رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قمة «حسن الجوار»

عندما وصلت إلى بغداد شعرت بالارتياح والتفاؤل، فبرغم الحرارة الشديدة التى تتجاوز الأربعين درجة، فالشوارع عامرة بالحركة، والمحال بها مختلف السلع، والمقاهى استعادت بهجتها، فالعراقيون يستطيعون تحدى كل الصعوبات بل الأهوال .

مرت بذاكرتى المآسى التى تعرض لها العراق على مدى أربعة عقود، من الحرب العراقية الإيرانية، إلى غزو الكويت وحربها، فالحصار الذى اعتصر العراقيين وجفف شرايين حياتهم، ثم الغزو الأمريكى للعراق والدمار الواسع الذى خلفه، ولم يكد يخرج الأمريكيون فى يناير 2011 حتى جاء تنظيم داعش ليبيد الأخضر واليابس ويرتكب المجازر والتفجيرات والذبح الجماعي، حتى تمكن العراقيون من القضاء على معظم قدرات وخلايا هذا التنظيم، وأصبح العراق ينعم بالأمن رغم هجمات متفرقة لبقايا داعش هنا وهناك، وهذا شيء طبيعى لأى تنظيم إرهابى يحتضر، فيضرب بشكل عشوائى الأسواق والخدمات فى محاولة يائسة لإثبات الوجود .

تجاوز العراق كل هذه المحن، وغدًا تحتضن بغداد مؤتمر «قمة الجوار»، بمشاركة قادة دول عربية وأجنبية، لتكون جسرا لعلاقات تآزر وإخاء وتعاون، وتفتح آفاقا جديدة للسلام والطمأنينة، بعد أن عانت طويلا من ويلات الحروب والإرهاب، وكانت ساحة للنزاعات والاستقطاب، لهذا فهى عازمة على أن تصبح جسرا للتعاون والسلام والتنمية وتحقيق الرخاء للجميع، وهى إحدى الغايات التى سعى إليها التجمع الذى دشنته كل من مصر والعراق والأردن لبدء مرحلة جديدة فى المنطقة التى عانت من ويلات الحروب والإرهاب والنزاعات التى استنزفت الموارد.

ولا شك أن الهدف الأسمى من وراء ذلك هو إرساء دعائم الأمن والتنمية لترفع أعباء النزاعات عن كاهل دول المنطقة، لتصبح التنمية المستدامة والرخاء هى الغاية التى يتجمع حولها شعوب المنطقة، لتحقيق الازدهار الذى يتوق إليه الجميع، والذى نادى به الرئيس عبد الفتاح السيسى فى مختلف المنتديات الدولية، من الأمم المتحدة إلى آسيا وأوروبا وإفريقيا، وظل متمسكا بأمل القضاء على النزاعات والحروب واجتثاث الإرهاب وغرس بذور التطور والعلم والتعاون الدولي، وتوجيه الطاقات نحو الإنشاء والتنمية المستدامة.

وها هى بغداد تصبح منصة وجسرا لتلاقى الدول العربية ومحيطها الإقليمى والدولي، لتسعى إلى هذه الغاية النبيلة، التى طالما حلمت بها شعوب ودول العالم، خاصة بعد المعاناة الصعبة خلال العقود الأخيرة، والتى أضيف إليها مشكلة التغير المناخى وآثاره الضارة والخطيرة، والتى تحتاج إلى تضافر الجهود الدولية من أجل سلامة الأرض التى نعيش عليها جميعا، ونحميها من النفايات والغازات الضارة، والحد من الكوارث الناجمة عن هذا التلوث، من فيضانات مدمرة وحرائق تدمر الغابات والحقول، وتهلك الزرع والبشر، والجفاف الذى يضرب مناطق واسعة من العالم، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا بالعمل الجماعى.

ومن هنا فى بغداد تنطلق واحدة من أهم المبادرات الإقليمية والدولية، ليبدأ العرب وجيرانهم مرحلة جديدة من التعاون الخلاق والإيجابي، لتُطوى صفحة قاتمة من الآلام والنزاعات، وتبدأ صفحة جديدة فى حياة شعوب المنطقة، وتكون مثالا يحتذى لقدرة البشر على التحدى الإيجابى والخلاق، وكانت مصر والعراق والأردن قد أخذت على عاتقها وضع أسس علاقات جديدة فى المنطقة، تقوم على التعاون القابل للتمدد والتوسع ليشمل دول المنطقة العربية والشرق الأوسط، وأتوقع لهذه الجهود أن تجد الصدى المناسب، وتحقق خطوات جادة وناجحة، لأنها تمتلك مقومات النجاح، فشعوب المنطقة متلهفة لأجواء التعاون والتنمية بعد أن دفعت أثمانا باهظة من ثرواتها ودماء أبنائها أثناء النزاعات والحروب والتصدى للجماعات الإرهابية.


كما أن الدول الثلاث تنشط من أجل تحويل تلك الغاية إلى وقائع ملموسة على الأرض، مثل مشروع الربط الكهربائي، وتمديد خطوط نقل نفط البصرة إلى العقبة الأردنية ثم إلى سيناء المصرية، ليكون شريان خير ونماء للدول الثلاث، ويصبح للبترول العراقى نافذة على البحر المتوسط مرورا بخليج العقبة أيضا، كما فتحت بغداد أبوابها للصادرات المصرية والشركات المصرية المشاركة فى مشروعات إعادة إعمار العراق، حتى يستطيع التغلب على مشكلاته، وينتج ما يحتاجه من كهرباء ومياه شرب، ولا يتحمل أهله انقطاع الكهرباء فى مثل هذا الطقس الحار أو باقى فصول السنة، وينهى معاناة النازحين الذين تركوا بلداتهم بسبب الحرب على تنظيم داعش الإرهابى وما سبقها من حروب متواصلة.

لقد حان الوقت لكى يتمكن العراقيون من التقاط أنفاسهم، وأن تتحول بغداد إلى جسر للمحبة والسلام والتعاون، بدلا من أن تكون ساحة للنزاعات الإقليمية والدولية، وتتضافر جهود كل من مصر والعراق والأردن فى توسيع نطاق التعاون ووضع حد للحروب والنزاعات، لهذا لا يريدون دخول حروب جديدة ويعيدون بناء دولتهم العميقة الجذور.

وتمتلك الدول الثلاث مقومات مهمة تجعلها قادرة على تحقيق حسن الجوار والسلام والتنمية، بحكم موقعها وثقلها السياسى والاقتصادى ورؤيتها المشتركة وأهدافها المعلنة حول ضرورة استتباب الأمن ونبذ الإرهاب ووقف الأطماع واحتلال الأراضى بالقوة، والإساءة إلى الجيران لعدم مراعاة الحقوق المشروعة فى مياه الأنهار وثروات البحار، والحفاظ على البيئة، وأعطت هذه الدول نموذجا يحتذى فى نمط علاقات تقوم على التعاون البناء فى التنمية، وإنشاء شركات ذات منفعة مشتركة، وتطوير خطوط النقل والمواصلات والبترول والربط الكهربائي، ورفع معدل التبادل التجاري، وتسهيل تنقل البضائع والأفراد.

كل هذه الإجراءات من شأنها أن تحقق تقدما ملموسا ينعكس على الشعوب، وتشعر بتقارب أكبر، وتدفع عجلة التكامل والتعاون بكل حماس، كما يتميز هذا التعاون الثلاثى بين مصر والأردن والعراق باتساع رقعته، وقدرته على التأثير، فالعراق فى أقصى المشرق العربى ويقع فى آسيا مع الأردن، ومصر فى الشطر الإفريقي، والبوابة إلى باقى الدول العربية المغاربية وباقى القارة الإفريقية، ومن شأن هذا التجمع الثلاثى أن يتمدد وينشر ثقافة التعاون وحسن الجوار والتنمية والسلام، وأن يعلو صوت التعاون على صوت طبول الحرب، لينتشر الرخاء والحفاظ على الثروات والبيئة من أجل الأجيال القادمة.


لمزيد من مقالات علاء ثابت

رابط دائم: