رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المهنية والتعصب الرياضى

تشجيع أحد الأندية الرياضية مسألة شائعة، وعادة ما ينتمى شخص إلى أحد الأندية، سواء كان عضوا أو بالانتماء المعنوي، لكن التشجيع يصل إلى حد التعصب فى مرحلة معينة، يذوب فيها الشخص فى ناديه وكأنه قبيلته أو بلده الذى يخوض معركة حربية، وعلامات التعصب تجدها فى سلوكه، فالتوتر ينتابه قبل أى مباراة، ويظل مشغولا بتشكيل الفريق ومنافسه، وعند غياب أحد النجوم عن فريقه يشعر بالقلق، ويفضل أن يشاهد مباريات فريقه مع من يشاطرونه تشجيعه، إذا لم يتمكن من حضور المباراة فى الملعب، وعند الفوز يشعر بنشوة تفوق نجاحه فى الدراسة أو العمل، وكأنه حقق انتصارا كبيرا فى حياته، أما عند الهزيمة فيصيبه الغم الشديد الذى لا يستطيع السيطرة عليه أو نسيانه أو تجاهله، ويتعكر مزاجه ويصبح عرضة للهياج من أى شيء طارئ، ويظهر حزنه وغضبه سواء بين أهله أو زملائه فى العمل، وإذا كان أحدهم من أنصار الفريق الآخر يمكن أن يحدث تلاسن بينهما، ويصل إلى التهكم وتبادل الشتائم بل والتشابك بالأيدى فى بعض الأحيان.

هذه الحالة من التعصب الرياضى تكون لها نتائجها السلبية على الفرد والمجتمع، ولا تسهم فى تقدم الرياضة بشكل عام ولا الفريق الذى يحظى بالتشجيع، وكثيرا ما يؤدى إلى توتر اللاعبين وعدم تقديم العرض المناسب، فاللاعب ينشغل بالمتعصبين وتشجيعهم، ويخشى ألا يكون عند حسن ظنهم، أو ينقلبوا عليه إذا لم يحقق الفريق الفوز، فالشتائم تلاحقه، ونجد أن القنوات التليفزيونية توقف الصوت أحيانا بسبب الألفاظ الخادشة للحياء التى يرددها المتعصبون.


كنت أظن أن حالة التعصب لا تنتاب إلا فئة قليلة من محدودى التعليم الذين لا يدركون الفرق بين التشجيع والتعصب، ولايعرفون حدود السلوك الملائم، ولايجدون ما يحققون به أنفسهم إلا ناديهم صاحب الاسم وحاصد البطولات، فيحققون بانتمائهم له ما عجزوا عن تحقيقه فى حياتهم العملية، لكنى وجدت متعصبين من كل الأوساط، بعضهم يحمل شهادات فوق جامعية، ويشجعون بنفس الطريقة البعيدة تماما عن كل سلوك قويم، ولا يمكن للمتعصب أن يقتنع بأنه تحول من التشجيع إلى التعصب الأعمى، وكذلك لا يعترف بأن فريقه استحق الهزيمة، وأن خصمه كان الأفضل أداء ويستحق التهنئة، فإما أن التحكيم لم يكن عادلا أو أن مؤامرة ما قد حيكت ضد فريقه، ويصل الأمر إلى الاعتقاد فى وجود سحر أو أعمال سفلية أو غير ذلك من الأسباب غير العقلانية، لكن عادة ما يرى أن التحكيم هو السبب الرئيسي، وأن الحكم من مشجعى الفريق المنافس.

لقد شهدت ملاعبنا حوادث مؤسفة كثيرة، وتحولت روابط المشجعين إلى أداة إشعال للفتنة الكروية، فالتشجيع تحول إلى هوية، بل هناك عائلات بأكملها تصف نفسها بأنها تنتمى لفريق معين، وكأنه من أهم التعريفات بالانتماء مثل الجنسية والديانة، بل إن زيجات انهارت بسبب أن أهل العريس لا ينتمون إلى نفس فريق العروس، فتندلع الخلافات بين الجبهتين.

وكنت أظن أيضا أن النقد الرياضى سيكون أهم عوامل التلطيف والتهذيب، وأن يتناول المباريات بطرق فنية وعلمية، دون السقوط فى براثن التعصب، وبالرغم من أنه يوجد بالفعل عدد لا بأس به من النقاد الرياضيين العقلاء والنابهين المتميزين، إلا أن البعض الآخر من النقاد حقق من الشهرة والترويج ما يتجاوز قدراته ومهاراته عبر مخاطبة غريزة الهوس والتعصب الكروي، وعرفوا أن أسهل طريق لتحقيق الشهرة أن تكون محبوبا من المتعصبين، وبدلا من أن يلعب هذا الناقد الرياضى دورا فى عقلنة الحالة الرياضية، والتركيز على مكامن الضعف والقوة فى الفريقين وخطط اللعب ومستوى الأداء والأخطاء التى ارتكبها المدرب أو اللاعب، فإنه يخاطب جمهور المتعصبين، بل يلعب دورا أكبر فى زيادة حالة الهوس والتعصب، والخروج عن حدود العقلانية والسلوك القويم، ويسعى إلى إرضاء المتعصبين مرتفعى الصوت، الذين يمكنهم القذف والسب فى الملاعب وداخل الأندية وحولها، ويستخدمون الآن مواقع التواصل الاجتماعى فى تحقيق المزيد من نشر التعصب والابتزاز، وتحول «الترند» إلى سلاح فتاك آخر، يضاف إلى ترسانة الأسلحة التى يملكها المتعصبون المهووسون.

ولا شك أن اتساع ظاهرة التعصب إلى هذا الحد تشكل خطرا على الأندية والاتحادات والرياضة المصرية كلها، بدلا من أن تكون إحدى عوامل الارتقاء ببث الحماس فى اللاعبين والشد من أزر الطواقم الفنية والإدارية، والحضور المكثف فى المباريات المهمة، لكن كيف نخرج من هذه الدائرة الجهنمية، التى أصبحت وبالا على الأندية والرياضة؟.

أرى أن الدور الأهم يقع على عاتق الإعلام الرياضى بكل أنواعه، سواء فى القنوات التليفزيونية أو الصحف، وأن الناقد الرياضى يجب أن يكون مثل التحكيم الرياضي، يتمتع بالتجرد والعقلانية والعدالة، ولا يهتم بموقف الجمهور وروابط الأندية، وكلما كان النقاد على درجة عالية من الكفاءة والإقناع والتجرد فإن آراءهم ستؤثر على الجمهور وتحد من التعصب لصالح التشجيع الرياضى الراقي.

وأعتقد أن وجود صحف وقنوات باسم الأندية تستعين بأكثر النقاد تعصبا لفرقها أحد العوامل المهيجة للجمهور، فكل جريدة أو قناة باسم أحد الأندية تعمل بمبدأ «مع فريقى إن أصاب أو أخطأ» وأن العيب فى المنافس، وتبث سموم الفتنة الكروية، ولهذا فإن على القائمين على الإعلام وضع حد لتلك الظاهرة، سواء بتعيين مسئولين يتصفون بالعقل الراجح على رأس تلك الوسائل الإعلامية، أو وقف أى قناة أو جريدة تعمل على بث الكراهية والإثارة، وأن تضع غرامات كبيرة تتناسب مع حجم الأضرار المباشرة وغير المباشرة على أى تجاوز بحق المنافسين اللاعبين أو الجمهور أو طواقم التحكيم وغيرها، وأن تمتد العقوبات إلى كل ناقد يتجاوز دوره فى القراءة الفنية والعلمية لخطط اللعب والأداء إلى الانحياز الأعمى.

وإذا نجحنا فى أن نتعلم كيف نشجع دون تعصب، وكيف نعالج الأخطاء ولا نلقى بها على غيرنا، وأن الفوز نتيجة مجهود وليس بسبب انحياز أو أعمال سحر وخرافات، نكون قد قطعنا شوطا كبيرا، ليس فى إصلاح الرياضة فقط، بل إصلاح أحوالنا فى مختلف المجالات، لأن العقل العلمى هو المنقذ من التعصب والخرافات، وهو ما يحقق الإنجازات والانتصارات.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: