رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قراءة فى مؤتمر حقوق الإنسان فى مصر

قد تكون المرة الأولى والوحيدة التى تطلق فيها مصر إستراتيجية واضحة ومحددة حول مستقبل حقوق الإنسان فى مصر فى أكثر من مجال .. بحيث شملت آفاق المجتمع كله، ومن هنا كان المشروع شاملا تضمن الكثير من الرؤى والأفكار .. لم يتردد الرئيس عبدالفتاح السيسى أن يطرح مجموعة من الأفكار رغم أنها مثار جدل وخلاف على المستوى الدينى والاجتماعى .. وكان فى مقدمتها قضية الطلاق الشفهى وتحديد النسل والزيادة السكانية وحرية العقيدة وإصلاح الخطاب الدينى.

> وهذه القضايا على درجة كبيرة من الحساسية لأنها تشتبك مع واقع اجتماعى وثقافى لم يغير ثوابته عشرات السنين .. ولكن الرئيس كان حاسما وهو يوضح وجهة نظره أن قضية الطلاق لابد أن تحسم لأنها حق من حقوق المرأة، وينبغى ألا يفرط المجتمع فى حماية حقوقها .. وان القضية واجهت اعتراضا دينيا ولكن هذا لا يعنى أنها حسمت ..

> سوف يبقى الخلاف حول الزيادة السكانية وما تعانيه موارد الدولة أمام الملايين الذين يتدفقون كل يوم إلى الشوارع ويريدون طعاما سليما وتعليما راقيا ورعاية صحية كافية وسكنا وأمنا واستقرارا .. وهذه الملايين تمثل ضغطا شديداً على موارد الدولة وان الزيادة السكانية واحدة من أخطر مشاكل الاقتصاد المصرى..

> وحين تحدث الرئيس السيسى عن قضية إصلاح الخطاب الدينى كانت حرية العقيدة هى الأساس الذى انطلقت منه دعوته .. وتحدث عن دور العبادة فى مصر وهى لا تفرق بين المسجد والكنيسة مستشهدا بمئات الكنائس التى شيدتها الدولة فى السنوات الماضية .. كانت هناك قضية مازالت مثارا للخلاف حتى بين سلطة القرار وهى إلغاء الديانة فى بطاقة الرقم القومى، وأن ذلك يرتبط بالزواج والطلاق والميراث .. وكلها قضايا متشابكة وتخضع لديانة كل إنسان وهذا حق للمجتمع قبل أن يكون حقا للمواطن..

> حسم وزير العدل المستشار عمر مروان الخلاف حول قضية الديانة فى الرقم القومى، مؤكدا أن ذلك يتعارض مع عدد من القوانين التى تتناول قضايا الزواج والميراث والطلاق .. ولكل عقيدة ضوابطها ولا ينبغى الخلط بين القوانين .. كما أن هناك مواد فى الدستور تضع ضوابط لذلك ولا ينبغى تجاوزها..

> وجاء الحديث عن قضية ازدراء الأديان وكيف تحولت إلى سيف مسلط على رقاب محاولات الاجتهاد فى الدين وهذا يقف أمام الحوار فى قضية إصلاح الخطاب الدينى ..

> كان الحوار فى معظم القضايا عميقا وحاسما ويعكس رغبة الدولة فى تقديم مشروع إستراتيجية متكاملة لحقوق الإنسان فى السنوات الخمس القادمة .. شملت الإستراتيجية قضايا حقوق المرأة ودورها وبرامج تشجيع الشباب فى العمل والتعليم والتدريب وتكافؤ الفرص .. وانتقل إلى مشروعات التنمية من خلال عرض كامل لإنجازات الحكومة فى الزراعة والصناعة والتعليم والصحة والخدمات .. ومع ذلك كله مشروع حياة كريمة لتنمية الريف المصرى فى كل المجالات..

> بقيت هناك قضايا فى إستراتيجية حقوق الإنسان، وفى مقدمتها الثقافة وحرية الآراء والإبداع والأحزاب السياسية ودور المجتمع المدنى .. وكلها أدوار تخضع للممارسة والتنفيذ وتتطلب قوى شعبية ووطنية تتبناها وتدافع عنها وتحرص عليها ..

> جاءت قراءة السيد سامح شكرى وزير الخارجية للخطة فى بداية المؤتمر شاملة واضحة، خاصة وهو يتحدث عن تكوين الأحزاب السياسية والحريات وحقوق الإنسان بمفهومها الشامل من خلال تجارب الآخرين .. وجاء العرض الذى قدمه السفير احمد إيهاب جمال الدين مندوب مصر فى لجنة حقوق الإنسان فى جنيف واضحا متكاملا وهو يتناول كل جوانب الخطة..

> لابد أن أعترف أن المؤتمر كان شاملا وجمع الكثير من القضايا التى حركت المياه الراكدة فى حياة المصريين .. وسوف تثير جدلا واسعا، لأنها جمعت الكثير من الآراء، وربما الخلافات فى الآراء والمواقف سوف تفتح آفاقا لحوارات اشمل..

> إن الشيء المؤكد أن الرئيس عبدالفتاح السيسى قد طرح أكثر من قضية يمكن أن تكون مجالا للحوار الخلاق .. إن أخطر ما اقترب المؤتمر من القضايا ما يمس الجانب الاجتماعى، خاصة ما يتعلق بالأسرة المصرية من الزواج والطلاق، خاصة زواج القاصرات .. وهى قضية لها جذور قديمة فى الريف المصرى وأصبحت خطرا على مستقبل الأجيال القادمة فى حشود من المواليد الصغار .. كما أكد الرئيس أن من هم بلا تعليم أو وعى أو ثقافة سيكونون أرضاً خصبة للإرهاب، وان هذه القضية تمثل عبئا ثقيلا على الأسرة والمجتمع فى وقت واحد..

> توقفت عند الجانب الفكرى والثقافى فى إستراتيجية مصر لحقوق الإنسان، وهنا كان من الضرورى وضع أهمية خاصة لوعى المواطن .. بما فى ذلك مواجهة فكر الإرهاب ودور المؤسسات الدينية والعلماء وأهل الفكر لأن الوعى وحده لا يكفى ودور الأمن ليس الحل الوحيد .. من هنا يأتى الاهتمام بثقافة المواطن ولا يقتصر ذلك على المدن، ولكن مشروع حياة كريمة لابد أن يهتم بوعى وثقافة الريف المصرى لأنه جزء من القضية..

> لم يتوقف المشروع كثيرا عند المستقبل السياسى لتجربة مصر مع حقوق الإنسان، رغم أنها من الأسس التى تحتاج إلى ضمانات من الدولة .. وهى تطرح مشروعها للمستقبل يأتى فى هذا الإطار مستقبل الأحزاب السياسة ودورها القادم فى تعزيز الديمقراطية .. وهنا لن نتجاهل دور المجتمع المدنى سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وكيف يؤكد دوره بجانب القوى الاجتماعية الأخرى..

> إن قراءة إستراتيجية حقوق الإنسان بهذه الشمولية والوضوح تضع أقدام مصر على أبواب مرحلة جديدة تمهد الطريق نحو ديمقراطية حقيقية تتناسب مع ظروفنا وثوابتنا .. ولعل هذا ما أكده الرئيس عبدالفتاح السيسى وهو يتحدث أمام الضيوف الأجانب أن لكل مجتمع ظروفه ومكوناته وتاريخه، وليست هناك تجارب تصلح لكل الشعوب والأوطان ..

> كان سامح شكرى حكيما هادئا وهو يطرح أفكاره .. ولم تخل المناقشات من مشاغبات وألغام إبراهيم عيسى .. بينما أدار شريف عامر الندوة بقدر كبير من التوازن والمصداقية..

> تبقى عندى بعض الملاحظات

أولاً أن الإعلام المصرى بكل وسائله لابد أن يفتح حوارا شاملا حول كل ما جاء فى هذه الإستراتيجية، وأن يقدمها للعالم بكل الشفافية .. لأنها تمثل صفحة جديدة فى حياة المصريين أن واجب الدولة الآن أن توضح حقوق مواطنيها فى كل الجوانب .. وأن يكون الحوار الراقى المترفع وسيلتنا للخلاف ..

ثانيا : هناك جوانب خلافية خاصة فى القضايا الاجتماعية وهذه الجوانب لابد أن تعامل بقدر من الحكمة مثل تحديد النسل والطلاق الشفهى وزواج القاصرات وإلغاء الديانة، وكلها جوانب حساسة تتطلب الوعى والحكمة..

ثالثا : لم يكتمل الحديث ولم يحسم حول قضية الحبس الاحتياطى، خاصة فى المواطنين الذين لم يتورطوا فى جرائم جنائية ولم تثبت عليهم أعمال تدينهم .. خاصة أن بينهم من قضى فى الحبس الاحتياطى فترات طويلة تتجاوز ما حدده القانون ..

> تبقى نقطة أخيرة بقدر ما اقتنعت بكثير مما جاء فى هذه الإستراتيجية بقدر حاجتها إلى مراجعة بعض ما جاء فيها ولا سبيل لذلك غير الحوار .. كانت هناك قضايا خلافية على درجة كبيرة من الحساسية لأسباب اجتماعية ودينية ولكن كان الحوار مثمرا وجادا وأعطى فرصة لكل الآراء والاجتهادات..

 

ويبقى الشعر

وعَلمتـَنـَا العِشْقَ قبلَ الأوَانْ

فـَلمَّا كـَبـِرْنـَا .. ودَارَ الزَّمانْ

تبرَّأتَ منـَّا .. وأصبَحْتَ تنـْسى

فـَلم نـَرَ فِى العشْق غير الهَوانْ

عَشِقـْناك يا نيلُ عمرًا جميلا

عَشِقـْناك خَوْفـًا .. وَليْلا ًطويلا

وهَبْنـَاكَ يَومًا قلوبًا بَريئـَةْ

فـَهلْ كانَ عِشْقــُكَ بعضَ الخَطِيئةْ ؟!

طـُيوركَ ماتتْ ..

ولم يبقَ شىءٌ على شاِطـئيـكَ

سِوَى الصَّمتِ .. والخوفِ .. والذكرياتْ

أسِافرُ عنكَ فأغُدو طـَلِيقا ..

ويسقط ُ قيْدِى

وأرجعُ فِيكَ أرَى العُمرَ قبرًا

ويصْبحُ صَوْتِى بقايَا رُفاتْ

طيوركَ ماتـَتْ ..

ولم يبقَ فِى العشِّ غيرُ الضحَّايا

رمادٌ منَ الصُّبح .. بعضُ الصِّغارْ

جَمعتَ الخفافِيشَ فِى شَاطِئيـْـكَ

وماتَ علـى العين ِ.. ضوءُ النـَّهارْ

ظلامٌ طويلٌ على ضِفتيكَ

وكلُّ مياهكَ صارتْ دماءْ

فكيفَ سَنشَربُ منكَ الدِّماءْ ..؟

تـُرى مَنْ نعاتبُ يا نيلُ ؟ قـُلْ لِى ..

نعاتب فيكَ زمانـًا حزينـًا ..

منحناهُ عمرًا .. ولمْ يُعطِ شيئـًا..

وهل ينجبُ الحزنُ غير الضياعْ

تـُرى هل نعاتب حلمًا طريدًا .؟

تحطم بين صخور المحال ِ..

وأصبح حلما ذبيح الشراعْ

تـُرى هل نعاتبُ صبحًا بريئـًا ..

تشردَ بين دروبِ الحياة ِ

وأصبحَ صبحًا لقيط َ الشعاعْ ؟

تـُرى هل نعاتبُ وجهًا قديمًا

توارى مع القهر خِلف الظلام ِ

فأصبح سيفـًا كسيحَ الذراعْ ؟

تـُرى من نعاتب يا نيل ؟ قـُلْ لِى ..

ولم يَبق فى العمر الا القليلْ

حملناك فى العْين حباتِ ضوءٍ

وبين الضلوع ِ مواويلَ عشق..

وأطيارَ صبح تناجى الأصيلْ

فإن ضاعَ وجهىَ بين الزحام ِ

وبعثرتُ عمرى فى كل ِ أرض.

وصرت ُ مشاعًا .. فأنتَ الدليلْ

تـُرى مَنْ نعاتبُ يا نيلُ ؟ .. قـُلْ لِى ..

وما عادَ فِى العمْر وقت ٌ

لنعشَقَ غيرَكَ .. أنت َالرَّجاءْ

أنعشَقٌ غيرَكْ ..؟

وكيف ؟.. وعشقـُكَ فينـا دِماءْ

تروحُ وتغـُدو بـِغير انتهاءْ

أسافرُ عَنـْكَ

فألمحُ وجْهَكَ فِى كلِّ شىءٍ

فيغدُو الفناراتِ .. يغدُو المطاراتِ

يغدُو المقاهِى ..

يسدُّ أمامِىَ كلَّ الطـُّرق

وأرجعُ يا نيلُ كىْ أحْترقْ

وأهربُ حينـًا

فأصبحُ فى الأرض ِطيفـًا هزيلا

وأصرخ فى النـَّاس .. أجْرى إليهم

وأرفـَعُ رأسِى لأبدُو مَعَكْ

فأصْبحُ شيئـًا كبيرًا .. كبيرًا

طويناكَ يا نيلُ بينَ القـُلوب

وفينـَا تـَعِيشُ .. ولا نـَسْمعُكْ

تمزِّقُ فينـَا ..

وتدركُ أنك أشعَـلـْتَ نارًا

وأنك تحرق فى أضلـُعِكْ

تعربدُ فينا ..

وتدْركُ أن دمَانـا تسيلُ ..

وليسَتْ دِمَانا سِوى أدمُعِكْ

تركتَ الخفافيشَ يا نيلُ تلـْهُو

وتعْبثُ كالموتِ فى مَضجَعِكْ

وأصبحتَ تحيَا بصمت ِ القبور

وصوتِى تكسَّر فِى مسمَعِكْ

لقـْد غبتَ عنـَّا زمانـَّا طويلا

فقـُلْ لى بربك منْ يرجعُكْ؟

فعشـُكَ ذنبٌ .. وهجرُك ذنبٌ

أسافرُ عنكَ .. وقلـْبى مَعَكْ

قصيدة "أسافر منك.. وقلبي معك" سنة 1986


لمزيد من مقالات يكتبها فاروق جويدة

رابط دائم: