رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الواقع الاجتماعى ومخاطر الانقسام

عندى مخاوف كثيرة تصل إلى درجة الانزعاج من حالة الانفلات التى تجتاح الواقع الاجتماعى فى مصر، وعندى من الشواهد والمبررات ما يؤكد ذلك .. إن حجم المتغيرات التى يشهدها الشارع المصرى تتجاوز كل الحدود والحسابات ويكفى أن تشاهد حالة الانقسام التى أصبحنا عليها فى كل شيء.. لا يوجد الآن شيء نتفق عليه نحن على خلاف فى كل شيء حياة ومظهرا وسكنا وثقافة وتعليما..

> إن أخطر ما فى الظاهرة أننا أصبحنا أمام أكثر من مجتمع وأكثر من أسرة وأكثر من مكان.. نحن الآن على المستوى الطبقى والاجتماعى لاشيء يوحد بيننا.. إن تجمعات الجونة غير عالم العشوائيات فى جزيرة الوراق وسكان إمبابة غير التجمع الخامس ومدينتى والرحاب والشيخ زايد .. هناك واقع اجتماعى واقتصادى مختلف حتى فى مناطق مثل الساحل الشمالى تجد أبراج العلمين شيئا يختلف عن العجمى وسيدى كرير..

> والشيء المؤكد أن نوعية البشر تغيرت فى كل شيء هناك ما كان يسمى الطبقة المتوسطة، وقد تراجعت أمام جماعات جديدة من أثرياء الصدفة .. رغم أن هذه الطبقة كانت تمثل العمود الفقرى لأى مجتمع وهى العقل المفكر والضمير الحى والتميز والإبداع .. سكنت الطبقة المتوسطة ضواحى العشوائيات أعرف نماذج رفيعة من الصفوة تسكن فى أفقر أحياء القاهرة.. لأنه لا يملك الملايين التى يشترى بها شقة مساحتها مائة متر .. إنه الواقع الاجتماعى الذى يفرض نفسه بقسوة على الطبقات الفقيرة التى كانت تسمى الطبقة المتوسطة..

> لقد فرقت الفوارق الطبقية بين أبناء الوطن الواحد، وأصبح لدينا سكان المنتجعات، وسكان المدن القديمة وما بقى من العشوائيات .. كانت فوضى الواقع الاجتماعى هى التى أبعدت المسافات بين من أقاموا الأسوار حول بيوتهم، ومن أصبحوا جزءا من الشارع فى كل مقوماته من الفوضى والتخلف والفقر .. هناك مسافات فرضت واقعا جديدا على حياة الطبقات الفقيرة، وأصبح هناك ما يشبه الانفصال الشبكى الذى وصل إلى درجة العمى فى مجتمع لم يعد فيه احد يرى الآخر..

> لم يقتصر بعد المسافات على جغرافيا السكن والمكان، ولكنه انتقل بالضرورة إلى مكونات الإنسان وثوابت حياته .. وهنا وجدنا مدرسة تختلف تدفع فيها مئات الآلاف ولا ينطق فيها التلاميذ كلمة عربية واحدة .. ووجدنا جامعات خاصة يلتحق بها أبناء طبقة جديدة لا أحد يعرف من أين جاءت وكيف ظهرت .. وهنا وجدنا أنفسنا أمام مجتمع تهجن وفقد ثوابته وجذوره..

> وأصبح من السهل أن تجد فى الأسرة الواحدة من يدرس الانجليزية وآخر يدرس الفرنسية أو اليابانية .. وانقسمت الأسرة على نفسها، ووجدنا مجتمعا من التناقضات فى كل شيءٍ .. لم يكن التعليم هو المفارقة الوحيدة، إن سلوك البشر تغير ولم يعد سكان المنتجعات يشبهون أبناء الأحياء القديمة .. هناك ملامح وصفات اختلفت ووجدنا لغة جديدة للحوار والغناء والكلام وسادت موجات من الفن الهابط والسلوكيات الغريبة بل والشاذة ..

> وكان من السهل أن تنتقل هذه العدوى وتجتاح المجتمع كله بمنتجعاته وعشوائياته ولا تفرق بين سكان القصور وسكان القبور .. وفى ظل مجتمع تعبث فيه أشباح الأمية وتجتاح الملايين من شبابه اختلطت الأوراق وتقاربت المسافات فى السلوك والأخلاق .. ولم تعد الفوارق كبيرة بين أخلاق المنتجعات والعشوائيات لأن المصادر واحدة..

> وهنا كان انتشار المخدرات والجرائم وأعمال العنف والقتل ولم تكن الأسوار حماية ولكن الوباء اجتاح الجميع .. على جانب آخر فإن المجتمع أمام كل هذه التناقضات والفوضى فقد الكثير من ثوابته القديمة فى الرحمة والانتماء والتآلف وأصبح أكثر أنانية فى كل شيء .. وانهارت علاقات اجتماعية عاشت عليها أجيال متعاقبة، وأصبح هدف كل فرد أن ينجو بنفسه ويوفر حياة كريمة لأسرته دون النظر إلى حقوق الآخرين..

> وهنا كانت جرائم الاعتداء على المال العام من الأصول والأراضى، وما تعرضت له ثروات مصر من النهب والسرقات .. إن أخطر ما يواجهنا الآن هو حالة الفوضى والارتباك فى واقعنا الاجتماعى والإنسانى الذى نشعر فيه بالغربة فى وقت تحولت فيه حياة الناس إلى جزر صغيرة وتقطعت أشياء جميلة كانت تمنح الحياة قدرا كبيرا من الجمال والرحمة..

> لابد أن أؤكد أننى لست ضد إنسان حقق نجاحا بطرق مشروعة فيما وصل إليه .. ولكننى أرفض التسلق على جهد الآخرين وتحقيق مكاسب مشبوهة .. إن انقسام المجتمعات على نفسها قضية خطيرة، خاصة إذا غابت مشاعر الألفة والرحمة، وسيطرت الأنانية على سلوكيات الناس وحياتهم..

> إن الأزمة ليست بسيطة نحن أمام علاقات إنسانية واجتماعية تتقطع وأمام مجتمع انقسم على نفسه وخسر أهم مقومات وجوده وهى وحدة نسيجه .. وأمام أجيال مشوهة ما بين تعليم مختلط بلا هوية وثقافة سطحية وفكر مشوه يحدث هذا أمام مستقبل غامض للبشر لا نعرف إلى أين يمضى وما هى نهاية المطاف ..

> إن قضية الانقسام تبدو عند البعض شيئا عابرا او ظاهرة من الظواهر الاجتماعية الطارئة .. ولكن من يتابع بعض الشواهد حولنا سوف يكتشف أن الظاهرة خطيرة، وأن العاصفة شديدة .. من يشاهد الانفصال الطبقى فى المنتجعات وأسعار العقارات وما تشهده من مضاربات سوف يدرك الحقيقة .. ومن يتابع أحوال التعليم فى مصر وما يشهده من تحولات جذرية ما بين مدارس بالآلاف وجامعات بمئات الآلاف سوف يدرك الحقيقة المرة.. ونحن نستقبل أجيالا لا يجمع بينها لغة أو ثقافة أو انتماء..

> وقبل ذلك كله فإن هذه الأجيال رغم التناقضات الكثيرة تجمعها وتوحد بينها أوبئة كثيرة فى المخدرات والفن الهابط ولغة الحوار الفجة والسلوكيات المريضة ..

> إن قضية الانقسام بين أبناء الشعب الواحد ميراث طويل من الجهل والتخلف .. ومن أراد أن يشاهد ذلك كله فإن إعلانات التليفزيون تقدم صورة حية بالواقع الاجتماعى المصرى بمنتجعاته وجامعاته وأحلام طبقاته، وهذه هى الحقيقة لمن أراد أن يعرف..

> إن التقلبات الاجتماعية تحتاج دائما إلى من يقرؤها بوعى وحكمه لأنها تشبه الزلازل وكثيرا ما تترتب عليها آثار مدمرة .. وفى أحيان أخرى قد تحمل آثارا إيجابية وما يحدث فى مصر الآن يحتاج إلى دراسات اجتماعية عن أسبابه ونتائجه وآثاره .. إن لدينا مراكز للدراسات الاجتماعية يجب أن تقوم بدورها فى دراسة الواقع الاجتماعى المصرى وأسباب التغير فيه.

> إن الدولة خصصت ٥٠٠ مليار جنيه للريف المصرى لتجديد شبابه، وهذه خطوة تاريخية لإنقاذ الفلاح المصرى .. ولكن أمامنا واقع اجتماعى ينهار أمام تغيرات حادة وعلينا أن نراقبه ونتابع مخاطره .. هناك أمراض اجتماعية كثيرة يعانيها الإنسان المصرى وصلت به الى حد العزلة والأنانية والهروب إلى الذات وهذه كلها ظواهر جديدة علينا..

> كنا شعبا يحب الحياة ويتفانى فى عشق وطنه ويجامل فى كل المناسبات أفراحا وأحزانا والآن انكمشنا فى منتجعاتنا وعشوائيتنا وأصبح كل إنسان مغلوبا على أمره .. نحن فى حاجة إلى صحوة تعيد للحياة أجمل ما كان فيها من الصدق والمروءة والمحبة مصر الجمال والفن والإبداع..

> كان أجمل ما فينا وحدة شعبنا وأصدق ما فينا الرحمة والألفة .. ولم نعرف الأنانية إلا حين أصبح المال سيفا مسلطا على الرقاب فغابت كل هذه الأشياء وفرقتنا الأهواء وصرنا أغرابا على أنفسنا..

> إن حالة الارتباك والفوضى التى أصابت حياة المصريين وواقعهم الاجتماعى لها أسبابها .. ابتداءً من مجتمع كان يحلل الحلال ويحرم الحرام وأصبح الآن لا يفرق بينهما .. نحن أمام مجتمع كان يحكمه الضمير والآن تحكمه المصالح .. ولم يعد أحد يرى جاره المريض أو تلك الدماء التى تسيل كل يوم ونحن لا نرى ولا نراقب .. لأن كل إنسان مشغول فى نفسه ولا يرى شيئا غير ذاته ومطالب حياته..

 

ويبقى الشعر

ألمٌ .. ألمْ

مَاذا جنيتُ من الألمْ ؟

وجهٌ كسيرٌ .. وابتساماتٌ ..

كضوْء الصُّبْح بعثرها السَّأمْ ..

حُلمٌ حزينٌ بين أطلال النـِّهايةِ ..

فى ذبُول ٍ .. يبتسمْ

عُمْر على الطـُّرقات كالطفـْل اللـِّقيطِ..

يسائلُ الأيَّام عنْ أبٍ.. وأمْ

نهْر جريحٌ

تنزفُ الشطآنُ فى أعْماقهِ

حتـَّى سواقيهِ الحزينة ُ..

ماتَ فى فمهَا النغمْ

ندمٌ .. ندَمْ

ماذا جنيْتُ من الندَمْ؟

سيْفٌ تحنط فوْقَ صدْر النيل ِ..

يَحْكى قصَّة الزَّمَن الأشمْ

سجنـُوهُ فانتحَرَتْ أغانيهِ الجميلة ُ

وانزوتْ أحلامُه السَّـكرى

وصَارتْ كالعدَمْ

شطآنـُه الخضْراءُ تأكلـُها الأفاعِى

مَاؤه الفضّىُّ تسْكنه الرّمَمْ

فى كلِّ شبْر ٍ ..

منْ رُبُوع النـَّهْر أفاقُ

يبيعُ الناسَ جهْرًا .. والذممْ

منْ جاءَ بالوجْهِ الملطـَّخ بالخطايَا

كىْ يؤمَّ النـَّاسَ فى قلبِ الحرمْ

منْ جاءَ بالقلم الأجـِير

لكىْ يبيعَ لنا المَوَاعظ والحكمْ

لنْ يسْتوى سيْفٌ يسبِّحُ للضَلال ..

وَسَيْف عَدْل ٍ .. قدْ حكمْ

عدمٌ .. عَدَمْ

ماذا جنيتُ من العَدَمْ؟

يبْكى أبُو الهَوْل المحطمُ فى ذهُول ٍ..

تعلنُ الأحْجارُ عصْيانَ الهرمْ

هلْ بعْدَ هذا العُمْر ..

يسْقط تاجُهُ المرْصُودُ منْ نـُور ودَمْ ؟

مَا بينَ أنصَافِ الرِّجَال ِ..

وباعَةِ الأوْهَام .. والغلـْمَان ِ

تنتحرُ الشـُّعوبُ ..

وينـْزَوى فجْرُ الأمَمْ

مَازلتُ أمْضى فى الطـَّريق ِ..

وأسْألُ الزَّمنَ الجَبَانَ

بأنْ يثورَ .. وَيقتحِمْ

فيطلُّ منْ بيْن الخرَائبِ ..

ألفُ دجَّال ٍ .. وألفُ مُقامر ٍ..

والكلُّ منْ جسْم الغنيمَةِ يقتسمْ

منْ علـَّم الوطنَ الجميلَ

بأنْ يبيعَ الابن

فِى سُوق النـّخَاسَةِ والعَدَمْ ؟

يَا أيُّها الوطنُ

الذى أسكنتهُ عيْنى

وأسْكننِى سَراديبَ النـَّدمْ

قمْ منْ ترابكَ

أطلِق الأحْجَارَ فى وجْهِ السُّكارَى ..

والمَواخير الكئيبةِ ..

لا تدعْ فى أىِّ رُكن ٍ منْ روابيهَا صنمْ

كلُّ الذى أبقتْ لنا الأيـَّامُ

فى الوَادى الجَميل

دموعُ حُزن ٍ.. أو ألمْ

مِنْ يا ُترى فِينَا ظُلمْ

مِنْ يا ُترى فِينَا ظَلَمْ

فَإَلى مَتَى ..

سَيَظُّلُّ يَحْمِلُنَا زَمَاُن القَهْرِ

مِنْ هَمَّ .. لِهَمْ

وإَلَى مَتَى ..

سَيَظُّلُّ أقْزَامُ الَّزمَانِ الَوَغْدِ

فِى أعْلَى القِمَمْ ؟

وإَلَى مَتَى

سَنظُّلُّ نَجْرى فىِ القَطِيعِ ..

وخَلْفَنا .. ذئب الغَنَمْ؟


لمزيد من مقالات يكتبها فاروق جويدة

رابط دائم: