رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الفرصة «الذهبية» للقضية الفلسطينية

أعتقد أن التوقيت الحالى يمثل فرصة ذهبية لإحياء القضية الفلسطينية، وإعادتها إلى صدارة المشهد الدولى من جديد، بعد أن نجحت حرب الـ 11 يوما فى إعادة رسم خريطة الأولويات مرة أخرى فى المشهدين العالمى والإقليمى.

كان الموقف المصرى حاسما وواضحا وقويا منذ البداية فى مساندة الشعب الفلسطينى وصموده، وتمت ترجمة الموقف المصرى إلى تحركات إقليمية ودولية ماراثونية للرئيس عبدالفتاح السيسى حتى نجح فى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفلسطينيين بعد 11 يوما دامية حبس فيها العالم أنفاسه ولم يتنفس الصعداء إلا بعد نجاح مصر فى وقف إطلاق النار.

سالت دماء كثيرة من أبناء الشعب الفلسطينى من الأطفال والنساء والشيوخ الأبرياء، وتهدمت المساكن، والمنازل على رءوس قاطنيها، وتم تدمير المرافق العامة من محطات مياه وشبكات كهرباء وطرق، دون تفرقة بين المنشآت السكنية والعسكرية.


الدمار الكبير الذى عاشته غزة والمناطق الفلسطينية فضح وجه إسرائيل العدوانى أمام العالم، وأسهم فى تغيير الصورة الذهنية لمصلحة الفلسطينيين وقضيتهم العادلة، لدرجة أن صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أفردت غلافها للأطفال الفلسطينيين الأبرياء تحت عنوان «كانوا مجرد صغار» ونشرت تقريرا تضمن صورا وتفاصيل عن حياة الأطفال الفلسطينيين الذين استشهدوا خلال الغارات الإسرائيلية والذين بلغ عددهم 66 طفلا، وذلك ضمن تغطية نادرة الحدوث من صحيفة «نيويورك تايمز» المعروفة بانحيازها لمصلحة إسرائيل.

لم يتوقف الزلزال على الخارج فقط لكنه امتد إلى الداخل الإسرائيلى ايضا حينما نشرت صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية نفس المشهد تقريبا على صدر صفحتها الأولى بعنوان مختلف «هذا ثمن الحرب» ونشرت قصص وأسماء الأطفال الضحايا.

توالت ردود الأفعال وحدث تحول نوعى مهم فى الرأى العام العالمى، ولأول مرة يتحدث وزير الخارجية الفرنسى إيف لودريان عن الفصل العنصرى داخل إسرائيل حينما أشار إلى الصدامات الدموية بين المستوطنين والسكان العرب داخل الخط الأخضر مشيراً إلى أنه فى حال اعتماد حل آخر غير حل الدولتين ستتوافر مكونات فصل عنصرى يستمر لفترة طويلة الأجل، مما أصاب نتانياهو بالذعر واحتج على هذه التصريحات الفرنسية.

على الجانب الآخر فقد تحرك مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ووافق على إنشاء لجنة للتحقيق فى الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان التى ارتكبتها فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، وأكد المجلس فى بيانه أنه «تبنى قرارا بإنشاء لجنة للتحقيق فى الانتهاكات، والتجاوزات لحقوق الإنسان فى الاراضى الفلسطينية المحتلة بما فى ذلك القدس الشرقية وإسرائيل».

وافق على قرار مجلس حقوق الإنسان 24 دولة مقابل رفض 9 دول وامتناع 14 دولة عن التصويت.

لم تتوقف التأثيرات الإيجابية لمصلحة القضية الفلسطينية عند هذا الحد بل إنه ربما تكون هناك علاقة قوية بين ماحدث فى حرب الـ 11 يوما ومشاورات تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة والسير قدما فى طريق الإطاحة برئيس الوزراء الحالى بنيامين نتانياهو أطول رؤساء الحكومات الإسرائيلية بقاء فى السلطة منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948.

الرياح تسير الآن باتجاه نجاح يائير لابيد وحليفه نفتالى بينيت فى تشكيل حكومة ائتلافية حكومية بهدف الإطاحة بـ «نتانياهو» وإن كانت الأمور لن يتم حسمها إلا بعد تصويت الكنيست الإسرائيلى على التشكيلة المقترحة، وإقرارها لتبدأ ولادة الحكومة «المتعسرة» فعليا وسط أنقسامات واختلافات ضخمة تشهدها الساحة السياسية الإسرائيلية.

على الجانب المقابل نجد أن الدولة المصرية تقف الآن بكامل إمكاناتها لمساندة الشعب الفسطينى، وإيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، والمتمثل فى إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

تتحرك مصر الآن بكل قوة لإعادة إعمار غزة، ومادمرته الآلة العسكرية الإسرائيلية فى الاراضى الفلسطينية، وقد بدأ أمس الأول الجمعة عبور معدات هندسية، وأطقم مصرية لقطاع غزة للمساهمة فى إزالة الأنقاض، وركام المنازل، فى إطار التخفيف على مواطنى القطاع، وسرعة إعادة الحياة إلى طبيعتها، وبدء إعادة الإعمار فى ضوء ما أعلنه الرئيس عبدالفتاح السيسى من التزام مصر بسرعة تحسين الأوضاع المعيشية للفلسطينيين، ودعم اعادة الإعمار بمبلغ 500 مليون دولار، وقيام الشركات المصرية بالأعمال اللازمة فى إقامة مساكن للمتضررين، ورصف الطرق، وإصلاح مرافق البنية التحتية التى نال منها العدوان الإسرائيلى.

لم تكتف مصر بإنجازها التاريخى فى وقف إطلاق النار لكنها استثمرت هذا النجاح من أجل تثبيت التهدئة تمهيدا لإطلاق العملية السياسية والتفاوضية من جديد من أجل التوصل إلى السلام العادل والدائم فى المنطقة.

فى هذا الإطار جاءت زيارة الوزير عباس كامل رئيس جهاز المخابرات إلى الأراضى الفلسطينية وإسرائيل فى الأسبوع الماضى، حيث التقى أولا الرئيس الفلسطينى محمود عباس فى رام الله، مؤكدا سياسة مصر الثابتة فى دعم مؤسسات الدولة الفلسطينية الشرعية ورئيسها محمود عباس والاتفاق معه حول كل التفاصيل المتعلقة برؤية مصر بشأن إعادة الإعمار، وتثبيت التهدئة وخطوات لم الشمل الفلسطينى، وإعادة إطلاق المسار السياسى والمفاوضات بين الجانبين الإسرائيلى والفلسطينى للتوصل إلى اتفاق سلام عادل ودائم.

بعد ذلك كانت هناك جولات مكوكية مع رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتانياهو ووزير دفاعه بينى جانتس الذى قدم الشكر لرئيس المخابرات العامة، وطلب نقل شكره إلى الرئيس عبدالفتاح السيسى، موضحا رغبته فى تحقيق السلام على المدى الطويل بما يدعم استقرار المنطقة.

أما زيارة الوفد المصرى إلى غزة فقد كان لها رد فعل مختلف لأن غزة هى الأكثر تضررا من تلك الحرب الدامية.

كان المشهد فى شوارع غزة أكثر من رائع، حيث تحولت شوارع غزة إلى مايشبه شوارع القاهرة فى الاحتفالات الوطنية.

الأغانى الوطنية المصرية كانت تصدح فى الشوارع مرحبة بقدوم الوفد المصرى، وصور الرئيس عبدالفتاح السيسى حملتها الأسر الفلسطينية فى كل مكان تعبيرا عن الشكر والامتنان لما قامت وتقوم به مصر فى مساندة الشعب الفلسطينى ودعم القضية الفلسطينية.

نجح الوفد المصرى برئاسة الوزير عباس كامل فى تثبيت وقف إطلاق النار، ووضع تصور متكامل للتوصل إلى تهدئة شاملة بالضفة وقطاع غزة، واستمرار الجهود والاجتماعات لحل مشكلة الأسرى والمفقودين، بين إسرائيل وحركة حماس.

إلى جوار كل ذلك فقد وافقت الفصائل الفلسطينية على استئناف الحوار الوطنى الشامل الذى كان قد تم إطلاقه فى فبراير الماضى، وذلك خلال الأيام القليلة المقبلة من أجل وضع خارطة طريق للمرحلة القادمة تشمل تشكيل حكومة وحدة وطنية بهدف الإشراف على إعادة إعمار غزة، وإعادة ترتيب البيت الفلسطينى، واستكمال مسارات إنهاء الانقسام الداخلى، من أجل تحقيق مبدأ إعادة «لم الشمل» الفلسطينى، وصولا إلى الهدنة الدائمة والشاملة التى تسمح بإعادة إعمار قطاع غزة، والبدء فى إطلاق عملية سياسية شاملة تتواكب مع تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة من أجل التوصل إلى الحل العادل والدائم وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية

مصر لم تخذل الفلسطينيين قط على مدار 73 عاما ولن تخذلهم أبدا، ويبقى أن تقوم الفصائل الفلسطينية بواجباتها لإعادة الوحدة الفلسطينية، واستثمار الفرصة الذهبية المتاحة الآن للحل العادل للقضية الفلسطينية، من خلال توحيد مواقفهم ورؤاهم فى محادثات القاهرة المرتقبة خلال الأيام المقبلة.


لمزيد من مقالات بقلم ــ ‬عبدالمحسن‭ ‬سلامة

رابط دائم: