رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أمريكا والخروج من العراق

انتهز الرئيس الأمريكي جو بايدن وجود رئيس الوزراء العراقي مصطفي الكاظمي لكي يعلن الخروج الأمريكي النهائي هذه المرة من العراق. قرار الخروج لم يكن الأول فقد تكرر الأمر في الإدارات الأمريكية السابقة، وعندما وصل الرئيس الأسبق جورج بوش الابن إلي بغداد في زيارته الأخيرة كان لإعلان بداية الخروج بعد أن تم إنجاز مهمة الإطاحة بصدام حسين. الرئيس الرابع والأربعون باراك أوباما الذي كان يري أن الحرب الأمريكية في العراق هي حرب في المكان الخطأ اتخذ القرار هو الآخر بالخروج من الدولة. وعندما جاء رئيس آخر هو دونالد ترامب فإنه منذ البداية لم يكن فقط ضد الدخول في العراق، وإنما كان يري أن كل التدخلات الخارجية الأمريكية منذ الحرب الكورية حتي العراق كانت أخطاء فادحة. هذه المرة فإن الأمر جاد للغاية عندما أصدر الرئيس بايدن قراره، وهو ليس فقط نوعا من الجلاء الكامل للقوات الأمريكية، ولكن فيه نوعا من فض الاشتباك ليس فقط مع العراق وإنما قبلها أفغانستان. الأمر هكذا كانت له عدة وجوه يعرفها جيلنا حينما بدا أن الكون قد انقلب رأسا علي عقب عقب الأحداث الإرهابية المروعة التي جرت في نيويورك وواشنطن والتي بعدها خرجت الدولة العظمي الباقية في العالم لكي تعيد الكوكب إلي نصابه. حرب أفغانستان كانت البداية، ومن بعدها جاءت حرب العراق، وفي هذه الحالة الأخيرة جرت العمليات العسكرية والعالم يشاهدها صوتا وصورة. كان ذلك مختلفا تماما عما حدث في حروب سابقة من تغطية في شموله وخبريته حيث كان النقل كما قيل ON TIME لا تزيغه لفتة ولا لمسة، ومن ثم كان في الوضوح الشديد ضلال مبين! الوجه الآخر كان تعبير الولايات المتحدة عن قيادتها للنظام العالمي ولعملية العولمة ذاتها بما كان فيها من إعادة تشكيل القيم والنظم السياسية. ولعل هذه الأخيرة تحديدا كانت هي في النهاية التي تترك كابول، بينما طالبان في الطريق إليها في مشهد عكسي لما جري قبل عقدين؛ والآن مشهد الخروج من المنطقة الخضراء في بغداد، بينما الصواريخ الإيرانية والقاذفات الإرهابية تحيط بها من كل صوب.

قصة ما حدث مع الوجهين سوف تحكيها كتب كثيرة، ولن تكفي الكثير من المجلدات وثائق التشريع للحرب، ولا نجح أحد حتى الآن في الحصر الدقيق للتكلفة في البشر والعتاد والفرص الضائعة والمفقودة. ولكن من يظن أن الولايات المتحدة تخرج من أفغانستان والعراق خروجا من النظام العالمي سوف يكون مخطئا وإنما هو في الأول والآخر محاولة وتصور لإدراك الخطأ والخطيئة. وما بدا من مساواة في القرار الرئاسي الأمريكي بين بوش الابن وأوباما وترامب من قبل والآن بايدن ينبغي له ألا يغفل هذا الأخير الذي وضع هدفا لأمريكا وهو قيادة العالم، وهي قيادة لا تأتي بالانسحاب. بالتعبيرات العسكرية فإننا إزاء حالة من إعادة التموضع بمعني إعادة ترتيب الأوراق وعناصر القوة. في البداية فإن الولايات المتحدة تعلم جيدا أن القوة العسكرية ليس وحدها قوة الدولة، وتحميلها أكثر مما تتحمل وتوريطها في حروب أبدية هو مخالفة لقواعد الدنيا الحالية حيث الاقتصاد والأفكار والقوة الناعمة هي مناط التأثير والتغيير. المرجح هو أن القوة العسكرية لن تختفي وإنما سوف تتحول قدراتها التي بدأت منذ فترة علي طريق الهجوم عن بعد وحتي من داخل الأرض الأمريكية إلي أرض الخارج مباشرة حينما بدأت تكنولوجيا الطائرات المسيرة في التطور الكبير. القطع البحرية الكبيرة سوف تجعل من البحار والمحيطات مدنا حربية متحركة وبعيدة تحرم حروب العمليات الانتحارية ومفرقعات الطرق الجانبية من أهم قدراتها في التعامل مع قدرات جبارة. وقبل كل هذا وبعده فإن الحروب السيبرانية قد بدأت وهي التي سيكون عليها التشويش والتضليل والقتل إذا كان ذلك ضروريا. هل سيكون للفضاء دور في الخروج الأمريكي الحالي والدخول الأمريكي المستقبلي، والإجابة هي نعم ليس فقط في إنتاج الأفكار والقيم، إنما في اصطياد من لا ينبغي اصطياده في العفة الإنسانية.

جزء من عملية إعادة التموضع الأمريكي هذه فيه نوع من الكمون الاستراتيجي حيث يكون البناء الداخلي في الولايات المتحدة، سواء في الاقتصاد أو المجتمع أمرا له أولوية معتبرة. نجحت إدارة بايدن منذ دخولها إلي البيت الأبيض في حشد كم هائل من تريليونات الدولارات للخروج من أزمة الكورونا أولا، وبناء البنية الأساسية ثانيا، وتجديد كل ما يأتي بعد ذلك من صناعة وتطور تكنولوجي، والبحث عن طريقة وطريق لكي تخرج أمريكا من انقساماتها الكثيرة، وربما منع ترامب من العودة إلي البيت الأبيض مرة أخري. الصورة الأخيرة للتغييرات الأمريكية المقبلة تبدو على الورق نوعا من أفلام الفضاء الخارجي التي يوجد فيها كل أمر لامع وبراق، ويعمل فيها الناس طوال الوقت حيث العمل والإنتاج والعيش والممارسات الحميمة كلها تجري في مكان واحد بينما الأكوان تمر في مشاهد خلابة، أما المرور بالثقوب السوداء فسوف يكون له اضطرابات عارضة.

الحلم الأمريكي التاريخي كان دوما التجربة الأمريكية ذاتها وما لها من جاذبية جذبت بالفعل ملايين من البشر إلي دولة يحيط بها محيطان ونجحت في ربع ألفية أن تقود العالم بأكثر مما فعلت الإمبراطورية الرومانية. الآن فإنها بعد أفغانستان والعراق سوف تخط طريقها الذي قد يكون جديدا تماما يتلاءم مع العيش في القرن الحادى والعشرين، أو أنها سوف تبقي علي فلسفة كانت سببا في تدمير دول كانت تعيش حتي دخلت بسمومها إلي داخل أمريكا ذاتها.


لمزيد من مقالات د. عبد المنعم سعيد

رابط دائم: