رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حكايات امى نجاة

مريم العجمى

«ابنك عبدالله مات».


قال جَدكِ «التهامى عبيد»، لكن جدتكِ لم تسمع. كان فى العالى، يهز النخلة، يلف حول وسطه أربطة المطلع، يشد مؤخرته عليها ويصعد فى مرونة. لا تُفرّق بين خشونة أقدامه وجذع النخلة، فجدك يشبهها نحيلاً طويلاً صلباً لكنه أصلع. ونحن فى الأسفل نلم البلح المتساقط فى المقطف الكبير، ولا نقدر على قضم إحداها لأننا صائمون. توقف التهامى عن الهز، طلبتْ جدتك إعادة ما قال، لكن ضجة الطائرات البعيدة حالتْ دون السمع. هذا ما يخشاه التهامى، عندما يسمعها؛ يطلب منّا التوجه إلى الحقل، نلم الغلت، نعزق الأرض، نبدر الحبوب، نروى، لا نفعل شيئاً، حتى تفرغ السماء من ضجة الحرب. كان خالك عبدالله هناك على الجبهة يحارب اليهود، لم أكن أعرف فى أى اتجاه لكنهم يشيرون نحو الشمس. فى الليل لا ينام التهامى، يدعو ألا يموت عبدالله، أن يقع أسيراً كما حدث له فى الحرب السابقة، عاد التهامى مشلولاً، عذَّبه اليهود حتى أفقدوه نخاعه، ظلت أمه تطعمه نخاع البقر والجاموس حتى استرد عافيته.

«بقولك ابنكِ عبدالله خد طلقة تحت قلبه ومات».

الجُملة خرقت أذن جدتك، فى سابقة لم أرها من قبل استطاعت جدتك آمنة أن تعلى صوتها بالسباب، واللعن، تتهمه بكرهه لها ولأولادها. وقفتُ ذاهلة منتظرة نزول التهامى كاسراً رأسها أو قاطعا لسانها، حتما سيزرق وجهها من كثرة الصفع كالعادة. لكن لشدة دهشتى، وقف التهامى عبيد بجلال قدره لا يرد.

«وهو فعلاً مات بطلقة تحت قلبه؟»

سألتُ. كنت أعرف الحكاية بالتفصيل، فى كل مرة أسمع كأنها المرة الأولى. كانت الحكاية المفضلة لأمى نجاة. استشهاد شقيقها عبدالله فى الحرب. أرى لمعةً غريبةً فى عسل عيونها الفاتح، لها عيون عشرينية تفصلك تماما عن تجاعيد الوجه، تمتعنى أكثر من الحكاية ذاتها. ستحكى عن الضابط زميل أخيها الذى أتى ليخبرهم بالاستشهاد، لكنه لم يقدر. ترك ثلاثة عشر جنيهًا مُدعيا أن عبدالله أرسلها، وأنه حى لم يمت. لم يصدق التهامى أبدا ما قاله الضابط، لكنه ترك جدتى تشمت فيه. أضافت جدتى مبلغاً على نقود عبدالله، وصبغت البيت بألوانٍ فاتحة تليق باستقباله منتصراً. ولأننى أحب أن يطول الحديث فإنى أسأل عما أُحيط به خبرا:

«لكن عرفتو إزاى؟»

«الظابط رجع بنفسه تانى وقال لنا».

أُحب انفعال أمى نجاة وهى تحكى. لا تنسى الحكاية أبداً، لكنها تنسى أنها حكتها، لا أعرف بالضبط ربما تستمتع هى الأخرى بالحكى مرات إضافية. لم يتفاجأ التهامى بالخبر، كانت المفاجأة من نصيب الضابط عندما أخبره التهامى بمنتهى الدقة بمكان الطلقة ووقت الوفاة. هل اخترقت قلبك يا تهامى؟ لم يكن بيتنا الوحيد الموجوع، عشرات البيوت فى القرية فقدت رجالا، ستقسم نجاة أن لعامٍ كامل لم يُقم فى القرية عرسٌ واحدٌ، أو حتى مجرد زغرودة. وأكملتْ:

«قبل أن يمر عام على وفاة عبدالله قرر جدك التهامى بناء مدفن للأسرة، برغم نصيبه فى مقابر العائلة، لكنه أصر على ذلك. لم يكن من السهل أبدا التنبؤ بما فى رأس هذا الرجل، ولم تعتد جدتك مناقشته. يوميا يسحبنى وأخوالك للمقابر، نرص الطوب، ننقل الرمل والزلط، نصنع عجين الإسمنت، نوفِّر حق أجير. ليس من المعقول أن يكونَ له من الأبناء ستة، ثلاثة ذكور ومثلهم إناث ويستأجر عُمّالا. فى يومٍ من أيام العمل، كنّا فى أغسطس، الحر شديد، والعطش أشد، أرسل سُمية خالتكِ؛ كى تملأ زجاجة المياه، لكنها غابت، بالرغم من قرب الطلمبة. توعدها التهامى بضرب مبرح، يسعف مفاصلها من الآن وطالع. لم ينتظر التهامى حتى تعود، أرسل خالك منصور يفتش عنها، ما إن سمع الأخير الأمر، حتى فر كنحلة. لم تمر دقيقة حتى عاد فزعا، مخبرا التهامى أن سمية مرمية فى الأرض إلى جانب الطلمبة. لم يكمل منصور جملته إلا وأطلق التهامى ساقيه للريح ونحن من ورائه. تضاعف العرق على جبينه، ارتاح قليلا عندما أحس النبض فى رسغها. نفسها ثقيل، وجهها أصفر كرغيفٍ بائت. تضاعف ذعر التهامى عندما وجد بجوارها عظمتين مربوطتين بأسلاك، وقطعة قماش كبيرة عليها كتابة غريبة، رموز، أشكال، أرقام. سلّمنى سمية وطلب منّا الابتعاد قليلاً. أخذ يفك الأسلاك ويسب، كأن أحدهم أمامه، يبلغه أنه أفسد عمله الدنس. مزّق قطعة القماش إربا صغيرة، غسلها فى حوض الطلمبة، حتى ضيّع الكتابة.

ـ تُرى منْ تائه بالدنيا بسبب نجاستك؟

لم يكن أمام عينيه أحدٌ مطلقا، لكنى واثقة أنه يوَّجه حديثه إلى أحدهم!.

أعتقنا التهامى بعدما استفاقت سُميّة، كانت فَزعة. أمرنى بالعودة إلى المنزل معها حتى تستريح. سرنا صامتتين طول الطريق، إلا من جملة واحدة قالتها سُميّة:

– هذه المقبرة لعبدالله، ولى، ولن يدفن ثالث معنا.

ارتعبتُ من ثقتها، عبدالله! هو الآن بمقابر الشهداء المبعثرة فى الصحراء، أين هو من هذه المقبرة؟ أين شبابك وجمالك وصحتك من هذه المقبرة يا سُميّة؟ حتماً تهذين، من عمل شاق فى الحر، الإغماء، مشهد العظام المربوطة كل هذا له أثر. لكن أبدا لم أقتنع بالمبررات؛ هى صادقة. سُمية الصغيرة تشبه عبدالله كثيرا، لها عينان خضراوان، وعودٌ فائرٌ، لها جديلتا شعر بنيتان تصفّران فى الشمس، تشرب الحُمرة من وجهها إذا ما ابتسمت. دائمة الشرود والبحلقة فى اللا شىء. تضاعف الأمر بعد وفاة عبدالله؛ كانت أكثرنا تعلُقا به، كان يحملها على ظهره - طبعا فى غياب التهامى - يمشط شعرها الغزير الطويل يكاد يصل للركبة؛ يضّفره فلا يظهر طوله الحقيقى. تدهن ظهره بزيت الزيتون إذا ما عاد من يوم عملٍ شاق فى مصنع الطوب، يأخذ دورها فى شغل الأرض، تحوّش له نصف منابها عندما تذبح أمى طيراً. بكت كثيراً بعد سفره لخدمة الجيش. لم يكن لدينا أى أجهزة للاتصال لكنها كانت تعرف بالضبط مواعيد إجازاته، التى ينزلها فجأة! تروّق الدار كنسا ومسحا، تتفنن فى الطبيخ، تبدو أكثر سعادةً وإشراقاً. عندما يسألها أحدُنا عن سر النشاط؛ تخبره بأن عبدالله نازل أجازة. لم يصدقها أحدٌ سوى جدتك آمنة كانت تقول ان سُمية وعبدالله روح واحدة. نذهل عندما تقف على الباب، وقت دخول عبدالله بالضبط. يضمها كما يرتد الجزء لأصله، يرفعها ويلف بها. يقبل يديها وجبينها، تأخذ نصف حرارة شوق رجوعه، والنصف الآخر مقسماً على الباقين.

تعرف أمى نجاة من أين تؤكل الحكاية؛ تقص، تحذف، تقدم، تؤخر. لا تبدأ الحكاية من أولها، مرة تحكى النتائج ثم تأتى بالتفاصيل وتكمل، أو تحكى بالمقلوب نهاية وسط مقدمة، أو تبدأ بنصف الحكاية. فى كل مرة تعرف كيف تجذبنى، تلف وتدور ولا تنسى أين توقفت فتكمل:

بعد إتمام بناء المقبرة قرر جدك التهامى البحث عن جسد عبدالله. تضاعفت مخاوفى ناحية سُمية، الثلث الأول من النبوءة قيد التحقيق «هذه المقبرة لعبدالله ولى، ولن يدفن ثالث معنا». كان الأمر فى البداية أشبه بالخبل، أين ستبحث يا تهامي؟ هو شهيد والشهيد يدفن مكانه. ماذا سيجنى من هذا؟ قد مات فعلا! لن يفيد أين مدفنه. مر عامٌ على الحرب أين سيجده؟ لكن قلبه رفض التزحزح عن القرار. استخرج التصاريح اللازمة، من قيادة الجيش للبحث عن جسد عبدالله. ترك لى ولأخوالكِ شئون الأرض والمنزل. كان يخرج يوميا من طلعة النهار. وافق بعدها على اصطحاب جدتك آمنة، وكأنه انتظر طلبها هذا. وَنَس للطريق الموحش، على جانبيه صحراء واسعة. يجمعهما نفس الهدف، جسد عبدالله البعيد.

لن تهدأ نارهما حتى يضمه قبرٌ قريب، يزرعان أمامه الصبار والورد، ويتمكنان من قراءة الفاتحة قبالته. لأسابيعٍ قليلة يعودان مطأطئى الرأس، لكنهما لم ييأسا. حتما سيجدانه. توقظه آمنة كل يومٍ قبل الفجر، تعد هى زاد الطريق، يوقظ منصور؛ يوصلهما إلى البندر القريب بالعربة والحصان. ويركبان القطار، أكثر من ثلاث ساعات فى الطريق المقفر. شاهدا مقابر عديدة، فى كل مرة تنحبس الأنفاس، تتوقف الدماء فى العروق، يطقطق شعر الرأس، من مجرد مطالعة كشف شهداء المقبرة، لكل شهيدٍ شارة تعريف معلقة برقبته، مسجلة بأرقام، تمكنهم من التعرف عليه إذا ضاعت معالم الوجه. قبورٌ وبلاد، على الجانبين صحراء، وفى النفسِ أمل.

ذات يومٍ عادا قبل العصر، على غير العادة لم تحك جدتك آمنة شيئا، دخلا الغرفة الكبيرة حيث ينام معظمنا. نبّه علينا التهامى ألا يزعجهما أحدٌ مهما يكن السبب، وأمرنا بالمبيت فى الصالة. لم نسمع هذا الأمر منذ وقتٍ طويل! ولا أذكر أننا سمعناه بعدها. استيقظت آمنة كعادتها فى الفجر، سخّنت المياه، دخلت الحمام وسمعت الرشرشة على جسدها. لم تُعد يومها زاد الطريق، بل قدر ماء ساخن إضافى للتهامى. لم تصحبه فى ذلك اليوم، أخبرتنا آمنة أنهما وجدا الضابط الذى أخبرهما بوفاة عبدالله، وفّر عليهما المزيد من اللف والدوران فى بلاد الله. عرفته آمنة من ظهره، هى لم تنسه أبداً فقد أحياها وأماتها من قبل. فر التهامى إليه، تعرفك آمنة يا تهامى، مكسور أنت، ومحنى. لم ترك بهذا الضعف من قبل، حتى بعد عودتك من حرب النكسة كما يسمونها فى الراديو، لم تكن واهناً هكذا، مشلولا، لكنك تأمر وتنهى وتتحكم، وتطوح بيديك، تعمل بغزل الطواقى الصوف. لم تجد مفراً من الأسر، دفنتَ بندقيتك تحت شجرة، أسروك وتركتها حرة تحت الرمال إلى يوم يبعثون.

سافر التهامى لإتمام إجراءات تسلم الجسد، فى خلال أيامٍ قليلة. وإلى أن ينتهى التهامى من التصاريح، لم يخل بيتنا من الزوار، عزاء جديد، سواد جديد، دموع جديدة. تجدد فزعى بخصوص سُميّة، كانت شاردة طوال الوقت، يبهت لونها يوماً بعد يوم.

فى ذلك اليوم الرهيب، صبيحة وصول الجثمان إلى مثواه الأخير، أخبرنا التهامى بأن الجسد سيصل قبل الظهر، أوصته آمنة أن يمر الجثمان بالبيت أولا؛ لتتمكن من توديعه. أزعم أن قريتنا «كوم النور» صلّت الظهر يومها وتجمهرت أمام بيتنا، فات الظهر ولم يأت التهامى بالجثمان، صلّى الناس العصر وعادوا، شارفت الشمس على المغيب ولم يظهر أثرٌ للتهامى، تضاعفت الأعداد. لا جدوى من السؤال عن سبب التأخر، لا وسائل اتصال متاحة، فقط الدعاء بسلامة الوصول، والغائب حجته معه.

«أخويا عبدالله على أول البلد».

همست لى سُميّة بعد آذان المغرب. تسرّب الناس إلى الجوامع لأداء الفريضة. خرجت سُميّة إلى البوابة، قبل وصول السيارة العسكرية بثوان. مازلتِ تشعرين به. مرعب هو صمتك يا سمية وقلة دموعك. أعرف أن دموع العالم لا تساوى حزنك. ابكِى يا سمية، اصرخى، الطمى، شقّى جيوبك، فرِّغى الحزن من قلبك النازف. لكن الصغيرة واصلت الصمت والشرود.

منحتنا صلاةُ المغرب الفرصة لتوديع جسد عبدالله. مازلت أذكر الملاءة الزرقاء الكاروهات الملفوف بها. لم تمر دقائق، حتى تجمهر المصلون أمام المنزل؛ لحمل الشهيد إلى قبره. هل عاد بجسده كاملا بعد عامٍ من الدفن؟ ألا يأكل التراب جسد الشهيد حقاً؟ كل شيءٍ يمر بسرعة. يخطفون النعش خطفا. تتهافت عليه الأكتاف الحاملة. أقسم أنه كان طائرا فوق أكتافهم، شعرت أن النعش فوق أكتافهم، يسير بهم، وليس العكس. جريت خلفهم لألحقهم. يومها تهدم جزء من السور المحيط بالمقابر؛ لشدة الزحام.

هذه المقبرة لعبدالله.. ثُلثُ النبوءةِ يا سُميّة تحقق. يقتلنى الخوف عليكِ أيتها الصغيرة. كل يومٍ أراقبُ ذبولَك وشرودَك. تسيرين إلى الموت على مهلٍ. تأكدت من صدق نبوءتكِ عندما بدأ النزيف. فسد دمك يا بنت آمنة. انتقلتْ شكواكِ إليه. لم يحتمل كتمانك. تخلى عنكِ. يومٌا بعد يومٍ تخسرين المزيد من الدماء. خابت محاولات الأطباء فى التفسير والتحليل. لا جدوى من كل هذا؛ كنت أعرف ذلك. لا مفر من الموت، وشيك وقادم لا محالة. كنت أشم رائحة استسلامك له. كنتِ تنادينه بشجاعة لا أعرف من أين أتيتِ بها. يرفض جسدكِ الهزيل المحاولات للتبرع بالدم. يرفض الاستمرار. لكن التهامى لم يستسلم. واهناً أمامكِ. ظل يتبرع إلى أن صار الأمر خطراً عليه. رفض الأطباء عرضه بالمزيد. لازمكِ التهامى يا سُمية كظلكِ. ليس بوسعه تحمل فقدٍ جديد. لا تكسرى ظهره يا سُمية. قاومى.

جسدان وروحٌ واحدة، روحك فى جسده وروحه فى جسدك. لم تحتملِى يا سمية انشقاق نصفك عنكِ. انحنت قامة التهامى عبيد، صارت أشبه بهلال أول الشهر العربى. لا أعرف إن كنت قد رأيت دموعه حقا أم تخدعنى الذاكرة.

لكنى أذكر انتفاض جسده، كأنه أمامى الآن. يود لو يصرخ ويتمرغ فى التراب، يود لو يلطم خدوده ويشق جيوبه، يود لو يصير امرأة ليفعل كما تفعل آمنة.

لم أحاول متابعتك يا سُميّة، مثلما فعلت مع عبدالله. تأخر الجمع فى الدفنة. عندما عادوا عرفت باكتمال نبوءتك يا سُميّة. حاولت عائلة عليوة التفاوض على إخراج جسد عبدالله ونقله مع سُميّة ليدفنا فى مقابر العائلة؛ فالمقبرة الجديدة تخالف الطريق. قامت خناقة لرب السماء، كاد التهامى أن يصور قتيلاً، كأنه وجد ضالته لإخراج جام غضبه عليهم. رفض التهامى أن يساعده أحدٌ فى وضع جسد سمية بالمقبرة. اطمأن إلى جوار عبدالله لها. طلب منه أن يحافظ عليها.

بعد أن انتهى، أمَر إخوتى بإحضار الرمل والإسمنت من تحت الأرض. لم يترك التهامى المقبرة إلا وقد طلاها بعجين الإسمنت، لا تعرف لها وجهاً من قفا. لن يُخرج أحد أبناءه من المقبرة. ولن يُدفن معهما ثالث.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق