رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بارقة أمل قوية من بغداد

كانت الجلسات الجانبية على هامش مؤتمر «بغداد للتعاون والشراكة» لا تقل أهمية عن الجلسات الرسمية، فقد كانت دهاليز المؤتمر وجلساته الجانبية فرصة لفتح الكثير من الحوارات حول القضايا الكثيرة والمعقدة التى تراكمت على مدى العقود الأخيرة، والتى شهدت موجات تلو الأخرى من الأزمات والحروب والاضطرابات، وأصبحت المنطقة ساحة معارك واسعة، ومركز تصادم وتصفية حسابات لدول إقليمية ودولية، أنهكت شعوب المنطقة ودولها، وإذا كان البعض يأخذ على مؤتمر التعاون والشراكة أن إعداده جرى على عجل، فإنى أراها ميزة، ودليلا على رغبة واسعة لدى قادة المنطقة للخروج من تلك الدائرة الجهنمية للصراعات والأزمات، والبحث عن مشتركات، وإيجاد مسارات لحل الأزمات، وهى خطوة كبيرة نحو تحقيق آمال شعوب المنطقة فى تحقيق الاستقرار، وتكريس الجهود والطاقات والموارد نحو التنمية، بدلا من إهدارها فى الصراعات والحروب والنزاعات التى دفعنا ثمنها الباهظ طيلة العقود الأخيرة.

شاهدت وفود دول كانت هناك قطيعة بينها تتبادل الأحاديث، وتتفق على ضرورة عقد المزيد من اللقاءات، وكان من الصعب تصور أن يجمعها مكان واحد أو تتصافح، فالاستقطابات كانت حائلا بين الكثير من دول المنطقة، وكان العراق ساحة ساخنة لتلك الحروب، والآن أجد العراق قد أصبح جسرا للحوار والتلاقى والشراكة، وهذا نجاح كبير يحسب للعراق والدول المشاركة، ونقطة انطلاق نحو تحقيق خطوات أبعد، ما كان يمكن أن تتحقق إلا بتلك الخطوة المهمة.

وعندما كنت أجلس مع الوفود الإعلامية للدول المشاركة وغيرها من كبار الصحفيين والمراسلين العرب والأجانب دارت الأحاديث حول الكثير من الاشتباكات والأزمات، لكنى لأول مرة وجدت أن هناك تفاؤلا أكبر من أى وقت مضى وأن الأمور آخذة فى التحسن، وأن القادم أفضل، وأن هناك إرادة قوية لدى قادة دول المنطقة لتجاوز المرحلة الأخيرة الصعبة، وأن معظم الوفود لديها رغبة كبيرة فى أن يكون الحوار هو السبيل لحل كل الأزمات، ووضع أوزار الحروب والصراعات، ولهذا كانت الاستجابة السريعة لمبادرة الحوار والشراكة، ليكون اللبنة الأولى لعهد جديد من العلاقات بين دول المنطقة والإقليم وباقى دول العالم، حيث تم وضع الأسس الضرورية التى تحكم تلك العلاقات، وفى مقدمتها عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول، وألا توفر أى دولة ملاذا للجماعات الإرهابية والمتطرفة، وعدم اعتداء أى دولة على أخرى، واحترام السيادة الوطنية.


وأرى أن هذا الإطار كفيل بأن يعيد الثقة بين دول المنطقة، ويخفف من حالة الاحتقان، بل يضع أعمدة قوية، ومحددات وأطرا واضحة لعلاقات قابلة للتحسن. وأثناء حديثنا عن مختلف الأزمات كنا نختلف فى التقديرات حول بعض القضايا، من سبل حل القضية الفلسطينية، والأزمة السورية، وحرب اليمن، والاتفاق النووى مع إيران، والأزمات بين تركيا والعديد من الدول حول احتضان بعض الجماعات المتطرفة، وغيرها من القضايا الإقليمية والدولية، لكن ما لاحظته أن الجميع التزموا آداب الحوار العقلانى، وكانوا يستمعون لبعضهم البعض، دون اتهامات أو إساءات، بل لمست الحرص على تضييق الخلافات والبحث عن مخارج لتلك الأزمات، وتقدير الجميع أن الحوار الذى بدأ فى بغداد قفزة كبيرة باتجاه إيجاد أرضية مشتركة، وأنه يذيب الجليد المتراكم، ويفتح قنوات كانت مسدودة، وأن ما تحقق من اتفاقيات أولية يفوق التوقعات، ويمكن البناء عليها لتحقيق الأهداف المرجوة، والتى تصل إلى جعل المنطقة مستقرة وآمنة وتحتاج إلى تضافر الجهود لتحقيق مشروعات تنموية كبيرة تجلب الخير لشعوب المنطقة، وتجعل من التكامل وتبادل المنافع هدفا من السهل تحقيقه، ما دام قد توافرت الإرادة والقناعة بأن نبذ الصراعات والإرهاب وعدم التدخل سيكون ملزما للجميع، وعندئذ سيكون الطريق ممهدا لتحقيق المزيد والمزيد من الخطوات الإيجابية، وتتدفق الاستثمارات، وتتنقل العمالة، وتنمو المشروعات، ويكون من مصلحة كل دولة أن يعم الاستقرار فى جميع الأرجاء.

هذه الأجواء الإيجابية لمستها أيضا من الجلوس مع أعضاء وفود دول مختلفة، وجدت تلك الروح المشتركة فى تجاوز مرحلة المحن والنزاعات، والتى زاد منها تفشى جائحة كورونا، وظهرت تأثيرات تغير المناخ، وهذا النوع من الكوارث العابرة للحدود يحتاج إلى تضافر الجهود والعمل الجماعى المشترك، لأن أى ضرر ينتقل من دولة إلى أخرى، فكلنا فى عالم واحد، وعلينا أن نشارك فى حماية كوكبنا ومنطقتنا، وأن ننطلق من تعميم الفوائد ومواجهة الكوارث، حتى نستطيع تجنب الآثار السلبية والعواقب التى تجلب الضرر للجميع.

لقد كان مؤتمر التعاون والشراكة فى بغداد فرصة للتأمل والمراجعة، والاستماع إلى وجهات نظر كانت فيما قبل تتباعد، وتتحول إلى حملات ومشاحنات، وإذا بها الآن حوار هادئ فيه الكثير من المصارحة التى تفتح آفاقا أمام محادثات واتفاقيات ومشروعات مشتركة، وكانت مبادرة كل من مصر والعراق والأردن لتشكيل مجموعة للشراكة الاقتصادية والسياسية خطوة ملهمة على نفس الطريق الذى سار عليه مؤتمر بغداد، واستطاعت الدول الثلاث أن تدشن مشروعات مشتركة مهمة فى مجالات الاتصالات والمواصلات والنقل والبناء والكهرباء والبترول والصناعة وغيرها من المجالات، وكانت هذه المبادرة موضع إشادة من الحضور، وبقعة ضوء كبيرة، منحت الأمل فى أن ترى المنطقة تحولات كبيرة نحو التنمية والشراكة والتقارب ونبذ الخلافات.

وعندما كنت أسير فى شوارع بغداد وأجلس على مقاهيها, وأتبادل الحديث مع مواطنيها، كنت أجد أن حب مصر يجمع بين كل أطياف العراقيين، فالجميع يرحبون بى ويصممون على أن أحتسى معهم مشروبا، واندهشت لأنى وجدت هذه المحبة والترحيب يتفق عليها الجميع، سواء شيعيا أو سنيا أو كرديا وغيرهم من الأقليات التى تشكل مكونات العراق وتجسد حضارته العميقة الجذور، والتى ربطت بين الشعبين منذ القدم، والأمل كبير فى أن يكون العراق جسر محبة وتواصل وحوار بناء، وأن تكون مصر سندا للعراق فى الخروج من أزماته، وأن يتبوأ المكانة اللائقة به، ليوفر لشعبه الأمان والرخاء، ويذود عن أمته، وأن نرتقى بعلاقات التعاون والإخاء بما يحقق لشعبينا وشعوب المنطقة الخير والسلام.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: