رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دراما رمضان بين حرية الإبداع والقيم والواقع

تظل القضية الشائكة حول حدود حرية الإبداع والقيم الاجتماعية من عادات وتقاليد راسخة مثار جدل دائم، ويمتد إلى أهمية دقة التاريخ والتناول الدرامى للتاريخ، والخلافات ظاهرة جيدة، شريطة أن تتسم بالوعى والجدية والرغبة فى التميز، وألا تكون مجرد مشاجرة طائشة بين فرق مختلفة، وأهم أطرافها النقاد والمبدعون والجمهور والخبراء والعلماء المختصون بتلك القضايا محل النقاش. وإذا كنا لا نختلف على أهمية حرية الإبداع لأنه يمنح مساحة واسعة للمبدع دون قيود، تجعله يحاول تقديم ما يراه الأفضل، فإن الدراما التليفزيونية والرمضانية بالذات، حيث لا يذهب المشاهد إلى دار السينما ويختار فيلمه، بل تقتحم عليه القنوات الفضائية بيته وهو وسط عائلته من أطفال وفتيات وسيدات وفئات عمرية، تختلف ميولها وأذواقها وقيمها الاجتماعية وعاداتها وتقاليدها، تضعنا فى مأزق حول حدود الحرية، وقد تابعت بعض المسلسلات بعد تناول الإفطار مع أسرتى، ووجدت أن هناك عدة مشاهد لا أتخيل أنها تحدث فى مصر، وإذا قال البعض إن الواقع فيه الكثير جدا من تنوع الشخصيات والأحداث والغرائب والقيم، فإن علينا أن نقدمها مادامت موجودة، وأن نستوعب وجود أعمال بلطجة وعنف وترد أخلاقى لدى أفراد من الواقع، فإن التركيز على تلك النماذج المنحرفة والغريبة فى سلوكها وملابسها وقيمها الغريبة لا تبرر أن نجعل منها أبطالا وقدوة، أو نتناولها وكأنها طبيعية وشائعة. فهناك مسلسلات نجد فيها علاقات غريبة على مجتمعنا، لا يمكن أن نقدمها كنموذج للشباب والأطفال الذين يتابعون مع الأسرة تلك المشاهد، لأنهم سيتصورون أن المجتمع بهذه الشاكلة التى يقدمها المسلسل. وأنا لا أمنح نفسى الحق فى المنع أو الإباحة، وأتمنى عدم وجود رقابة، وأن يكون المؤلف والمخرج وفريق العمل الفنى هم من يقيمون أعمالهم، ويكونوا على مستوى يرتقى بالفن، ويجعل منه رسالة تبث القيم الإيجابية، وتقدم للأجيال الجديدة فرص التعرف على العالم، دون أن تجعل من النماذج المشوهة والسلبية أبطالا وقدوة، لأن من شأن ذلك أن يؤثر بالسلب على هذه الأجيال التى تجعل من بطلها فى الدراما نموذجا يحتذى به.

لا أريد أن أسرد أسماء تلك الأعمال وأبطالها وتأثير ما قدموه، فلدينا نجوم فى التمثيل والإخراج وتقنيات السينما والدراما ما يجعلهم فى الصفوف الأولى، وعليهم فقط أن يحسنوا اختيار الأعمال، وأن تكون لهم رسالة اجتماعية ووطنية وإنسانية، وأن تسهم أعمالهم فى تربية الأجيال. فالتربية لم تعد تقتصر على المنزل أو المدرسة، وإنما أصبحت الدراما من أهم أدوات التأثير، لهذا يجب أن تكون على قدر هذه المهمة، كما لا أريد أن أتطرق بالتفصيل إلى أخطاء فى بعض الأعمال، خاصة عندما يتطرق العمل إلى وقائع تاريخية بعيدة أو قريبة، لكن عليهم المزيد من الدراسة والمراجعة، والاستنارة بآراء علماء ومتخصصين فى الجوانب التاريخية والدينية وغيرها، ليتجنبوا الأخطاء والسقطات.

وإذا كنت قد أحببت عددا من الأعمال مثل: «الاختيار 2» و«خلى بالك من زيزى» و«القاهرة كابول» و«ضل راجل»، فأعرف أن الأذواق تتباين، وما يعجبنى قد لا يعجب آخرين، وأحترم حرية الاختلاف والأذواق، لكن فى النهاية هناك معايير لتقييم الأعمال الجيدة فى مختلف مفردات العمل الفنى من تأليف وإخراج وتمثيل وتصوير وديكور وموسيقى تصويرية وغيرها من المفردات التى تقدم لنا العمل الدرامى، الذى يشارك فيه فريق كبير من المبدعين. فالدراما التى نراها ليست الممثلين، وإن كانوا الأكثر شهرة بحكم أننا لا نشاهد باقى فريق العمل، وإن كان الآخرون غير المرئيين لهم أدوار لا تقل أهمية عن الممثل، بل هم من وراء نجاح الممثل، فلا نجاح دون نص جيد ورؤية إخراجية، وفنيين يجيدون استخدام أدواتهم من تصوير ومونتاج وديكور وإضاءة وصوت وموسيقى.وهؤلاء الجنود الذين لا نراهم هم الأقل أجرا، بينما يبالغ الكثير من الممثلين فى أجورهم التى أصبحت عشرات الملايين، وهى مسألة تحتاج إلى إعادة نظر من جانب الممثلين الذين يتبارون فى رفع أجورهم، وإلا فإن العمل ستزيد تكلفته، ويكون أجر الممثلين قد التهم الجزء الأكبر من ميزانية العمل على حساب باقى الفريق، بل على حساب جودة العمل نفسه، فالبطل منتج نهائى، يجب ألا يستأثر وحده بالنجاح، ولهذا رأينا نجوما لامعين تراجعت أسهمهم لأن النصوص أو الإخراج أو غيرها من العناصر لم تكن على المستوى المناسب، ولهذا على النجم أن يراعى جودة باقى تلك العناصر.


سعدت بكوكبة من النجوم الجديدة الواعدة، والتى تؤكد أن الدراما والسينما المصرية يمكن أن تستعيد مكانتها، خاصة فى ظل منافسة تشتد مع دراما أخرى لعدد كبير من الدول، وكانت السينما المصرية فى مكانة متقدمة للغاية، وأحد مصادر الدخل القومى، وتنافس السينما الإيطالية والفرنسية والأمريكية، وتقدم لنا أعمالا ونجوما مازلنا نعشق أعمالهم، رغم أن السينما كانت فقيرة فى أدواتها، لكن مواهبهم كانت كبيرة، واستفادوا من احتكاكهم واستعانتهم بخبرات من الجاليات الأجنبية، واستطاعوا أن يضعوا السينما المصرية فى المقدمة، وأحد أهم أدوات قوة مصر الناعمة. لكنى لم أسعد أبدا بهذا الحجم الكبير من الإعلانات الباهظة التكاليف، والتى تقطع علينا متعتنا بمتابعة الأعمال لطول فترة عرضها، حتى أصبحت إعلانات يتخللها مسلسل، ونكاد ننسى سياق الأحداث من كثرتها وطول فترة عرضها. والأسوأ هو التكاليف الباهظة لتلك الإعلانات والتى كان يمكن توجيهها لأعمال الخير فى هذا الشهر الكريم أو على الأقل خفض مدة العرض أو التقليل من حشد النجوم فى الإعلانات وكأنها مباريات إعلانية تتقدمها شركات الاتصالات، فنحن نمر بفترة صعبة من تفشى موجة وباء كورونا والأزمة الاقتصادية العالمية، والمستشفيات المحدودة القدرات وغيرها من الخدمات التى يجب أن تكون لها الأولوية عن حشد النجوم الذين يحصلون على الملايين مقابل إعلان لعدة دقائق. ومما أدهشنى أن بعض النجوم يحصلون على أجور كبيرة فى إعلانات خيرية، وهو تناقض يجب ألا يسقط فيه النجم، فإما أن يكون فى مقدمة المتبرعين أو يعتذر عن عدم تقديم الإعلان.

إن دراما رمضان قد كشفت عن بعض سلبياتنا مثلما كشفت عن إيجابيات مهمة، ومن الضرورى أن نعزز الإيجابيات ونتجاوز السلبيات، وأن نرى الدراما المصرية فى أبهى تألقها، وأن تكون جذابة وإيجابية وتعبر عن هموم بلدنا وأن تقدم نماذج تصلح أن تكون قدوة للأجيال الجديدة.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: