالإسكندرية إلى قاهرة تلال زينهم وحى السيدة زينب بكراماتها فى وساطة شافعة خالصة لوجه اللـه المجيب لمطالب المتواضعين الخاشعين زبائن صناع الأحجبة والتعاويذ ومنشدى الأوردة والأدعية.. المعاصر الملازم المتأمل لحلقات الذِكر والتواصل والهلوسة.. المستنشق لطيات بخور الدراويش وأدخنة العنبر والعود وعين العفريت و«خمسة وخميسة».. المراقب بانغماس الانجذاب الفنى لمسيرات الطرق الصوفية رافعى البيارق والأعلام والسيوف الخشبية.. المسجل بالقلم والريشة انعكاسات الملبوسين والمصروعين والمجاذيب وأكشاك الختان وصالونات الحلاقة وغرز البوظة وحصان شيخ الطريقة وسبع البرمبة وزخارف عودة الحاج وبياع العرقسوس وصاجات التمر هندي وأقماع الدندُرمة والبيانولا وعزيزة ويونس وأبوزيد الهلالى وعنترة والأراجوز والشخاليل ومسارح الخيام والأكروبات والدربُكة والنقرزان وحجاب المحبة ومولد الشيخ الطشطوشى وأبوالعزايم واللـه اللـه يا بدوى جاب اليسرى ويا أم المطّاهر رُشِّى الملح سبع مرات وضريح الطاهرة وشبّاك السيدة وهذا الكريم يحب الكريم ويا مولج الليل والنهار ومدد يا بنت بنت النبى وياأبوبكر يا عمر يا حسين يا سيدى أحمد الرفاعى يا سيدى إبراهيم الدسوقى شفاعة للـه كرامة للـه بأسمائه الحسنى التسعة والتسعين..


الجزار.. المسافر فى رحلة غيبيات تدور حول سِر الحياة والموت والبعث التى ولّدت لديه خوفًا مقيمًا من الموت ذلك العدو الأكبر الخفى المجهول الذي يتحين الفرصة المواتية لينقض ويضرب ضربته بعنف وضراوة دون أن يهتم بما يصيب البشر من جرائها.. تلك الأشباح التى طاردته واستحضرها من كوامن كوابيسه ليرسمها، وهو من كان لديه إحساس بخطورة مرضه العضال منذ طفولته ــ روماتيزم القلب ــ وإدراكه منذ وقت مبكر أنه قريب من الموت، كان ذلك داعيًا ملحًا لجذبه نحو العالم المجهول الذى لا يدرى كنهه أحد وجعله أسيرًا له محاولا الغوص فيه والتعبير عنه لتظل الأسئلة المغلقة حول كنه المجهول متمركزة بداخله دون أن تجد من جبروت الموت مهربًا، مما أورثه قلقًا مستمرًا يدعوه إلى الهروب إلى عالم اللوحة السحرى فينغمس فيه بكل ما يمتلك من قوة بعد أن وجد الملاذ والملجأ.. وجد ضالته التى قد تخرجه من وهدة القلق بين جدران السِحر، حيث تكشفت مواهبه وإمكاناته فاندفع متغلغلا إلى الخفى والكامن من أسرارها وأعاد ما كان غافيًا منها إلى سطح تفكيره وأصبح مسرح عالمه الفنى مهيئًا لاستقبال المواجهة فى عوالم الجن والشياطين والسحرة والمشعوذين وقرَّاء المندل وآكلى الثعابين والنار.

«مواليد عرايا وعذارى بتتخلّق

سندس قفاطينه محبوكة شراشيبها

كوالين شفايفه تتعشق بأنفاسها

خارجة من الجوف بتغربل براكينه

يفضل يهز الروح إزاى منين جاية

جاية من البحر واللا من بحور الشرق

جاية من بلاد الشرق واللا من بلاد السين

جاية مواكب مالها آخر تشوفه العين

مزامرها وصاجاتها والدفوف عاليين

جاية من النبع اللى رواه الدم

جاية يا حالم الليل والنهار والعمر

جاية يا سيد الجلال والجمال والسحر

جاية يا حاطط الصبّار على قبور اللطف

يا صايغ المعنى جوه عشوش النسر

يا شارب الود من صدور الأم

يا قاسم العيش ويّا عجول البَّر

يا طالب السعد مش باليد أو بالكـلام الحلو

يا راغب النور شوف الخلايق وطبايعها

لف معاها وقيّل واضحك وطاوعها

تلقى المعانى فى الخلايق والحساب والجبر

تلقى الخلايق معادلة تحيَّر وحاصل ضرب

والنفس حق والعين تعرف مقاصدها

وأفلاك دايرة والليل فراملها

عالم يا سلام عليه كل شىء محسوب

اللي اتجمع له سر الوجود موجود

أصبح الجزار تاريخًا، وأعماله التى أنجزها خلال عمره القصير أصبحت تراثًا نرجع إليه للتعرف على إحدى أخصب مراحل التطور والتحول الفكرى فى مصر، وليست المصادفة وحدها هى التى صنعت الجزار، وهو لم يستحق نجوميته باعتباره «تقليعة» عابرة أو ظاهرة شاذة نبتت نبتًا شيطانيًا فى بيداء الفِكر العقيم، وإنما هو إشراقة حتمية مثل إطلالة الفجر اللصيق بدكنة الليل، أو لحظة من لحظات التواصل مع الذات «الفرويدية» التي تفصلنا عنها سبع غلالات سوداء.. لقد حصل على موقعه الريادى فى الحركة الفنية كأحد كبار المكتشفين والمنقبين عن خبايا النفس وكنوز الذات، فأصابته اللعنة نفسها التى أودت بحياة «كارنارفون» مكتشف مقبرة «توت عنخ آمون».. لعنة الطلسم السحرى المكتوب فوق قدس أقداس النفس البشرية المعبقة بالأنفاس الحائرة، والأنَّات المكبوتة، والخفايا الموجعة، والدهاليز التحتية، والنوايا المبهمة، ورعشات الصرع، وهلوسات الغيرة، وصدع الانفصامية، وجنون الجسد، وشبق التلاحم، ولعنة الرصد، وشياطين العالم السفلى، وعقدة الضعف والهزيمة.. وبخور السحر الأسود، وأختام الربط والعجز واللبس.


الجزار.. حاول الكثيرون ممن عاصروه أو من جاءوا بعده أن يقتحموا عالمه الأسطورى فواجهتهم الأبواب المغلقة.. كانت تنقصهم كلمة السر، وهى ملكة الذوبان فى الواقع الداخلى حتى النخاع، والفناء الوجدانى فى سحابات الحلم الحليم الشهى.. كانت تنقصهم حاسة الإنصات الرهيب إلى دبيب الهمس والهواجس والهمهمات والوسوسة والوشوشة الفوق صوتية التى لا تُسمع ولا تُرى لكنها تدوِّى فى الوجدان وتزعق فى آفاق النفس وتصرخ فى أعماق الروح.. كان ينقصهم الحس الرادارى الذى يتخطى حدود الحواس ويتصل بذبذبات النفس الغائرة فى تلافيف الغيب.. إنه حس موصول بنشوة غيبوبية وحنين مثل حنين الشىء إلي أصله، والجُرم إلى الخلية الأولي، وحنين الطفل إلى حضن الأم الذى يذكِّره بدفء الرحم وظلمة البدايات!

الجزار.. كان واحدًا من أولئك الذين عانوا، وكانت معاناته شديدة الوطأة بحكم موهبته الكبيرة ورهافة حسه وشعوره بالعجز أمام قبضة السلطة وهو يحاول جاهدًا أن يستوعب ما يجرى وأن يتلمس طريقًا للخلاص، بينما قوى القمع من حوله تترصد الخطى وتغتال الحرية، وهنا وجد فى السِحر وعالم الغيبيات مادة خصبة وكنزًا موازيًا لموضوعات الحاضر التى شق عليه أمرها فجاءت لوحاته ممتزجة مع رؤاه الخاصة ليخرج بها من قبضة الحاضر ورقابته.. لقد وجد فى لوحاته وعالمه الخاص جدًا ملاذا وملجأً من الشعور بطغيان العالم الخارجى الذى يمتد نصله عميقًا إلى أدق خصوصياتنا:

«كَويت إيدى بإيدى لمْ دريت بالنار

شط البحور مرقدى والموج بنى لي دار

من صغر سنى وأنا ريّس على الأبحار

أشخلع الموج وألعب مع التيار

البين عملنى جمل واندار عمل جمّال

لوى خُزامى وشيّلنى تقيل الأحمال

قلت له يا بين هوّه الحمل التقيل ينشال

قال لي يا جدع امشى خطاوى خطاوى

وكل عقدة لها عند الكريم حلال»

الجزار.. ابن عالم الدين بالأزهر الشريف الذي يُرسى فى نفس الابن دعائم التقاليد والعادات المتأصلة بين أبناء الطبقة الوسطى، عاش لفنه سنوات الحرب العالمية الثانية التي بدأ مسيرته خلالها وهو طالب فى المدرسة الثانوية، حيث التقى بأستاذه حسين يوسف أمين، الشخصية الفذّة التى اتسمت بسعة الأفق ورحابة الفِكر وموسوعية المعرفة والقدرة التربوية النادرة.. التقى به في جمعية الرسم بمدرسة الحلمية الثانوية، وخاض أول مسابقة فنية تدور حول رسم لوحة إعلانية للاستخدام فى الرعاية الصحية، وفاز الجزار فيها بالجائزة الأولى، وفى المسابقة العامة لطلاب التوجيهية فاز بجائزة الرسم على كل طلاب القُطر المصرى وكانت تخول له الدراسة الجامعية مجانًا، وفى عام 1946 أسس الأستاذ حسين يوسف أمين «جماعة الفن المعاصر» من ستة شبان تصدَّرهم حامد ندا وعبدالهادى الجزار التلميذ القديم، وقد أصدرت جماعة الفن بيانًا يكشف عن هويتها ويبين: «إن الفن المعاصر يقف جنبًا إلى جنب مع قمة الفِكر الحديث، ويرمى إلى عكس ما ترمى إليه الفنون السطحية التى تتجاهل سر الحياة، والفن أداة للغزو والمعرفة وقائد لوعى الناس بعد أن كان فى خدمة المطامع المستورة وأداة لهو وتسلية».. وحين أقامت الجماعة معرضها عام 1949 لمست أوتارًا حساسة فى قلوب الناس مما أقضّ مضجع النظام الحاكم فساءلت الشرطة أعضاءها وأمرت بغلق معرض للجزار.. وكانت المرة الأولى التى يلعب فيها فن الرسم فى مصر دورًا اجتماعيًا إيجابيًا يمس الضمير العام فتصادره السلطات كما تصادر الشِعر والأدب وتُوقف عرض المسرحيات أحيانًا.. اللوحة الشهيرة التى تسببت فى غضب السلطة على «الجزار» إلى حد اعتقاله لمدة شهر ليُفرج عنه بضمان الفنانين محمود سعيد ومحمد ناجى بنفوذهما الاجتماعى وصلاتهما بالسلطة اسمها «الكورس الشعبى» 69 50سم رسمها بالزيت على ورق كرتون عام 1951 أيام الفوران الذي ساد البلاد ــ ليست النسخة الموجودة من مقتنيات المتحف الحديث هى النسخة الأصلية بل أخرى رسمها الفنان حين طلبها المتحف بعد الثورة ـــ وتصوِّر اللوحة سبع نساء ورجلا وطفلا يقفون صفًا فى مواجهة المشاهد وأمامهم على الأرض صحون فارغة وإبريق ماء والمجموعة البشرية تجمعها رؤية سريالية، لا يتجانس فيها الأفراد لا في الملابس ولا القيم، تمامًا كأفراد الشعب، حيث اللامنطق فى المظهر والجوهر، فهنا المنقبة إلى جانب العارية إلى جانب المتبهرجة إلى جانب الفلاحة وبنت البلد عاشقة الأحجبة والتعاويذ وكودية الزار و..هذا بينما الجميع حفاة الأقدام مع خلفية داكنة تتواصل فيها الأرضية بالحائط الخلفى لتبدو اللوحة وكأنها كليم شعبى قام بنسج شخوصه طفل القرية والحارة المدرب الأصابع على نول العقاب وآلام الجوع.. لوحة تعادل «جارنيكا» بيكاسو ولوحة «إعدام الثوار» للفنان العالمي جويا من حيث التكامل الفنى بين الشكل والمضمون والإنسانية والقيمة الفنية.

وفى كلمات الجزار كافة المعانى: «كل معرفة يراها العقل وحده غش وخداع وهو الواقع المؤقت، ولكننا نبحث عن الشيء الخالد ولذلك كانت الشيوعية غش وخداع، لكنها نبهتنا إلى شىء عظيم وهو البحث فى مادة الروح والإحساس، ولذلك فإننا لا نحارب الشيوعية، لأننا ضد نظم اقتصادية معينة، ولكن لنبنى أسسًا جديدة لم يرها الإنسان قبل ذلك».

الجزار.. أعماله بانوراما عريضة من ميثولوچيا الحياة الشعبية المصرية حين ترتكن فى حلولها لمشكـلات الحياة إلى الاستعانة بالسِحر والغيبوية في الأسطورة، وحين تندفع بإرادتها إلى نوبات الهوس حول أضرحة المشايخ الواصلين ليتم ذلك في جو من الذهول الهيستيرى داخل أردية تصوفية تفوح منها كل عطور الغرائز الإنسانية المطرزة بطلاسم ضد المجهول وضد الموت والشر بعيون يسكنها الاحتضار وكأنها تراقب سرا خارج ذاكرتها، وبملامح مهروسة تظهر وكأنه قد تم ترميمها بعد تحطمها في تلاحم باهت، وأجساد متواطئة فى احتفال كابوسى للغناء وكأنما كل لوحة قناع ماكر لقبر مفتوح تتزاحم داخله المصائر..

عالم الجزار فى لوحاته ورسومه وأبياته صوَّر فيها ثقافة قاع المجتمع المصرى، ولقد أبدَعَ هذه الرؤية فى مرحلته الأولى ما بين عام 1948 وعام 1959 منطلقًا قبلها من عالم القواقع وبدء الخليقة ومن بعدها فى تجارب تجريدية ليُنهى إبداعه في تألق الفضاء، حيث تبلورت لديه رؤية فنية جديدة أساسها الأشكال الآلية بكل مكوناتها من أسلاك ممتدة وتراكيب معدنية وتراكمات ميكانيكية.. عالم متاهات أسطورية جديدة لا تخلو تعاويذها الفضائية الميكانيكية الآلية هى الأخرى من الأحجبة والتعاويذ ورموز من التراث الكامن فى وجداننا المشيّد علي رواسخ دينية.

عبدالهادى فى بحثي المشتاق عنه رفضت النظر إليه من خلف السطح الزجاجى على ضوء شرح النقاد البارد المفهرس المقولب بلغة الروبوت المبرمجة المسجلة عن نوعيات الفنانين.. رفضت القولبة والأحكام المسبقة وذهبت أستقى.. ألملم.. أجمع.. أنسج خيوط جزارى من فم حبيبته.. المرأة التى أرادها الفنان من أول نظرة شريكة مشوار الحياة.. الحسناء المينيون الرقيقة الدقيقة التى حطّها فى مخه لحظة التقاها وسط زميلاتها فى معرضه.. عبدالهادى معيدًا فى كلية الفنون الجميلة وليلى طالبة سنة تانية فى معهد التربية الفنية.. نبرات صوتها عششت فى القلب رغم اعتراضها على موضوعات لوحاته.. وخرجت ليلى تغادر صالة المعرض، لكنها لم تخرج لا من القلب ولا من الفِكر.. خرجت ليلى عبدالرحمن عفت مع الشلة لسماع محاضرة يلقيها الفنان سمير رافع: «وكانت صدفة أسرع من موعد متفق عليه من سنين.. بصيت ورايا لقيت خالى حسين يوسف أمين مع حامد ندا وعبدالهادى مرة أخرى.. خِلصت المحاضرة وركبنا كلنا عربية خالى.. أنا والبنات ورا وحامد وعبدالهادى قدام، ولمّا جه بيتنا نزلت وقفلت الباب وطلعت وقفلت بابي، لكن صاحبنا عرف مفتاح الباب والقلب.. تصورى فى نفس المشوار طلب إيدى من خالى وكان خالى بيحبه ويقول عليه مهذب وأخلاقه عالية، وقال له حتى أنا ولو وافقت وأنا موافق لكن لابد من موافقة والدها مدير منطقة تعليم الجيزة أولا وأخيرًا وماتحملشى هم، لأن الرجل أفقه واسع ومودرن وتعليمه من باريس.. عبدالهادى ماكدبش خبر تالت يوم زارتنا مامته وأخته وطلبونى للجواز ماما قالت لهم لازم البنت تكمّل دراستها، البنت لسه صغيرة واحنا لسه بنجهز فى اخواتها ردت الست مامته يخطبها عبدالهادى النهاردة وقدامهم الوقت طويل إنشااللـه عشرين سنة، ماما قالت لهم المهم قبل كل شىء رأى البنت.. البنت اللى هى أنا كانت موافقة موافقة جدًا، وأبدًا لم أمانع وكنت سعيدة سعادة غامرة فى الخطوبة والزواج.. حياتنا كانت فُسح وسفر ومعارض وحب وأولاد.. تلات بنات.. عبدالهادى من مواليد برج الثور حَكَم عدل يحب الحياة.. حياتنا كانت رحلة فن وعطاء وتفاهم وعمره ما اشتكى وكنت مُدركة تمامًا مفهوم أسلوبه فى معايشة أرض الواقع لمّا كان يلبس الجلابية الشعبية وينزل يدوّر ويقعد وسط الغلابة يتكلم لغتهم ويحاور مجاذيب السيدة ويحضر حلقات الذِّكر يتملّى ويتأمل ويدرس ويقول لى تعالى شوفى معايا أرض الواقع الحقيقى فى مصر، فى بطون أحيائها الشعبية.. طبعًا عبدالهادى رسمنى كتير ويمكن أشهر لوحاته أنا بطلتها وشركة شل طبعت اللوحة فى كارت بوستال وتحتها عبارة «زوجة الفنان».. عبدالهادى قفلوا له معرضه لأنه كان كاتب شِعر بجانب رسم له بالحبر الشينى بيقول فيه:

«ابن العبيد الحمر/ واطى الجبين والخد

عايش لنفسه بس/ ماسح بزوره كبش

عامل لنفسه عرش/ فوق الترع والزرع

نازل في دينه حرق/ وبالنساء والخمر

سبع شواشى سود/ زى الغراب النوح

تنعى الخبر فى البر/ أما سليم الكف

واخد علىّ عهد/ نطوى عهود الظلم»

وطبعًا كان عبدالهادى يقصد الملك، ومازلت أذكر الرجل الأخضر الحقيقى اللى رسمه عبدالهادى فى لوحة تحمل اسمه وكان من المجاذيب لابس حلق وحاطط وردة في ودنه وقاعد على كرسى مذهب رسمه عبدالهادى فى اللوحة حالق راسه ومكحل عينيه زي الستات.. عبدالهادى رسمنى اسكتشات ولوحات كثيرة منها لوحة بتسريحة مودرن لابسة فيها ميدالية بفص أزرق خمسة وخميسة.. للأسف الشديد هناك بعض من يزيفون أعمال زوجى الجزار ويتسللون ببيعها في بعض القاعات على أنها من رسمه، بينما أنا أعرف كل لوحة وخط له وآخر تلك المزيفات لوحة مطموسة غامقة بها موتيفات فرعونية وعبدالهادى فى حياته كلها لم يرسم أى رسم فرعونى».

وقد رسم الجزار ليلى الدقيقة الرقيقة الحبيبة فى اللوحة الخالدة والشِعر الجوانى بقوله:

«وقالوا من أنهى قبيلة قلت منشاوى/

قالوا حمولتك تقيلة قلت أنا أقوى

قالوا غزالك مسبسب قلت ومساوى

قالوا عيونه بتجرح قلت وتداوى

لمين تصلى صلاتك والإمام ناوى

ولمين تمص القصب خد الجميل فى الوسط

وإن خيروك فى النسا ماتاخدشى تخينة الوسط

نقى كحيلة رقيقة الوسط ومساوى»

الجزار يأتيه السلام في لوحته «السلام» أروع أعماله التى أفرغ فيها كل مواهبه ومهاراته ولخص مراحله الفنية التى اجتازها عبر السنين.. جمع فيها القواقع والأحلام والأساطير وعصر الفضاء.. بناء هائل شاعرى يتصدر اللوحة يخرج منه جناحان عظيمان تحف به أعلام الشعوب الغفيرة بنسائها ورجالها وأطفالها يصحبون حيواناتهم وحاجياتهم كأنما يلحقون بسفينة نوح خوفًا من الطوفان.. ولأن السلام فى زماننا لابد أن يخرج من بعد اجتماع قادة وزعماء فإن هناك فى أسفل دَرَج المبنى مائدة التوقيعات والقرارات التى يبدو فى شخوصها رجال بملابس عربية وشخص كأنه جمال عبدالناصر، وفى وسط اللوحة محارة عملاقة في مستقرها تجلس عروس السلام بملابس الزفاف، ولا ينسى الجزار فى خضم لوحته المسالمة الآمنة التى يتعلم فيها الأطفال حروف الهجاء، ويبدو فيها الرياضى الفائز بكأس البطولة، والرسام البدائى الذى لا يجد سطحًا يرسم عليه مفرداته الساذجة سوى ظهر رسام آخر مندمج فى رسم لوحة زيتية ورائد فضاء بملابسه المعدنية.. ولا ينسى الجزار أن يرسم ــ إلى جوار الباشمهندس الذي يحمل المسطرة حرف الـT والطبيب الذى يحمل الجمجمة ــ الساحرة التى تحمل قطتها وتدير ظهرها للجمع الغفير.

الجزار.. اختلافه وتفرده فيهما كلمة السر وراء عظمته.. هذا التفرد تبدى لأستاذه الفنان حسين بيكار وهو لم يزل طالبًا يدرس الفن على يده في كلية الفنون الجميلة: «رأيته ذات مرة يرسم النموذج مبتدئا من العين ومتدرجًا من الداخل إلى الخارج، عكس ما هو مألوف من البدء بالعموميات ثم التفاصيل، وعندما نبهته إلى هذا الخطأ لم يعبأ بقولى واستمر فى إكمال رسمه بالطريقة نفسها، وعندما عدت إليه بعد فترة أخرستنى النتيجة، فقد خلا رسمه من الأخطاء، عندئذ أدركت أن لهذا الطالب طريقته في رؤية الأشياء».

الجزار.. الذى اختلف النقاد حوله فمنهم من اعتبره سيرياليا، ومنهم من اعتبره واقعيا، ومن يقول عن أعماله إنها حقا فيها غرابة ولكنها غرابة واقعنا الذى نرفض أن نراه، لكن الجزار رآه وفطن له ونقله إلي لوحاته بصياغة متفردة كمعادل هروبى من قسوة الواقع ومأساويته، بتأثيرات من عصر النهضة الإيطالية والتراث المصرى القبطى والإسلامى والفرعونى والفن الشعبى بزخرفاته المستوحاة من البيئة الشعبية، وأبدًا لم يكن عبدالهادى فنانا خاملا بل ثوريا مثقفا موهوبا ُلقى التقدير من أصحاب الفِكر، ولأنه كان يدرك بحكم وهن القلب أن ليس فى العمر من بقية ممتدة، فقد مضىَّ يعب من المعارف والتجارب والمهارات ورؤى التجوال والسفر قدر المستطاع خلال بعثاته التى أوصلته لدرجة الأستاذية، ولقد أجاد الإنجليزية والإيطالية والفرنسية ودرس الهيروغليفية ومهارة الترميم، وكتب الشِعر والزجل وقصص الأطفال، وله قصتان قصيرتان هما «دكان الحلاق» و«خروج الروح» وكان عازفًا ماهرًا للعود وله عدة مقالات منشورة فى الصحف حول قضايا الفن، وقد سُجِّلت له عدة اسطوانات لتلاوة المصحف بصوته، وكان من أكبر مشجعيه الفنان القدير محمود سعيد الذى حرص على اقتناء لوحة «أدهم» التى رسمها «الجزار» عام 1951.. وأبدًا لم يتوقف الجزار طوال حياته عن الارتباط بالمجتمع المصرى والعالمى، وقد لخص رسالته فى الفن بقوله: «الفن سلاح الجماهير فى معركتها من أجل الكفاية والعدل»، ومن هنا آمن بثورة 52 وأخلص لها، وكان أصدق الفنانين تعبيرًا عن منجزاتها، وأكثرهم وعيًا ورغبة فى التلاحم ما بين الفنان والمجتمع، ويبدو ذلك واضحًا فى أعماله الخالدة عن تأميم القناة والسد العالى والميثاق وأخيرًا لوحة السلام.

الجزار.. المتميز بالتعبير العاطفى الجيّاش كان يرى أن كل شيء فى الوجود يبدأ من الداخل وبعدها تتم عملية النمو بالامتداد التدريجى من الداخل إلى الخارج، وهو قانون كونى تتبعه كل الأشياء بدءا من الذرة إلى المجرة.. الداخل هو الحقيقة الأولى والباطن هو سر الوجود والنواة التى تشع منها كل الظواهر، وعالم الخفاء هو الرحم بالنسبة لعالم الشهود، والخاطر الداخلي هو الذى يفجّر الصوت المسموع، والكلمة المنطوقة والصورة المرئية عن طريق وسائل التعبير المختلفة وجواز المرور إلى ذلك المجهول عند عبدالهادى الجزار هو الرُقى والتعاويذ وتلافيف الرموز والطلاسم والطواطم..

«سافرت فى الغيب لا زاد ولا مية

والرزق للـه لا بعشرة ولا بمية

أنا خايف أموت يموت الفن قبليه

يرموا علىّ سلام

دار السلام فى سلام

عليها ألف سلام»


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: