رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إضاءة فوق سـرير بروكرست

داليا الحديدى;

تحكي الأسطورة اليونانية عن حداد استضاف زوارًا للمبيت بداره، وكان يخصص لهم فراشًا خاصًا، فمن زاد طوله عن قياسات الفراش، بتر الزائد من أعضائه، ومن كان أقصر مدّد أطرافه حتى تتمزق إربا. والزائر الوحيد الذي ينجو من البتر أو التمزيق هو ذاك الذي يناسب مقاسه قياسات السرير.

..................



فى واقعنا كثيرًا ما نقابل من لديه فى قناعاته «سرير بروكرست» الذى يُمزق فيه أى شخص أو أى فكر لا يُطابق قياساته «سرير بروكرست».

فالبعض لديه استعداد أو استسهال لمعاداة وحشر الأفكار ومن يتبنونها فى إطار أو سرير ذهنى يصنعونه بقياسات هذا الحدّاد الصارم. وكل من يخرج خارج إطار قياسات السرير يمزقونه، يبترونه، أويشوهونه اجتماعياً، لينتصروا ضد كل من خالف مقاييس أسِرَّتِهم.

فمنذ القدم يتعلق البشر بكل ما هو موروث من فكر لاعتيادهم على قياسات الماضى والتى تروج للمشى مع القطيع. وبمرور الزمن تغدو تلك القياسات عادات يُقلدها العامة، فتمسى تقاليد لها قوة القانون، ومن يتجرأ على مناقشة تلكم القياسات يُعامل كالصابِئة.

ولأن قانون التغير لا يتغير، فالحياة فى صيرورة دائمة سواء فى أوضاعها وقياساتها، لذا فمن الصعب الاستناد لقانون ثابت فى مجاراة تلك الصيرورة. واذكر مقولة «لأوسكار وايلد» اشار فيها لكون الترزى هو الوحيد الذى تَفَهّم وتقبل تغير آرائه، فقد كان يسأله بكل مرة يقابله فيها عن مقاساته، لإدراكه أن القياسات الجسدية كما الذهنية تتغير تبعًا لتغير الظروف...

أذكر فى صباى أننى لعبت كرة السلة مع واحدة من أمهر اللاعبات فى المدرسة.

وحين اردت استعراض مهاراتى أمامها لإبهارها، أديت حركات بهلوانية بالكرة بتمريرها من تحت أقدامي، وكانت تنظر لى بدهشة، وفى النهاية سألتنى : أصدقًا تتوقعين من الفريق الخصم أو حتى من فريقك أن يتركك تقومين بتلك الحركات أو حتى يسمح لك بتسديد هدف أو حتى بالإمساك بالكرة كل هذا الوقت دون مشاركة باقى اللاعبين؟

كلما مر بى العمر تيقنت أن الحياة مباراة وأن الظروف ستجعل من يشاركونك العيش سواء من فريقك أو من الفريق الخصم لن يتركوك تحقق أهدافك دون أن تتحقق لهم بالمثل مصلحة وإلا مزقوك.

فخلال مسيرة شراع العمر، تتداخل ظروف متشعبة عن قصد أو دونه فتؤثر فى أهدافنا، لذلك فمثلًا: من السفه التوقع أن العمل لثمانى ساعات يوميًا سيضمن لك تحقيق ثروة «ساويرس» وإن عمل الأخير لست ساعات فحسب.

وحتى الصلاة لخمس بالنوافل ليست ضمينة لعلاقة مثلى مع الخالق، فهناك متغيرات أخرى تؤثر فى العلاقة منها درجة صدقك وإخلاصك ومستوى عطائك وامانتك وسواه.

ومحاولاتك التودد لصديق أو أخ بشتى مظاهر الاهتمام ليست ضمينة لاستجابته لمحبتك، فقد تكون هناك اطراف أو ظروف أخرى تؤثر فى العلاقة وإن لم تظهر على السطح كالغيرة أو التعالي.

ومحاولة بعض المختصين فى التغذية حل مشكلة السمنة عن طريق ممارسة الرياضة لساعة يوميًا وتقليل جرعة الطعام مع الالتزام بسعرات محددة قد تنجح مع البعض وتفشل مع آخرين نظرًا لوجود ظروف أخرى تعيق عملية الالتزام بالنظم الغذائية أو ممارسة الرياضة.

ومع هذا هناك من لا يزال يؤمن «بسرير بروكرست» لإنقاص الوزن، فتراه مصممًا على أن ساعة مشى مع اتباع ورقة «الرجيم» ستفضى لإنقاص الوزن.

وحين يفشل مريض السمنة، يُحكَم عليه بضعف الإرادة بالمقارنة بينه وبين من استطاع انقاص وزنه سريعُا.

حقيقة الأمر ان القياسات الفكرية التى تجعلك تتوقع أن تقليل الطعام مع اتباع حمية غذائية ضمينة لحل معضلة الوزن الزائذ لا تنظر بعين الاعتبار لظروف عديدة قد تغيب عنك بسبب اعتناقك لفكرة «سرير بروكست» التى تفسر اسباب السمنة بالإفراط فى الطعام وعدم الحركة. بينما ثمة مؤثرات أخرى منها على سبيل المثال: مدى مقاومة الجسم للانسولين، ومنها أيضُا العمر، وبالنسبة للإناث، مدى اقترابهن من مرحلة انقطاع الطمث التى تؤثر فى عملية الأيض ما يبطئ الحرق، ومنها قدرة الفرد على المثابرة على اداء رياضة منتظمة بالنظر لظروفه المادية التى قد تعوقه من الاشتراك فى ناد رياضى أو تعسر عليه توفير أغذية وأدوية الحمية أو ظروفه الأسرية التى قد تحرمه من ممارسة الرياضة بالنوادى منعًا للاختلاط أو تحت ضغوط تترجم اهتمام المرأة بجسدها برغبتها فى الإغواء.

كما أن وجود حافز من عدمه ينهض كظرف مؤثر. ومنها كذلك وجود المريض فى أسرة داعمة تمنع تداول الكاربوهيدريت والسكريات أو وجوده فى وسط يمرر لك الحلويات بانتظام. فمن يعيش بين عائلة لها وعى صحى يعيش ظرفًا أسهل من الذى يحيا فى وسط يدس له كميات مهولة من السكر فى طعامه منذ الصغر، كالذى يتم إرضاعه بالحليب الصناعى المضاف له سكريات والتى لها أثر فى مضاعفة الخلايا الدهنية فى جسده وبالتالى فسينشأ طفل جسده لديه مقاومة للأنسولين للأبد، علما بأن مقاومة الأنسولين تصيب الإنسان بالشره وإدمان الطعام، فيقع فى دوامة عدم وصوله لنقطة الشبع كما تقلل من مستوى الحرق وتخزن الدهون على الكلي. أيضًا تورث المريض ضعفًا فى النظر وعددًا من الأمراض الجلدية، كما تضعف تركيزه وقد تؤدى على المدى الطويل إلى تكيس المبايض لدى الاناث. عدا التأثير عمل الغدة الكظرية ما يدهور الوضع الصحى برمته لمريض السمنة.

ما سبق يجعل من السفه مقارنة فرد نجح فى خفض عشرين كيلوجرامًا من وزنه خلال أربعة اشهر لأن زيادة وزنه كانت طارئة بسبب مكوثه فى البيت التزامًا بالإجراءات الاحترازية للوباء وبين آخر يُعانى لعقود ظروفا متشعبة، ثم يأتى سفيهً يَحكم عليه فى إطار مقاييس وهمية «لسرير بروكرست».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق