رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

زيارة قصيرة فى ممالك الشعراء

اعتدت دائما أن أطوف فى حدائق الشعراء ولا اقترب من إبداعات شاعر إلا إذا سافرت فى مشوار حياته وقرأت سيرته الذاتية ميلادا وحياة وعمرا ومكانا.. أحب سيرة البشر سواء كانوا مبدعين أو مفكرين وحتى الساسة أسافر فى حياتهم أحيانا بحثا عن حقيقة أو رصدا لمواقف أو تفسيرا لأشياء غامضة .. وهناك خيوط رفيعة تجمع بين الشعراء وإن اختار كل شاعر أسلوب حياته وإبداعه وعلاقته بالبشر والحياة والأشياء..

> أحببت أربعة شعراء ينتمون إلى ثقافات وأديان وأوطان وجنسيات مختلفة أحببت طاغور شاعر الهند وإقبال شاعر باكستان وعمر الخيام شاعر إيران وجبران خليل جبران شاعر لبنان .. والثقافة العربية جمعت بين الشعراء الأربعة أشياء كثيرة إبداعا وفلسفة وحياة .. كانوا من أكثر شعراء العالم إنسانية وجمعتهم دائما قضايا الإنسان فى الحرية والعدالة والخير والجمال .. هناك إبداع يدعو للشر والظلم والنفاق والدجل والرزيلة وهناك إبداع يجسد الحق والعدل والجمال .. وأجمل ما فى الشعراء الأربعة هذا الصفاء الروحى المترفع الذى اقترب بهم من أفاق الصوفية والزهد والاقتراب من الخالق سبحانه وتعالى

> كانت حياة طاغور تجربة إنسانية واسعة حتى حصل على جائزة نوبل وكان أول من حصل عليها فى الشرق .. مات أبوه وزوجته وابنته واتجه إلى بيت بسيط على نهر الجانج المقدس لدى الشعب الهندى وجمع أربعة تلاميذ علمهم الشعر والفلسفة .. وحين حصل على جائزة نوبل أقام جامعته الشهيرة دار السلام فى ضواحى مدينة كلكتا على مساحة عشرة أفدنة وكانت المحاضرات فيها تحت الأشجار ويعيش فيها التلاميذ مع الأساتذة .. وحين زرتها منذ سنوات كانت مساحتها على مائة فدان ولا ادرى كم هى الآن .. كان طاغور شاعرا متصوفا يكتب الشعر ويرسم ويعزف الموسيقى والغريب انه كان أستاذا لغاندى الثائر الهندى العظيم ..

> على الجانب الأخر يقف محمد إقبال شاعر باكستان وواحد من فلاسفة الإسلام العظام .. كان سياسيا حكيما وواحدا من دعاة الإصلاح وشاهدا على استقلال باكستان وكتب شعرا جميلا تغنى فيه بحب رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام .. وهو من الرموز الإسلامية التى تحتل مكانة بارزة فى قلوب المسلمين فى كل مكان وقد غنت له كوكب الشرق قصيدته الشهيرة حديث الروح ..

> وما بين طاغور وإقبال وكلاهما يمثل ثقافة وعقيدة مختلفة يقف عمر الخيام الشاعر وعالم الفلك والفيلسوف وأشهر الشعراء فى اللغة الفارسية .. وقد حمل تناقضات كثيرة فى حياته وشعرة مابين الحرية والالتزام وإن اقترب أحيانا من مناطق الشطط وإن جمع بين الزهد والتفريط وبين الشك واليقين .. وهو من أكثر شعراء الشرق شهرة فى الغرب وهناك جمعيات أدبيه تحمل اسمه وأشهرها فى انجلترا.. وقد ترجم شاعرنا الكبير احمد رامى رباعيات عمر الخيام وغنت أم كلثوم مقاطع منها وقد أجاد رامى فى ترجمة شعر الخيام حتى قيل أن الترجمة تجاوزت فى جمالها النص الأصلى .. كانت حياة الخيام رحلة إبداع جميله ما بين الزهد والتصوف والشك واليقين وحين رحل أوصى بان يدفن فى نياسبور .. وبعد دفنه تدفقت فى الأرض عين ماء تحولت إلى حدائق خضراء ومازالت حتى الآن تفخر نياسبور بقبر الخيام الذى تحيطه الحدائق من كل جانب .. وبقى الخيام واحدا من أحب واقرب الشعراء إلى قلبى.

> أعود إلى واحة من أجمل حدائق الشعر العربى وهو جبران خليل جبران أشهر الشعراء العرب فى العالم خاصة أوروبا وأمريكا .. هاجر فى شبابه إلى أمريكا تاركا لبنان أجمل بلاد العرب وهناك فى الغربة كتب أجمل أعماله النبى «أرواح شاردة» أجنحة متكسرة «المجنون» دمعة وابتسامة .. وأصبح كتاب جبران خليل جبران «النبى» واحدا من أشهر الإبداعات فى العالم وتراه فى كل مكتبات العالم بعشرات اللغات .. عاش جبران فى أمريكا وكانت بينه وبين الكاتبة اللبنانية مى زيادة قصة حب على الورق لأنها كانت خطابات متبادلة فلم يلتقيا أبدا وان بقيت بينهما قصة حب عذرية جميلة .. ولكن مارى هاكسل المرأة الأمريكية أخذت سنوات عمر جبران الأخيرة وعاش معها حتى رحل ولم يبلغ الخمسين من عمره .. بينما أصيبت مى بالجنون وقيل حزنا عليه حتى عادت إلى لبنان وماتت هناك .. كان جبران شاعرا وفنانا ورساما وحقق شهرة لم يصل إليها كاتب أو شاعر عربى فى أوساط الغرب .. رغم وجود شعراء كبار فى المهجر مثل إيليا أبو ماضى وميخائيل نعيمة إلا أن جبران تجاوز الجميع شهرة وإبداعا .. وإن بقى شعراء المهجر علامة مضيئة فى تاريخ الشعر العربى الحديث..

> أعود من حيث بدأت مع أربعة شعراء أحببتهم جمعت بينهم قضايا الإنسان فى الحب والعدل والجمال وكل واحد عاش تجربته كما أراد وما أحب.. جمعت بينهم عقائد واديان مختلفة وقبل هذا اختلفت التجارب ما بين الغربة والموت والشك والإيمان واليقين .. المهم إننى أحببت هؤلاء الشعراء وعشت مع كل واحد منهم مراحل مختلفة من حياتى .. أحببت زهد طاغور ويقين إقبال وشكوك الخيام وصوفية جبران .. كلها حدائق من الإبداع الجميل الذى اثرى الحياة وجعلها أكثر بهاء وجلالا وروعة ..

> يبقى بعد ذلك أن ساحات الإبداع أجمل ما فيها التنوع والاختلاف وان كل مبدع يمثل حالة فريدة .. انه دولة مستقلة ووطن له حدوده ومملكة لها قوانين تحكمها .. إن الإبداع يختلف فى مشاعره ومواقفه وهذا ما يفرق بين الحشائش والنخيل وبين الأنهار والمستنقعات .. والشعوب تفرق بين إبداع تعيش به الأجيال جيلا بعد جيل وأشياء مثل الغبار يعمى العيون ويفسد الأذواق ويمتهن الجمال ..

> بقى طاغور شاعر الهند داعية للحق والعدل والسلام وعاش إقبال أغنية فى قلوب تحب الحياة وكان الخيام أنشودة ما بين الشك واليقين واستطاع جبران أن يجعل الأديان واحة تؤوى إليها القلوب المتعبة .. كثيرا ما احلق فى سماء طاغور واجد فيها راحة النفس وصحوة الضمير ويحملنى إقبال إلى عالم من صفاء الروح واجد عند الخيام حيرة الإنسان فى زمن الشتات .. وعلى ضفاف جبران أجد الحياة أكثر جمالا وصفاء وعدلا إنها حدائق الشعراء التى اتسعت لهذا الكون وأصبحت ملاذا من وحشة الأيام وحيرة الزمان والمكان والبشر..

> إن ممالك الشعر تختلف وكل شاعر ملك زمانه وان كانت بعض الممالك لها خصوصية وتاريخ وإبداع ولكن الشيء المؤكد أن الشعر يبقى بكل نقائه ورموزه وتأثيره .. قد تحدى الشعر تقلبات الزمن وكان شهادة على عصره ولولا قصائد المتنبى ما عرف الناس كافور الإخشيدى وحتى سيف الدولة ولولا ابن زيدون ما أطلت الأندلس بهذه الصورة المضيئة فى تاريخ العالم .. إنه الشعر ألأبقى والأجمل..

 

ويبقى الشعر

سَيَأْتِى إِلَيْكِ زَمَانٌ جَدِيدٌ

وَفِيٌّ مَوْكِبَ الشَّوْقِ يَمْضِى زَمَّانِي

وَقَدْ يُحَمَّلُ الرَّوْضَ زَهْرًا ندياً

وَيَرْجِعُ لِلقَلْبِ عَطِرٍ أَلَامَانِي

وَقَدْ يَسْكُبُ اللَّيْلَ لَحْنًا شجياً

فَيَأْتِيكِ صَوْتِيٌّ حَزِينٌ الأَغَانِي

وَقَدْ يَحْمِلُ العُمْرُ حُلْمًا وَلِيداً

لِحُبِّ جَدِيدٍ سَيَأْتِى مَكَانِي

وَلَكِن قَلبَكِ مَهْمَا اِفْتَرَقْنَا

سَيَشْتَاقُ صَوْتِى.. وذَكْرَى حَنَانِي

<<<

سيَأْتِى إِلَيْكِ زَمَانٌ جَدِيدٌ

وَيُصْبِحُ وَجِّهِى خَيَّالًا عَبَرْ

وَنُقْرَأُ فِى الَّليْلِ شُعْرًا جَمِيلاً

يَذُوبُ حَنِينًا كَضَوْءِ القَمَرْ

وَفِيِّ لَحْظَةٍ نَسْتَعِيدُ الزَّمَانَ

وَنُذَكِّرُ عُمْرًا مَضَى وَاِنْدَثَرْ

فَيُرْجِعُ لِلقَلْبِ دِفْءُ الحَيَاةِ

وَيَنْسَابُ كَالضَّوْءِ صَوْتُ المَطَرْ

وَلَنْ نَسْتَعِيدَ حكايا العِتَابِ

وَلَا مِنْ أَحَبَّ..وَلَا مِنْ غَدَرْ

 

[email protected]
لمزيد من مقالات فاروق جويدة

رابط دائم: