رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عندما يتكلم الحب

أحمد البرى;

أكتب إليكم عن زوجتي الراحلة، فلقد كانت ملاكا أرسله الله لي، وعشت معها سنوات قصيرة، لكنها كانت أجمل سنوات حياتي، حيث رحلت عن الحياة في الثانية والأربعين من عمرها، وتركت لي خمسة «زهور» أكبرهم في السادسة عشرة من عمره، وأصغرهم في سن الثانية، ومررت بمرحلة ذهول، وتخبطت بي السبل، ولم تتوقف دموعي حزنا علي فراقها، وهي المخلصة لي، والتقية لربها، والحنون بأهلها.. ولا تغيب عن ذاكرتي فترة خطبتنا وقصة الحب الرائعة التي ربطتنا، إذ كانت تنتظرني في شباك شقتهم بالدور الأرضي في الشارع الذي أسكن فيه وتضع خدها علي الشباك، وهي تستمع إلي أغنية نجاة الصغيرة «من الشباك.. وأنا خدي علي الشباك»، والتي أصبحت أغنيتنا المفضلة التي نسمعها كل يوم منذ زفافنا، وعشنا معا سنوات جميلة.. وتعرضنا بعد ذلك لفترة مريرة عندما أصابها المرض اللعين، وهي ترضع الطفل المولود، وتم استئصال ثديها الأيمن بعد كثير من التحاليل والأشعات، وهي شاكرة ربها، وراضية في إيمان وثبات عظيم بما قدره لها، وخضعت للعلاج الكيماوي الذي لا يقل بشاعة عن المرض نفسه، وسقط شعرها، وهزل جسمها، وعرفت من الأطباء أن المرض الذي ألمّ بها من النوع الشرس، وأنها لن تعيش سوي أيام معدودة. 

ويا لها من أيام عصيبة عشتها، وأنا أترقب رحيلها بين حين وآخر، ولا أستطيع أن أقدم لها شيئا غير الصلاة والدعاء، وحانت «لحظة الفراق» وسط دموع الآلاف من المصلين يوم الجمعة في مسجد عمرو بن العاص، ودفنتها ودفنت معها روحي وقلبي وعقلي، وأنا أحتسبها عند الله. 

وبعد انتهاء العزاء ذهب كل إلي حاله، وأصبحت وحيدا مع أطفالي الخمسة، لا أعلم ما أفعل لهم، وما الذي يخبئه لنا القدر؟، وبينما أنا غارق في أحزاني وهمومي، حضرت حماتي وبناتها الست، واتفقن معي علي التناوب لخدمة أبنائي، وكان من المستحيل استمرار هذا الوضع نظرا لانشغالهن بأبنائهن وأزواجهن، فقدمت إجازة بدون مرتب من عملي الحكومي، وتفرغت لتربية أولادي، واكتفيت بعملي التجاري الذي يدر عليّ دخلا لا بأس به، وتوليت خدمتهم من طهي الأكل، والغسيل وتنظيف المنزل ومتابعة دروسهم، وذات يوم أصيبوا جميعا بنزلة برد شديدة، فذهبت بهم إلي الطبيب، وسهرت علي علاجهم وعمل الكمادات اللازمة لهم.. وكل هذا لم يغنهم عن وجود من ترعاهم، فألح عليّ أخوتي وأصدقائي المقربين بالزواج، فوافقت برغم أنني لم أتصور أن تحل أخري محل زوجتي الراحلة، واعترضت حماتي وبناتها وتحدثن مع أبنائي الصغار، وقلن لهم أنني سوف أرتبط بزوجة تعذبهم وتكويهم بالنار، فأصابهم الرعب، فتخليت عن الزواج حتي أهديء روعهم، وواجهت حماتي وبناتها لحل مشكلتي، واتفقنا علي أن تقيم حماتي معنا، وهي سيدة عجوز تعدت الخامسة والسبعين من عمرها، والحق أنها تفانت في خدمتهم والسهر علي راحتهم حتي أنهكت تماما وأصبحت طريحة الفراش، وفي النهاية غادرت منزلي إلي بناتها لرعايتها، وأصبحت في حيرة من أمري، بعد أن تخلي الجميع عنا، فعاودتني فكرة الزواج مرة أخري، وأصبح شغلي الشاغل اختيار زوجة مناسبة، وكان هذا أمرا صعبا جدا، إذ من ترضي بشخص لديه خمسة أبناء صغار؟، وكلما تقدمت لإحداهن ترفضني، حتي عرض عليّ أحد أصدقائي قريبة له، فوافقت وتم تحديد ميعاد لزيارة أهلها، وعند دخولي بيتهم شعرت براحة كبيرة، وجلست معها هي وأبيها وأخيها، وتحدثنا عن المسئوليات الكبيرة وظروف عملي التجاري، فوافقت علي تحمل المسئولية رغم اعتراض بعض أخوتها، وتزوجنا، وكانت لحظة فارقة في حياتي، فقد تحمّلت الكثير من المصاعب في تربية أولادي دون شكوي أو ضجر، وضحت بمالها وصحتها لإسعادي وإسعاد أولادي الذين أحبوها، بل ووقفت بجانبي في تسديد ديوني حتي تحسنت أحوالي المادية كثيرا، ورجعت أيضا إلي عملي الحكومي وأنا مطمئن البال، ولاقي أبنائي اهتماما كبيرا منها في إحضار معلمة لهم إلي البيت لتحفيظهم القرآن الكريم، والمحافظة علي الصلاة وتفوقوا في دراستهم، وحصل ابني الأكبر علي مجموع كبير في الثانوية العامة، والتحق بإحدي كليات «القمة»، وتخرج فيها بتفوق، وعلي الجانب الآخر أحبتها حماتي وبناتها كأنها واحدة منهن، ولاقت حب جميع من تعامل معها، فهي قوامة بالليل، وزاهدة ومعطاءة، تقدم الكثير من الصدقات، وقد رصدت مبلغا كصدقة جارية علي روح زوجتي الراحلة.. ومن فضل الله أن هناك تشابها كبيرا بينهما، وكأنها ملاك آخر بعثه الله لي، وهدية كافأني بها المولي عز وجل لصبري، وإني أشكر الله علي فضله ونعمته، وأرجو من كل من يصيبه كرب ألا ييأس من رحمة الله، وأن يعلم دائما أن مع العسر يسرا.. والحمد لله رب العالمين.

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

 إنها النفوس الراضية يا سيدي، نفس زوجتك الراحلة، ونفس زوجتك الحالية، ونفسك، فلقد رضيتم جميعا بما قسمه الله لكم، فطابت نفوسكم جميعا، وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالي: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَي رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي» (الفجر 27ــ 30)، فلقد صبرت زوجتك الراحلة علي المرض، وأدركت قول رسول الله: «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أذيً وَلا غَمٍّ، حَتَّي الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ فِي مَرَضِهِ، وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً، وَقُلْتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً، قُلْتُ: إِنَّ ذَاكَ بِأنَّ لَكَ أجْرَيْنِ؟ قال: «أجَلْ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أذيً إِلا حَاتَّ اللهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ»،

وَعَنْ عَطَاء بن أبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: ألا أُرِيكَ امْرَأةً مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَي، قال: هَذِهِ المَرْأةُ السَّوْدَاءُ، أتَتِ رسول لله فَقالت: إِنِّي أصْرَعُ، وَإِنِّي أتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي، قال: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أنْ يُعَافِيَكِ»، فَقالت: أصْبِرُ فَقالت: إِنِّي أتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي ألا أتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.

والإنسان إذا أصابته مصيبة تكون له أربع أحوال هي التسخط، وهو محرم، والصبر، وهو واجب، ,الرضا، وهو مستحب، ,الشكر، وهو أعلاها وأكملها.

وأتوقف هنا عند قول الله عز وجل: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ» (البينة:7، 8)، ففي هذه الآية الكريمة، يبين الله مدي أهمية الرضا، فهو الصفة الأساسية في المؤمن، ولمن يبحث عن السعادة، أو كما يقولون: «السعادة هي فن الرضا بالمتاح»، فالرضا هو القدرة علي الانتقال من حالة التعلق إلي حالة الاستغناء.. ومن حالة الانشغال بما هو أقل أهمية مهما كان من خيارات الدنيا بالأعلي أهمية، وهو الآخرة، فحينما يحقق العبد الرضا في قلبه، يصل للنتيجة المرجوة، وهي رضا الله، كما قال سبحانه وتعالي: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ» (الفتح: 18(، والرضا هو الفوز العظيم، ففيه راحة البال بدلاً من الجري وراء السراب، وفيه أيضا السعادة برضا الله.

ويقول تعالي: «قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (المائدة: 119)، وعن العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «ذاق طعم الإيمان، من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلي الله عليه وسلم نبيا ورسولا»، ولذلك الرضا لا يناله إلا عباد الله المخلصين، الذين اختصهم الله عز وجل، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟! فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا».

إذن الرضا هو السعادة في الدارين، بأن ينال المرء راحة البال في الدنيا، وما أعظم هذا الأمر، ثم يكون ممن يختصهم الله من عباده يوم القيامة بالرضا عنهم، فارض بما قسم الله لك تكن أغني الناس، وزيادة علي الرضا، ساد الحب بينكم، وعرفتموه في أسمي معانيه، علاوة علي التضحية والإيثار، فعمت الطمأنينة حياتكم، فهنيئا لكم ما أنتم فيه من سعادة واستقرار، وراحة البال، وأسأل الله أن يسكن زوجتك الراحلة جنات النعيم، وأن يوفقك مع زوجتك الحالية وفقكم الله لما يحبه ويرضاه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق