رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

محاولة إصلاح.. بيان 30 مارس نموذجًا

إن الذين درسوا الحقبة الناصرية فى تاريخ مصر أو عاشوها يدركون أن الفترة من نكسة يونيو 1967 حتى رحيل الزعيم فى عام 1970 كانت فترة تصحيح كامل فى كل المجالات، فقد صفى عبد الناصر دولة المخابرات ورفع الحراسات ودفع بعسكرى جسور هو الفريق أول محمد فوزى ليكون القائد العام للقوات المسلحة, بينما اقترب عبد الناصر من جيشه وتعامل مباشرة مع الرتب العسكرية المختلفة، وتعددت زياراته لجبهة القتال، حيث خاضت مصر حربًا باسلة هى حرب الاستنزاف تحت شعار «أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة وأنه لا صوت يعلو على صوت المعركة»، وقد اتسمت تلك السنوات الثلاث بمحاولات جادة للإصلاح والخروج من أسباب الهزيمة والاستعداد للمواجهة العسكرية القادمة لتحرير الأرض واستعادة الكرامة، وقد حفلت تلك الفترة بمراجعات أمينة فى أسباب النكسة والظروف التى أحاطت بها والأوضاع التى أدت إليها، ونستطيع أن نكتشف من محاضر جلسات اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى العربى فى صيف وخريف عام 1967 عملية نقد ذاتى واسعة وصريحة. كشف فيها عبد الناصر الغطاء عن العوار الذى شاب الحياة السياسية والعلاقة بين المؤسسات داخل الدولة الواحدة، حتى لا نجد فى تلك السنوات الأخيرة من حياة عبد الناصر ما يؤخذ عليه إلا ما يسمى بمذبحة القضاء والتى كانت لطمة شديدة للعدالة فى المجتمع المدنى وضربة لاستقلال القضاء، ولقد جاء بيان 30 مارس عام 1968 وثيقة متفردة شارك فى أفكارها عدد من الوزراء المتخصصين وفى مقدمتهم الدكتور عبد العزيز حجازى فضلًا عن صياغة الأستاذ هيكل التى تضيف قيمة لكل وثائق ثورة يوليو من فلسفة الثورة مرورًا بالميثاق الوطنى وصولًا إلى بيان 30 مارس وخطاب التنحى ونعى السادات لعبد الناصر، بل وكتابة أمر القتال لحرب أكتوبر الموجه من أنور السادات القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى ضباطه وجنوده حتى كان العبور العظيم وسقوط أسطورة إسرائيل بأنها القوة التى لا تقهر ولا تعرف الهزيمة، إن بيان 30 مارس فى مثل هذه الأيام منذ أكثر من نصف قرن هو محاولة جادة للمراجعة الأمينة والتوصيف الدقيق للماضى والحاضر تمهيدًا للمستقبل حاول به عبد الناصر الإلحاح على تصحيح المسار والتأكيد على وجود أخطاء لا بد من علاجها وأوضاع أخرى يتعين إصلاحها، وقد تحول مجلس الوزراء فى تلك السنوات الصعبة إلى مركز لصنع القرار الرشيد فى ظل الظروف الكئيبة للنكسة والإحساس العام بالهوان حتى ثأر الجيش المصرى لشعبه وحقق نصرًا مجيدًا فى حرب ظافرة، وأنا شخصيًا ممن يتحمسون للإجراءات الإصلاحية المحسوبة بديلًا للخطوات الثورية غير المدروسة كما حدث فى تاريخنا وتاريخ غيرنا عبر السنين، ولا شك فى أن قادة الرأى وزعماء الإصلاح يدركون ذلك الأمر جيدًا قبل 23 يوليو وبعدها، وقد وقع فى يدى كتاب رائع يعتبر وثيقة إصلاحية رائدة سوف أعود إليها فى مقال مستقل حول كتاب الأداة الحكومية (إصلاح مؤسسات الدولة فى مصر) وهو تأليف مشترك بين قطبين كبيرين فى الفكر السياسى والاجتماعى المعاصر هما إبراهيم مدكور ومريت غالي، ولذلك فإن بيان 30 مارس ليس وثيقة تسبح فى الفضاء ولكنه امتداد لما سبقه وما يتلوه، ويمثل محاولة أمينة للنقد الذاتى والمراجعة العلنية للأخطاء والاتجاه نحو مرحلة مختلفة فى العمل الوطنى العام، ونعود لنقول، ما أكثر الوثائق فى تاريخنا ولدى دول غيرنا ولكن العبرة دائمًا هى اقتراب النص من الواقع والقدرة على تطبيق الأفكار عمليًا والاهتمام بالجدية الكاملة والاستمرار الذى لا يتوقف؛ لأن جزءًا كبيرًا من مشكلاتنا فى مصر هو أننا نبدأ بداية ممتازة ثم نتوقف بعد فترة قصيرة لأننا لا نملك النفس الطويل وليس لدينا حماس متجدد، فنحن ننهض أمام التحدى الكاسح ولا نتفاعل كثيرًا مع ما هو دون ذلك، من هنا فإننا نظن أن التعليم هو البوابة الوحيدة المؤدية إلى مستقبل أفضل لمصر والمصريين، وتبقى الوثائق وكأنها مستندات محورية فى فترات مهمة من مسيرة الوطن، وأتذكر الآن واحدًا من أبرز رفاق العمر وزملاء الدراسة هو الفريق الراحل محمد العصار الذى كان يطلب منى دائمًا أن أكتب عن بيان 30 مارس ولا أعرف سبب اعتزازه بتلك الوثيقة، ولقد ذكرنى بذلك فى العام الماضى قبيل رحيله بشهور قليلة، ولذلك فإننى أكتب هذه السطور عن تلك الوثيقة الإصلاحية فى تاريخنا تنفيذًا لوصية جندى مصرى وطنى راحل، إن بيان 30 مارس الذى مضى عليه ثلاثة وخمسون عامًا سوف يظل علامة من علامات الإجراءات الإصلاحية لنظم الحكم فى بلادنا وواحدًا من المراجعات الفكرية والسياسية والاقتصادية للمسيرة الوطنية فى صعودها وهبوطها وفقًا للظروف الدولية والإقليمية والمحلية، وسوف نعود فى مقال لاحق إلى مفهوم الإصلاح فيما يتصل بالأداة الحكومية على أن يكون مرجعى الأساسى فى ذلك هو الكتاب ذا القيمة الكبيرة الذى أعده الراحلان مدكور وغالي، ذلك أننا نؤمن بأن الفكر الإصلاحى يتقدم دائمًا على الفعل الثورى وأى محاولة تمضى بعكس ذلك لا تحقق نتائجها المرجوة ولا عائدها المنتظر.. إن بيان 30 مارس فضلًا عن أنه إحدى الوثائق المهمة للحقبة الناصرية فإنه تعبير عن الرغبة فى الإصلاح والتى إذا تمكنت بصدق وشفافية وجدية فإنها تنتشل الأوطان من مستنقعات التخلف وبؤر الفساد وتدفعها إلى الأمام دائمًا.


لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى

رابط دائم: