رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نوستالجيا.. أم هذيان فَقْد الذاكرة؟!

تزايدت فى الآونة الأخيرة المواد التى ينشرها البعض على وسائل الاتصال الإلكترونية من أفلام وصور وخلافه حول الفترة الملكية، والتى تعبر عن حنين لتلك الحقبة التى توحى المواد المنشورة بأنها كانت مثالية فى جميع جوانبها، فالبلاد كانت غنية والديمقراطية كانت سائدة والأحزاب كانت فاعلة والملك كان محبوبا والنساء كن يرتدين أحدث الموديلات الباريسية والشوارع كانت نظيفة، إلى آخر تلك الصورة الوردية التى لم تعرفها مصر بهذا الشكل الخيالى فى أى مرحلة من تاريخها.

بداية دعونا نؤكد أن الحنين للماضى شعور إنسانى طبيعى موجود فى جميع المجتمعات وفى جميع الحقب التاريخية، وقد اطلعت فى متحف تورينو بإيطاليا على بردية مصرية قديمة بها نص أدبى جميل يعبر عن حنين كاتبه المجهول إلى سنوات مضت كان كل شيء فيها جميلا والعيش رغدا. وإذا كانت النوستالچيا ظاهرة إنسانية طبيعية فإن ما هو ليس طبيعيا هو الانسياق وراء ذلك الحنين بعيدا عن حقائق التاريخ، وتجاهلا لوقائعه الثابتة، بحيث يصبح الحنين للماضى ضربا من ضروب الخيال الذى لا يمت لحقائق التاريخ بصلة، فهل كان العصر الملكى أو أى عصر آخر فى التاريخ، حقا بلا مشاكل من أى نوع؟ إن أفلام الأبيض والأسود السينمائية القديمة التى أخرجها محمد كريم على سبيل المثال تقدم لنا النساء المرفهات اللاتى يرتدين الثياب الفاخرة ويدخن السجائر وهن يتمايلن على أنغام محمد عبد الوهاب، لكنها لا تقدم لنا الفلاحة المصرية الأمية التى عاشت فى نفس العصر وكانت تشقى مع زوجها فى الغيط، وهذا ليس نقدا لتلك الأفلام، فالفن حر فى أن يقدم لنا الواقع الذى يحقق هدفه الفنى والذى قد يكون واقعيا أو مختلقا، لكن النقد هو لاتخاذ ذلك الواقع الفنى بديلا عن الواقع التاريخى، والحكم على أى فترة من فترات التاريخ من خلال ذلك الواقع الفني. إن من حقنا أن نستمتع بالعمل الفنى كما نشاء، لكن حين نعالج حقائق التاريخ فإن مرجعيتنا يجب أن تكون مختلفة.

صحيح أن الفترة الملكية عرفت أدوات الديمقراطية، مثل البرلمان المنتخب الذى يقف فى بعض الأحيان ضد إرادة القصر، لكن الملك كان يملك حل البرلمان بجرة قلم والدعوة لانتخابات جديدة، ومثل الأحزاب السياسية الفاعلة التى كان بعضها يحظى بشعبية عارمة بين الناس، لكن كان هناك أيضا احتلال عسكرى للبلاد يجعل المندوب السامى البريطانى يقتحم القصر الملكى بالدبابات حين يريد ليملى على الملك تسمية الوزارة التى تريدها حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمي. وقد كانت لدينا أميرات جميلات وأنيقات، ويكفى أن ننظر لنساء عائلة البيت الحاكم فى إنجلترا أو إسبانيا أو هولندا لندرك أن أميرات بيت محمد على كن الأجمل فى العالم، لكن كان هناك فساد مستشر فى المجتمع وصل فى سنوات الملكية الأخيرة إلى درجة أن أصبحت الوزارات تباع وتشترى وصارت الوزارة تشكل على هوى من يدفع أكثر، وهو ما يشهد به رجال ذلك العصر أنفسهم.

ولن ألجأ هنا لشهادة الرئيس السادات الذى قال فى خطاب عام بمجلس الشعب إن رجالات ذلك العصر كانوا «يأخذون بالصُرَم» من الانجليز (!) والصرمة هى الحذاء القديم، وأنهم كلما ضُرِبوا طلبوا المزيد (!) لدرجة أن السادات قال للسفير البريطانى داخل مبنى السفارة إن الاحتلال البريطانى كان محقا فى معاملة باشوات البلد بهذه الطريقة (!) لكنى سأعود لشهادة أحد أهم رجال ذلك العصر وهو القطب الوفدى رئيس الوزراء مصطفى النحاس، فقد اطلعت أخيرا على الخطاب الذى ألقاه النحاس فى الاحتفال الذى أقامته اللجنة العامة للوفد بالإسكندرية فى ذكرى الزعيم سعد زغلول يوم ٢٣ أغسطس ١٩٥٢ ونشرته فى اليوم التالى جريدة المصرى المعبرة عن حزب الوفد، وفيه يتحدث عن فساد ذلك العصر فيقول بالحرف الواحد: استشرى الفساد وضجت البلاد، ويعلم الله أننى إبان الحكم كنت ألح فى نصح الملك وتبصيره، لكنه أبى واستكبر وتعالى على النصح وأمعن فى النكال بالأمة، وأخذ يفرض عليها الوزارة تلو الوزارة دون سند من الدستور أو اكتراث لإرادة الشعب، بينما مضى هو وأعوان السوء يعيثون فسادا فى كل مرفق من مرافق البلاد، ويضعون أنوفهم فى كل صغيرة وكبيرة، ويفرضون ذوى الأحساب والجهالة والأطماع الوضيعة، وبلغت الفوضى منتهاها واستشرى الفساد وأخذت البلاد تتساءل أما من طريق للخلاص من تلك الحالة التى جعلت بلادنا مُضغة فى أفواه العالمين، وأهدرت كرامة الوطن والمواطنين؟ فاستجاب الله لنداء الملايين، وحقق أملهم أجمعين، إذ نفر جيشنا الباسل بحركته الجريئة المنقذة، وبين عشية وضحاها ووسط تهليل الشعب وتكبيره وتأييده الشامل وأمله الغامر، أطاح الجيش بالطاغية، وقضى على طغيانه، وسلط سيف الحق على أدواته، وأخذ الشعب يتنفس الصعداء بعد كبت وظلم رهيب رزح تحت أثقاله سنين طويلة مريرة. جميل أن نشعر بالنوستالچيا، لكن ما ليس جميلا هو أن نجعل ذلك الشعور يعمينا عن حقائق التاريخ فنكون كفاقد الذاكرة الذى يهذى لأنه لا يعرف من أمر نفسه شيئا.


لمزيد من مقالات محمد سلماوى

رابط دائم: