رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عالمية القيم وتعظيم المشتركات الإنسانية

تلتقى الأمم والشعوب على جوامع قِيَميّة مشتركة من شأنها أن تؤسس لروابط وعلاقات راقية تخدم البشرية بأجمعها. وتعدّ القيم الأخلاقيّة على وجه التحديد من أهم القيم التى يجتمع على تعظيمها الناس فى مختلف العصور والدهور.

تحثّنا القراءة المعمّقة للدين والدنيا على تعظيم الجوامع والمشتركات بين الناس وذلك من خلال أركان ثلاثة تبدأ من الايمان بوحدة الخالق، ثم الايمان بوحدة الأصل البشري، وتنتهى بوحدة المعيار الأخلاقى فى التعامل مع الناس، وتتوضح هذه الأركان الثلاثة فى قوله عليه الصلاة والسلام: يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كُلّكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربى على أعجمي، ولا أعجمى على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا أبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى (رواه الترمذى).

لا يمكن للبشرية أن تواجه التحديات التى تجتاح كوكبنا كالأوبئة والكوارث الطبيعية وغير الطبيعية دون التعاون والتضامن، وهذا يستدعى تعزيز مفهوم القيم الانسانية المشتركة. وخلافا لما قد يعتقده البعض فإن القيم الانسانية المشتركة بمعناها العميق لا تُضعف الشُّعور بخصوصيَّة المعتقدات الدِّينيَّة، ولا تناقض الهُويَّة الثقافية أو الوطنية. فمهما اختلفت الأمم والشعوب فى عقائدها وثقافاتها، فلا بد من وجود مشتركات تجمع بينها.

إن مهمة الدين الأساسيّة هى تكميل وتقويم مكارم الاخلاق. ونستجلى ذلك بوضوح فى تأكيد القرآن على وحدة القيم الاخلاقية بين الناس من خلال تحريم الاعتداء على النفس البشرية، واعتباره الاعتداء على نفس واحدة هو بمنزلة الاعتداء على الناس جميعا، وكذلك فإن الاحسان إلى نفس واحدة هو إحسان للناس جميعا.

تتكثف فى شهر رمضان معانى القيم الانسانية بمعناها الأرحب، فرمضان هو شهر الرحمة والجود والتكافل والمواساة. وتكفينا هنا الاشارة القرآنية إلى اتصال تشريع الصيام بالشرائع السابقة التى تنزّلت على أنبياء الأمم الأخرى فى قوله تعالي: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ», فهى تشعرنا بأهمية استحضار المشتركات الدينية والقيميّة بين الأمم وأثرها فى إقامة شعائرنا الدينية الخاصّة والتى تهدف فى نهاية المطاف إلى غاية واحدة تتمثل بتزكية النفس وتحقيق الرقى الروحى والاخلاقي.

تُعزز القيم المشتركة مفهوم الأخوة الإنسانية، ونجد هذا المفهوم جليّا فى رسالة البابا كلنا إخوة كما فى قوله: تعالوا نحلم باعتبار انتمائنا إلى إنسانيّة واحدة، وباعتبارنا عابرى سبيل خُلِقنا من اللحم البشريّ نفسه، وأبناءٌ لهذه الأرض نفسها التى تؤوينا جميعًا، وكلّ منّا يحمل غنى إيمانه أو قناعاته، وكلّ منّا بصوته الخاص، وجميعنا إخوة. فالأخوة الانسانية قيمة عالمية وحقيقة تاريخية وايمانية فى الوقت ذاته، وقد عبّر القرآن عن هذه الحقيقة بأجمل صورة فيقول تعالي: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)(النساء:1) فالانسانية التى صدرت من نفس ورحم واحدة جديرة بأن تجتمع بارادتها ووعيها من جديد، وهنا أقول إنَّ الزكاة هى أوضح تعبير عملى عن الأخوة الانسانية وما تحويه من معانى التضامن والتعاطف والتكافل، بالاضافة الى كونها تجسيدا لمفهوم الرحمة الذى هو غاية الرسالات والشرائع السماوية.

من القيم التى تلتقى عليها البشرية قيمة الكرامة الإنسانية، وهى قيمة تستظل فى رحابها قيمة الانسان وتتأسس حولها أخلاقيات الجوار وروح الحوار. فكرامة الإنسان هى كرامة أصلية تستمد معناها من كونها هبةً من الله للجميع. وهذا يعنى أن التمييز بين الناس على أساس اختلاف العرق أو اللون أو المعتقد، هو بمنزلة إساءة وانتقاص لتلك الكرامة الأصلية التى أنعم الله بها على الناس جميعا .

إن الاختلاف بين البشر فى الثقافة أو المعتقدات لا يمنع من إقامة علاقات أخوية تعزز التضامن والوئام بينهم. فالاختلاف مدعاة للتعارف والتعاون على فعل الخير والابتعاد عن الاثم والعدوان «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» (المائدة: 2). والتعاون يستلزم بناء الثقة وتعزيز مفهوم الخير العام، وهذا يؤسس لبناء الاستقرار ويحدّ من إمكانية حدوث النزاعات والحروب بين الأمم والشعوب، ونستذكر هنا حلف الفضول الذى يمثل أنموذجا راقيا للتعاون بين المجتمعات البشرية، وهو يؤكد رقى القيم الاخلاقية التى كانت عند العرب قبل الاسلام ورفضهم للظلم، وقد أقرّ النبى عليه الصلاة والسلام ماجاء فى هذا الحلف بقوله: لو أنى دعيت به فى الإسلام لأجبت, (سيرة ابن كثير).

ومن القيم المشتركة التى ترتقى بها المجتمعات البشرية قيمة التعددية والتنوع، وهى قيمة تنسجم والسنن الاجتماعية التى خلق الله الناس عليها، فالخالق تعالى هو الذى أراد أن يكون الناس مختلفين؛ لأن ذلك يُحدث بينهم حراكًا معرفيًّا يرتقى بهم نحو التعارف والتعاون والتسابق فى الخيرات ، والتى تمثل بمجموعها غاية الأديان والشرائع.

تسهم قيمة التعددية فى تقبل الاختلاف وشحذ طاقات الانسان ودفعه نحو التنافس فى عمل الصالحات واستباق الخيرات «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» [المائدة: 48].

شهدنا فى العقود الاخيرة اهتزازا مؤرقا فى قيمة التعددية وتصاعدا للمشاعر العدائية والانقسامات الطائفية بين أبناء المجتمعات الواحدة فى عالمنا العربي! وهنا أقول لا معنى للتعددية الدينية دون احترام معتقدات الآخرين وحقهم فى الايمان والعيش وفقا لتلك المعتقدات. ولا بد وأن يرافق هذا الاحترام تشريعات تحمى حقوق اتباع الاديان فى ممارسة تعاليم دينهم .

اشتملت الحضارة العربية الإسلامية على تنوع ثقافى وعِرقى ولغوي، امتزج فيه العرب بالأتراك والبربر والفرس والأكراد والهنود، وغيرهم من الأعراق والقوميات. وفى الوقت الذى كان اليهود يعانون فيه من التمييز والإقصاء فى أحيائهم المعزولة (الجيتو) فى أوروبا، كان العلماء اليهود فى العراق ومصر والمغرب والأندلس جزءًا من الحركة العلمية والأدبية فى الحضارة العربية الإسلامية، وهذا يؤكد أن قوة الشعوب ورقيّها إنما يكون فى قدرتها على تجسيد قيمها الاخلاقية فى واقعها الاجتماعى والاقتصادى والسياسي. وفى نهاية المطاف لا يمكننا أن نستشعر عالمية القيم دون العمل على مساندة الشعوب المظلومة والواقعة تحت جحيم الاحتلال كما هو حال أهلنا فى القدس، وأشيد هنا بموقف شيخ الأزهر الذى انتقد فيه اقتحام ساحات المسجد الأقصى المبارك، وانتهاك حرمات الله بالاعتداء السافر على المصلين الآمِنين. فالاحتلال غير قادر على إدارة الفضاء الدينى فى واحدة من أقدس المدن على وجه الارض، ويعود ذلك إلى التناقض الجوهرى بين همجية الاحتلال وبين القيم الانسانية المشتركة التى يجمعها القرآن فى قوله تعالي: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير»ٌ (الحجرات:13).


لمزيد من مقالات الحسن بن طلال

رابط دائم: