رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الإعلام والإعلان وخلط الأوراق

لا أحد منا يختلف أن الفرق كبير بين علم يسمى الإعلام وعلم آخر يسمى الإعلان.. ورغم التداخل الشديد بينهما فإن المؤسسات الصحفية العريقة كانت دائما ومازالت تضع مسافة بين هذه التخصصات.. وكان الأستاذ هيكل يرفض الخلط فى الموارد والسياسات وحتى الأشخاص ويرفض التداخل بينهما.. وفى كليات الإعلام هناك أقسام للإعلام وأخرى للإعلان ورغم أن المجال واحد والوسائل قد لا تختلف فإن التخصص كان دائما يفرض شروطه..

< ولا شك أن الفرق كبير بين الإعلام والإعلان.. وإذا كان الإعلام يقوم على الحقيقة فإن الإعلان يجنح أحيانا للخيال الذى قد يقترب من المبالغة.. وأساليب الإعلام تقوم على الآراء والأخبار والتحليلات والإعلان يستخدم كل الوسائل فى الإبهار.. وبقدر ما ينجح الإعلام فى درجة الصدق لكى يكون مقنعا فإن من حق الإعلان أن يستخدم كل الوسائل لكى يكون مبهرا وجذابا.. إن الإعلام هو المصداقية والإعلان لا يتردد فى أن يكون مراوغا ولا تعنيه الحقيقة كثيراً..

< رغم أن الحدود كانت واضحة فى وسائل الإعلام التقليدية ومنها الصحافة وكانت إدارات الصحف ترفض الخلط بين دورها الإعلامى واعتمادها على الإعلان كمورد اقتصادى لا يمكن الاستغناء عنه فإنها وضعت ضوابط تمنع التداخل بينهما.. وكانت الصحف تضع سياساتها بما يضمن ذلك بل إنها كانت تفصل الإعلام عن الإعلان بصورة تبدو تعسفية وأعتقد أن هذه السياسات مازالت سارية فى مؤسستنا العريقة الأهرام حتى الآن..

< إن الشيء الجديد الآن أن الإعلام العربى شهد تغيرات أطاحت بكل الثوابت القديمة خاصة الفضائيات العربية.. ولم تعد المنافسة بينها منافسة إعلامية ولكن الصراع الدامى حول الإعلانات.. ولا نبالغ إذا قلنا إن الإعلام العربى تحكمه الآن سوق الإعلانات وليس الخدمة الإعلامية.. قليل جداً ما تقدمه الفضائيات العربية من الأخبار والمتابعة والزيارات والتحليلات.. حتى أن عدد الفضائيات العربية الإخبارية لا يتجاوز خمس أو سبع فضائيات فى حين لدينا عشرات الفضائيات الترفيهية التى تعتمد على الإعلانات فى مواردها..

< أمام تراجع الخدمة الإعلامية اجتاحت الإعلانات الإعلام العربى كله وسقطت عشرات الفضائيات الإعلامية أمام طوفان الإعلان.. وسيطرت المؤسسات الإعلانية على الإعلام العربى بكل وسائله ولأول مرة يصبح الإعلام من توابع الإعلان الذى سيطر على العقل العربى تماما.. أمام هذه السيطرة الإعلانية غاب واختفى دور الإعلام العربى فى فترة عصيبة من الأزمات والمحن.. حتى أن أحداثا كبرى فى أكثر من عاصمة عربية لم تلق الاهتمام الكافى من الإعلام العربى..

< لقد سقطت أكثر من عاصمة عربية فى الحروب الأهلية والاحتلال والدمار دون أن يهتم الإعلام العربى بهذه الكوارث فى العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان.. وأصبح هدف عشرات المؤسسات العربية أن تجرى وراء وليمة الإعلانات التى أصبحت هدفا وإنجازا ونجاحا.. هنا اختلطت الأوراق بين الإعلام والإعلان وأصبح الإعلان هو الذى يحكم برامج الشاشات وسياستها.. ابتداء بإنتاج المسلسلات والبرامج وصناعة النجوم الإعلانية وانتهاء بهذا الطوفان من الإعلانات الذى يحاصر المشاهد ليلا ونهارا..

< وبقدر ما حقق الإعلان من الموارد إلا انه أفسد الإعلام والإعلان معا.. لقد أفسد فنا جميلا يسمى السينما حين اتجه عشرات من نجوم السينما الكبار إلى الإعلانات.. وأصبح من السهل أن تشاهد النجم فى أكثر من إعلان وغاب النجوم عن السينما وغابوا أيضا عن المسلسلات.. لقد خسر الإعلام وخسرت السينما وخسرت المسلسلات والبرامج الجادة وكل ذلك لان الإعلان سيطر على كل شيءٍ.. والدليل على حجم الأزمة أن الصراع على وليمة الإعلان بين الفضائيات العربية فى شهر رمضان يبلغ مليارات الجنيهات فى شهر واحد..

< إن الأزمة الآن وصلت إلى درجة المواجهة بين الإعلام ومسئولياته والإعلان وإغراءاته ولأن الإعلان يملك المال فقد تحكم فى الإعلام.. ويبدو انه لن يتراجع أمام مكاسب كثيرة حصل عليها.. وإذا كانت دولة الإعلان قد انتصرت على مملكة الإعلام بالضربة القاضية فإن الإعلام لابد أن يسترد مكانته ويستعيد مسئولياته.. ولا يمكن أن نتجاهل دور الحكومات والمؤسسات العربية فى دعم المؤسسات الإعلامية ماديا وحرفيا وأن توفر مناخا من الحريات يعيد لها دورها وتأثيرها بين الناس.. إن الإعلان كسب الجولة وهو الآن يتحكم فى كل شيء.. ولكن يبقى أن وعى الشعوب وثقافتها ودورها مسئولية مؤسسات الدولة لأن الإعلان صفقة والإعلام رسالة والمعلن شراء وبيع والإعلام عقل ووجدان وحكمة..

< إن المعركة الآن بين الإعلان والإعلام تؤكد أن الإعلام العربى يواجه محنة قاسية بين شعوب لا تقرأ ولا تكتب وتدفع مليارات الدولارات لشركات المحمول.. إن القضية قديمة وليست جديدة والصراع بين مال الإعلانات ومصداقية الإعلام سوف تبقى ولكن فى ظل سيطرة الإعلان سوف يخسر العقل العربى كثيراً..

< أعود من حيث بدأت نحن أمام علمين مختلفين وطريقين متعارضين.. إن براعة الإعلان تتعارض مع دقة الإعلام وإذا كان المجال واحدا فيجب أن يكون لكل مجال دوره ومسئولياته.. ان درس رمضان هذا العام كشف لنا الحقيقة أن مملكة الإعلام قد رفعت راية الاستسلام أمام الإعلان وعلينا أن ننتظر جولات أخرى..

< أشفقت كثيرا على المشاهد وهو يفتش عن سهرة ممتعة وبرنامج يتسم بالعمق والرصانة ولكنه كان حائرا بين مسلسلات القتل والعنف وإعلانات تستفز فيه كل مشاعر الغضب حيث لا قيمه ولا جمال وكانت الفضائيات العربية تتنافس على الإعلانات التى شوهت كل شيء ابتداء بشركات المحمول وانتهاء بالقصور والمنتجعات وتبحث وسط هذا كله عن برنامج جاد أو حوار حتى الفنانين الكبار الذين اشترتهم شركات الإعلان وحرمتنا من فنهم الراقى، حرام أن يضيع كل هذا الوقت من اجل المال بينما الملايين يجلسون فى حالة من الدهشة والإنكار..

< لا أدرى على من تقع المسئولية الآن من يتحمل مشاهد العنف والضرب والإهانة.. من يتحمل هذه الساعات المملة من الإعلانات من يتحمل مسئولية عدم وجود برنامج جاد أو سهرة ممتعة.. وقبل هذا كله من يستطيع الفصل بين دولة الإعلان المكتسحة ومملكة الإعلام المتراجعة.. إن القضية لم تعد مجرد منافسة أو صراع بين مؤسسات عربية إعلامية تسعى إلى الربح.. ولكنها معركة تحرم المواطن من حقه فى الوعى والمعرفة.

< إن الإعلان استثمار مشروع، ولكن ينبغى ألا يكون ذلك على حساب مؤسسات أخرى فى بناء عقل الأمة.. وينبغى ألا نستهلك الوقت والزمن بين شاشات تتاجر فى المزيد من جمع الأموال دون أن تشارك بأقل جهد فى تقديم خدمة إعلامية مميزة..

< إن للإعلان مدارس، وفيه رموز كثيرة صنعت تاريخا فى الإبداع والتميز والإدارة.. ولن ننسى تجربة الراحل الكبير عبدالله عبدالبارى فى إعلانات الأهرام مع الأستاذ هيكل وكانت تجربة د. سيد أبو النجا فى دار المعارف تجربة رائدة.. وكان مشوار عثمان العبد فى أخبار اليوم انجازا كبيرا.. إن المهم ألا تتحول المؤسسات الإعلامية إلى أبواق إعلانية بما يهدد مستقبل ودور الإعلام العربى ورسالته فى إيقاظ وعى الشعوب والاهتمام بلغتهم وثقافتهم ودورهم فى الحياة..

 

ويبقى الشعر

كُلُّ القُلُوبِ الَّتِى عَاشَتْ أَغَانِيهِ

فِى كُلِّ بَيْتِ بَوَادِى النَّيلِ تَبْكِيهِ

كُلُّ العَصَافِيرِ أَدْمَتْهَا فجيعَتُها

و كُلُّ غُصْ عَلًى الأَشْجَارِ يَرْثِيهِ

فِى كُلِّ عُمْر ٍ لَنَا ذِكرَى تُطَارِدُنَا

فَعُمْرُنَا كُلُّه.. لَحْنُ يُغَنِّيهِ

تَبْكِيَكَ فِى النَّيلِ أَطْلَالُ مُبَعْثَرَةُ

تنعى زَمَانَ الهَوَى.. تَبْكِى لَيَالِيهِ

فَوْقَ الرءوسِ..عَلَى الأَعْنَاقِ نَحْمِلُهُ

بِيْنَ الجِوانح.. فِى الأَعْمَاقِ نُبْقِيهِ

كَيْفَ احْتوتْكَ دُموعُ الشَّمْسِ فِى الَم

وَالحُزْنُ فِى عَيْنِهَا يُدْمِى وَتُخْفيهِ؟

كَيْفَ ارْتَمَى العُودُ فِى أَحْضَانِ عَاشِقِهِ

عِنْدَ الوَدَاعِ وَحُزْنُ الأَرْضِ يُدْميهِ؟

قَدْ كَانَ يَجْرِى وَرَاءَ النَّاسِ فِى فَزَعٍ

وَبَيْنَ أَوْتَارِهِ يُخْفِى مَآسِيهِ

هَلْ أَوْدَعُوا العُودَ فَوْقَ القَبْرِ يُؤْنِسُهُ؟

وَقَبْرُكَ الآنَ هَلْ يَدْرِى بِمَنْ فِيهِ؟

فِيهِ الشُّمُوخُ الذِى غَنِيَّ لَنَا زَمَنًا

عُمْرًا مِنْ الحُبِّ لَنْ نَنْسَى مُغَنِّيهِ

قُدْ كُنْت حِصْنًا..فَكَيْفَ المَوْتُ طَاوَعَهُ

أَنْ يَكْسِرَ الحِصْنَ فِى غَدْرٍ. وَيُلْقِيهِ؟!

كَمْ كُنْتَ تَسْأَلُ: كَيْفَ المَوْتُ يَسْرِقُنَا

مِمَّنْ نُحِبُّ.. وَيُلْقِينَا إِلَى التَّيهِ؟

هَلْ جَاءَكِ المَوْتُ طِفْلًا فِى مَلَامِحِهُ

كَيْفَ اِلْتَقَيْتُمْ.. وَهَلْ سَأَلَتْ مآِقيهِ؟

هَلْ كَانَ يَدْرِى بِقَلْبٍ سَوْفَ يَحْمِلُهُ؟

لَوْ كَانَ يَدْرِى.. لَمَّا امْتدَّتْ أَيَادِيهِ!

 

[email protected]
لمزيد من مقالات يكتبها فاروق جويدة

رابط دائم: