رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الريف المصرى بين بناء البيوت وإنقاذ العقول

منذ زمان بعيد غابت اهتمامات حكومات مصر بالريف المصرى بناء وإنسانا وفكرا حتى انطلقت أخيرا دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى لإعادة بناء الريف المصرى.. وإنقاذه من عوامل التخلف والمشكلات المزمنة التى يعانى منها صحيا وإنسانيا.. لم يشهد الريف المصرى أى محاولات جادة لتغيير ظروف حياته وواقعه الإنسانى والحياتى منذ تلك التحولات التى اتخذتها ثورة يوليو.. وأهمها فى تقديرى ثورة الأفدنة الخمسة التى حصل عليها الفلاح رغم سلبياتها بعد ذلك ومجانية التعليم وكانت نقطة تحول فى حياة المصريين..

> كان توزيع الملكية الزراعية من أهم التحولات فى الريف المصرى الذى منح الملايين فرصة أن يكونوا ملاكا للأرض، وليسوا مجرد مستأجرين أو أجراء فيها .. وإن كانت الملكيات الصغيرة قد أضرت بالإنتاج الزراعى خاصة المحاصيل الرئيسية التى كانت فى صدارة الصادرات، وفى مقدمتها القطن المصرى صاحب السمعة العالمية الذى فقد الكثير من أسواقه الخارجية..

> كانت مجانية التعليم هى أهم التحولات فى حياة الريف المصرى.. فقد تصدر أبناء الفلاحين والعمال المجتمع وحصلوا على فرصهم لأول مرة فى تاريخ الطبقية الاجتماعية، وما ترتب على ذلك من تحولات عميقة فى الشخصية المصرية فقد وصل أبناء الفقراء البسطاء إلى أعلى مناصب الدولة دورا وتأثيرا..

> منذ زمان بعيد لم يشهد الريف المصرى محاولات للخروج به من دوائر التخلف والفقر.. وبقى على حاله سنوات يحلم بأشياء كثيرة لم تتحقق.. وإن شهد سلبيات كثيرة كان أخطرها وأشدها ضررا تحويل مساحات كبيرة من الأراضى الزراعية إلى مبان والزيادة السكانية الرهيبة التى زادت معها معدلات الفقر وتراجع الخدمات الصحية ومستوى التعليم.. من هنا تأتى أهمية مشروع إعادة بناء الريف المصرى وإنقاذ ما بقى فيه من جوانب التماسك والقوة..

> لقد خصصت الدولة 7٠٠ مليار جنيه لإعادة بناء ٤٥٠٠ قرية خلال ثلاث سنوات.. وهو مشروع ضخم لم يشهده الريف المصرى طوال تاريخه.. كما أن هذا العدد من القرى يمثل تحديا كبيرا.. كما أن الوقت المخصص لإنجاز هذا المشروع يعتبر إنجازا غير مسبوق.. من هنا تأتى أهمية مشروع تطوير الريف الذى يشمل الخدمات والمنشآت والمرافق والترع والطرق والمستشفيات والمدارس ومراكز الخدمات، وهذه المشروعات تقوم على خطط متكاملة من التنسيق والتنفيذ والرقابة والمتابعة..

> هنا أتوقف عند بعض جوانب هذه المنظومة حتى تتكامل فى أهدافها ونتائجها وتنفيذها .. نحن أمام مشروع ضخم لإعادة بناء آلاف القرى التى يعيش فيها ملايين البشر، وخصصت له الدولة مليارات الجنيهات فى ثلاث سنوات، وهو مشروع متكامل فى البيوت والخدمات والمرافق.. وأرى أن هذا التكامل وهذه المنظومة لابد أن يواكبها مشروع فكرى ثقافى لتنمية الوعى والقدرة على التعامل مع هذا الواقع الجديد فكريا وثقافيا..

> إن مشروعات الخدمات الجديدة تتطلب وعيا وثقافة فى التعامل معها، خاصة إذا استخدمت أساليب عصرية.. إن تعميم استخدام الفيزا كارت فى الريف يتطلب علما والمحافظة على سريان المياه فى الترع المبطنة يختلف عن الترع العادية .. والرى بالتنقيط يختلف عن الأساليب القديمة فى الرى بالغمر.. والانتخابات ببصمة اليد غير معرفة القراءة والكتابة.. والأم التى قتلت أطفالها الثلاثة بالسم من أجل عشيقها لا تفعل ذلك لأن ضميرها سيكون أكثر يقظة حين تتخلص من شبح الأمية.. والجرائم الغريبة التى تنتشر فى ريف مصر سوف تنتهى مع الفكر والوعى والثقافة..

> إن المشروعات والمنشآت التى تقيمها الحكومة فى ريف مصر تخسر الكثير فى ظل أشباح الأمية التى تعشش فى عقول الناس.. من هنا أصل إلى جوهر القضية وهو أن الريف المصرى يحتاج بجانب بناء البيوت إلى بناء العقول.. وأن أعراض التخلف ليست فى المنشآت ولكن فى السلوكيات.. وان مشروع تنمية ريف مصر لابد أن يواكبه مشروع مواز لإنقاذ العقول.. إن الريف المصرى لا يحتاج الآن إلى دار الأوبرا، ولكنه يحتاج من يمحو أميته ويخرجه من براثن الجهل والتخلف..

> من هنا فإن الصحة تتطلب وعى المقاومة والإنسان يحتاج إلى العدل قبل المحكمة .. ويحتاج إلى الضمير قبل المواعظ والحكم .. الريف لابد أن نصلح عقله قبل أحواله.. إن مشروع بناء ريف مصر مشروع فريد يمكن أن يجعل حياة الملايين أكثر سعادة واستقرارا وأمنا.. ولكن الأزمة الحقيقية فى العقول..

> إن انتشار الجريمة والتعصب ورفض الآخر والمخدرات والإدمان وغياب الأخلاق والإرهاب كلها جرائم عقلية أمام غياب الوعى والفكر والثقافة.. وعلينا أن نبدأ بإصلاح العقول والضمائر..

> أعود من حيث بدأت أن مشروع إعادة بناء الريف المصرى مشروع طموح تنتظره مصر منذ عشرات السنين.. ومنذ انطلقت صيحات رعاياك يا مولاى تطالب بالعدل والحياة الكريمة ولم يتغير شيء فى حياة الريف المصرى.. وقد تكون هذه الفرصة بداية إصلاح حقيقى وتغيير لهذا الواقع الذى ازداد سوءا وعجزت الحكومات المتتالية أن تصلح فيه شيئا..

> إن بداية الإصلاح الحقيقى لابد أن تنتزع جذور التخلف والفقر والمرض وهى أشياء ترسبت، وأصبحت تحتل مساحات كثيرة فى فكر الناس وواقعهم.. إن المجتمع الذى أفرز الخزعبلات والفكر المتطرف والإرهاب لابد أن نصلح مكوناته وجذوره وهى ظواهر تحتاج إلى الوقت والفكر والدراسة.. ومن هنا تأتى ضرورة أن تواكب عمليات البناء دراسة التحولات الاجتماعية والسلوكية والدينية التى تحكم الواقع الاجتماعى والأخلاقى والاقتصادى فى الريف المصرى، وهذا يتطلب أن تتحمل مؤسسات الدولة الثقافية والفكرية والبحثية مسئولياتها فى إصلاح هذا الواقع..

> إن الدولة سوف تغير الكثير من الواقع المادى فى المنشآت والبيوت والمرافق والخدمات.. ولكن هناك واقعا سلوكيا اجتماعيا أخلاقيا لابد أن يخضع للبحث والدراسة والعلاج.. هناك خطط كثيرة للعناية الصحية عالجت بها الدولة فيروس «سى» ومرضى السرطان وكورونا، ولكن بقيت أمراض أخرى مستعصية فى السلوك والأخلاق تحتاج إلى العلاج والرعاية.. إن مواجهة أزمات البشر وقضايا الإنسان تحتاج دائما لنظرة متكاملة ما بين الواقع والأحلام، وقبل كل شيء تحتاج إلى قدر من التوازن ما بين وعى الفكر وبناء المنشآت..

> إن ريف مصر لابد أن يضاء بالوعى والثقافة، وأن تنطلق فيه مراكز تعيد للعقول إيمانها الحقيقى ووعيها الغائب.. أين الفن فى قصور الثقافة، وأين دعوات الحوار والتسامح فى المساجد والكنائس والمدارس.. هناك دور ثقافى حضارى فكرى غائب عن ريفنا منذ أطلق توفيق الحكيم دعوته لعودة الوعى وثرنا عليه جميعا ولم نسمع له..

> إن ريف مصر يمثل مصر الحقيقية، ولاشك أن إصرار الرئيس عبدالفتاح السيسى على مشروع بهذه الضخامة وهذه الإمكانات يحتاج إلى دعمنا جميعا حتى نرى ريفا يليق بنا فى منشآته وخدماته ووعى ناسه وحبهم للحياة..

> نتمنى أن نرى ريفنا الجميل يتمتع بخدمات أفضل وتعليم أرقى ورعاية صحية أكثر إنسانية.. وقبل هذا أن نرى ريفنا أكثر ثقافة ووعيا واستنارة.. إن الريف المصرى هو المنجم الذى قدم لمصر أذكى وأغلى عقولها فى كل المجالات فكرا وفنا وإبداعا.. وقد تعرض لعمليات تشويه كثيرة ما بين التطرف والخزعبلات ودعاة التخلف والاشتراكية حينا والرأسمالية المتوحشة أحيانا والانفتاح فى كل الأحيان.. وقد جاء الوقت لإعادة الريف المصرى إلى ثوابته القديمة التى قامت على الوعى والدين الحقيقى المتسامح والولاء للوطن وأن الدين لله ومصر لكل أبنائها..

 

ويبقى الشعر

لوْ أنـَّنـَا .. لمْ نـَفـْتـَرقْ

لبَقيتُ نجمًا فى سَمائِكِ ساريًا

وتـَركتُ عُمريَ فى لهيبكِ يَحْترقْ

لـَوْ أنـَّنِى سَافرتُ فى قِمَم ِ السَّحابِ

وعُدتُ نـَهرًا فى ربُوعِكِ يَنطلِقْ

لكنـَّها الأحلامُ تـَنثــُرنـَا سرابًا فى المدَي

وتـَظلُّ سرًا .. فى الجوَانح ِ يَخـْتنِقْ

لوْ أنـَّنـَا .. لمْ نـَفـْتـَرقْ

كـَانـَتْ خُطانـَا فِى ذهول ٍ تـَبتعِدْ

وتـَشـُدُّنا أشْواقـُنا

فنعُودُ نـُمسِكُ بالطـَّريق المرتـَعِدْ

تـُلقِى بنـَا اللـَّحظاتُ

فى صَخبِ الزّحام كأنـَّنـا

جَسدٌ تناثـَرَ فى جَسدْ

جَسدَان فى جَسدٍ نسيرُ .. وَحوْلنـَا

كانتْ وجوهْ النـَّاس تجَرى كالرّياح ِ

فلا نـَرَى مِنـْهُمْ أحد

مَازلتُ أذكرُ عندَما جَاء الرَّحيلُ ..

وَصاحَ فى عَيْنى الأرقْ

وتـَعثــَّرتْ أنفاسُنـَا بينَ الضُّـلوع

وعَادَ يشْطـرُنا القـَلقْ

ورَأيتُ عُمريَ فى يَدَيْكِ

رياحَ صَيفٍ عابثٍ

ورَمادَ أحْلام ٍ.. وَشيئـًا مِنْ ورَقْ

هَذا أنا

عُمرى وَرقْ

حُلمِى ورَقْ

طفلٌ صَغيرٌ فى جَحيم الموج

حَاصرَه الغـَرقْ

ضَوءٌ طريدٌ فى عُيون الأفـْق

يَطويه الشـَّفقْ

نجمٌ أضَاءَ الكونَ يَومًا .. واحْتـَرقْ

لا تـَسْألى العَينَ الحزينة َ

كـَيفَ أدْمتـْها المُقـَلْ ..

لا تـَسْألِى النـَّجمَ البعيدَ

بأيّ سرّ قد أفـَلْ

مَهمَا تـَوارَى الحُلمُ فِى عَينِي

وَأرّقنِى الأجَلْ

مَازلتُ ألمحُ فى رَمادِ العُمْر

شَيئـًا من أمَلْ

فـَغدًا ستنـْبـتُ فى جَبين ِالأفـْق

نَجماتٌ جَديدهْ

وَغدًا ستـُورقُ فى لـَيالِى الحزْن

أيَّامٌ سَعِيدة ْ

وغدًا أراكِ عَلى المدَي

شَمْسًا تـُضِيءُ ظلامَ أيَّامي

وإنْ كـَانَتْ بَعِيدهْ

لوْ أنـَّنـَا لـَمْ نـَفترقْ

حَملتـْكِ فى ضَجر الشـَّوارع فـَرْحتِى ..

والخوفُ يُلقينِى عَلى الطـُّرقاتِ

تتمَايلُ الأحلامُ بينَ عُيوننـَا

وتـَغيبُ فى صَمتِ اللــُّـقا نبضَاتِي

واللـَّيلُ سكـّيرٌ يُعانِقُ كأسَه

وَيَطوفُ مُنـْتـَشِيًا عَلى الحانـَاتِ

والضَّوءُ يَسْكبُ فى العُيُون بَريقـَه

وَيهيمُ فى خَجل ٍ عَلى الشُّرفـَاتِ ..

كـُنـَّا نـُصَلـّى فى الطـَّريق ِ وحَوْلـَنا

يَتنَدَّرُ الكـُهَّانُ بالضَّحكـَاتِ

كـُنـَّا نـُعانِقُ فى الظـَّلام دُموعَنا

والدَّربُ مُنفطـٌر مِنَ العَبراتِ

وتوقـَّفَ الزَّمنُ المسافِرُ فى دَمِي

وتـَعثـَّرتْ فى لـَوعةٍ خُطوَاتي

والوَقتُ يَرتـَعُ والدَّقائِقُ تـَخْتـَفي

فنـُطـَاردُ اللـَّحظـَاتِ .. باللـَّحظـَاتِ ..

مَا كـُنتُ أعْرفُ والرَّحيلُ يشدُّنا

أنـّى أوَدّعُ مُهْجتِى وحيَاتِى ..

مَا كانَ خَوْفِى منْ وَدَاع ٍ قدْ مَضَي

بَلْ كانَ خوْفِى منْ فِراق ٍ آتي

لم يبقَ شَيءٌ منذ ُكانَ ودَاعُنا

غَير الجراح ِ تئنُّ فى كلِمَاتي

لوْ أنـَّنـَا لـَمْ نـَفترقْ

لبَقِيتِ فى زمن ِ الخَطِيئـَةِ تـَوْبَتِي

وجَعَلتُ وجْهَكِ قبْلـَتِى .. وصَلاتِي

[email protected]
لمزيد من مقالات يكتبها فاروق جويدة

رابط دائم: