رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ماذا يحدث فى مصر؟

لولا أن هناك تراثا كبيرا من الصدق والمصداقية لكان التوجيه الرئاسى بمنح المواطنين قروضا عقارية بفائدة ٣٪ على مدى ثلاثين عاما سوف يؤخذ بعدم التصديق. السجل طويل من تفريعة قناة السويس إلى إنشاء العاصمة الإدارية إلى التغيير الشامل للتركيبة الجغرافية لمصر بما جد عليها من مدن واتصال ومواصلات إلى إقامة الجامعات إلى آخره ليس ما نعرفه فقط وإنما تراه العين. الخبر إذن حقيقى ولن يمر وقت إلا وهو يتحول إلى خريطة طريق من الرئيس إلى مجلس الوزراء إلى مجلس النواب إلى قانون نعرف أوله وآخره. بالنسبة لجيلنا الذى أتيح له السفر إلى بلاد غربية متقدمة كان أول ما أدهش عيونه كيف أن قوانين العقارات التى تتيح الاقتراض من البنوك مقابل فائدة قليلة وعلى مدى زمنى طويل (ثلاثين عاما فى العادة) هى فى حقيقتها أساس الاقتصاد كله. المنزل أو السكن يمثل حجر الزاوية فى الاقتصاد القومى فى الدولة، فهو فى أول حالة «رأس مال» يمكن أن يكون ضمانا لاقتراض آخر، وهو ضامن للعمل المخلص والدءوب حتى يتسنى دفع أقساط القرض، وهو الذى يسمح للأسرة بأن تعيش فى براح واتساع وربما حديقة وأحياء بالتأكيد تختلف كثيرا عن العشوائيات.

فى هذه الحالة يدخل إلى السوق الاقتصادية شرائح واسعة من الطبقة الوسطى والعمالية وكل من لهم دخل ثابت لا يصاب بلعنة تذبذب الأسعار والتضخم مادام ثمن العقار أولا ثابتا لا يتغير ولا يتذبذب على مدى طويل فيؤثر فى التضخم، بينما ثانيا يطرح طلبا واسعا للمطورين العقاريين لكى يعملوا فيه، ويستخدمون معها عمالا ومواد أولية وخدمات واسعة، وثالثا أن العيش فى المناطق الجديدة والآمنة له دائما آثار إيجابية على الأخلاق العامة فى التسامح والاحترام المتبادل. ورابعا فإنه إحدى الوسائل المهمة المحفزة للخروج من الركود أو فى حالتنا فإنها للخروج من التباطؤ الذى ألم بالاقتصاد بعد جائحة الكورونا.

هى خطوة جريئة لا شك فى ذلك، وهى تتكامل مع خطوات كثيرة جارية وواسعة النطاق، وكلها تشكل حصادا لمجموعة من الحقائق التى لابد من مراعاتها واستثمار نتائجها. أولاها أن مرحلة تثبيت أركان الدولة قد نجحت وفى خلال فترة زمنية معقولة بعد فترة من الفوران والإرهاب. وثانيتها أن الدولة نجحت فى أن تحافظ على معدلات معقولة من النمو حتى بعد أن ألمت بالعالم جائحة عصفت بالاقتصاد العالمي؛ وفى عامها الثانى فإنها رغم التراجع لا تزال معنا. وثالثتها أن مصر من الناحية الجيو سياسية فى إقليمها قد حققت نجاحات لا يمكن تجاهلها. وعلى سبيل المثال فإن المسألة الليبية التى شغلتنا كثيرا بالخطر قبل عام واحد وصلت إلى اختراق كبير على طريق حلها بعد أن تم اختيار رئيس للمجلس الرئاسى الليبى محمد المنفي، ورئيس للحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة بتوافق بين الأطراف الليبية ومباركة من الأطراف الدولية المعنية على خريطة للطريق تأخذ الدولة الليبية على طريق الاستقرار، وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية فى ٢٤ ديسمبر القادم. حلف القادة جميعا اليمين الدستورية وبدأت عجلة دولة عربية شقيقة ومجاورة فى الدوران، وبعد أن كانت كل مشاهدها خطرا، فإن كل قصصها الآن تعطى فرصا كبيرة للمنطقة كلها. لم تكن القضية الليبية على مثل هذه الحالة المثيرة للتفاؤل منذ عشر سنوات عندما نشبت الثورة الليبية فى إطار ما سمى ثورات الربيع العربي، ومن بعدها صدق عليها ما صدق على هذه الثورات فى بلدان عربية أخرى حيث بدأت بتجمعات شبابية كبيرة نجحت فى الإطاحة بنظام العقيد القذافى ومن بعده عصفت بها السنوات ودارت بها من فشل إلى آخر.

عمليا كان التقدم فى الأزمة الليبية أشبه بعملية جراحية ماهرة ومعها بدأت مصر فى تحقيق نجاح آخر. فى جنوب مصر كانت المصالح المصرية العليا مهددة أولا من قبل السودان الذى كان محكوما بنخبة عسكرية ومدنية قوامها الإخوان المسلمون؛ وبقيادة عمر البشير فإن مواقفه فى العموم لم يكن لا صديقا ولا شقيقا لمصر. وثانيا أن إثيوبيا بدأت تخطط فى بناء سد النهضة وفرض بنائه وتشغيله على مصر وسط مخطط يسعى إلى تغيير التوازن الجيو سياسى فى شرق إفريقيا والقرن الإفريقى. ذلك كان يمثل تهديدا لحقوق مصر التاريخية فى مياه النيل؛ ومعها تهديد حدودها الجنوبية بالادعاء ضد الحدود المصرية السودانية حسب ما رسمها خط عرض ٢٢ التاريخي. هذا التهديد جرت عليه عدد من المتغيرات المهمة خلال السنوات الماضية، ومع نهاية عام ٢٠١٩ نشب الحراك السودانى الذى أطاح بحكم البشير والإخوان مما أحدث تغيرات عميقة فى الداخل السودانى وعلاقات السودان الخارجية. وبينما بدأى السودان فى مواجهة حقبة كاملة من حكم الإخوان وآثارها السلبية على تماسك الدولة وقدراتها الاقتصادية، فإن وضع السودان الدولى تحسن بالتخلص من تهمة الإرهاب وبعقد اتفاق للسلام مع إسرائيل. وجاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى السودان على النحو الذى تمت به مؤخرا لكى تبدأ مسيرة من التغيير الإيجابى فى الإطار الجيو استراتيجى المصري. فهو من ناحية يقفل الدائرة الحدودية الجنوبية ويقود العلاقات المصرية ـ السودانية إلى الإطار الممتد إلى البحر الأحمر وإطاراته الأمنية والاستراتيجية المكملة للتأمين الذى جرى غربا فى ليبيا، وفى الشمال الشرقى بتحجيم الإرهاب مصاحبا بالمشروع الكبير لتعمير سيناء. ومن ناحية أخرى فإن إحياء العلاقات المصرية السودانية التاريخية من المحتم أن يحقق عوائد اقتصادية مشتركة للطرفين. ومن ناحية ثالثة فإن التقارب المصرى السودانى يقدم لقلب معادلات العلاقات المصرية السودانية ـ الإثيوبية رأسا على عقب فيعطى فرصة للحل والتعاون الاقتصادي.

التغييرات الداخلية والخارجية فى مصر الآن تفتح الباب لانطلاقة كبيرة سماها الرئيس السيسى الجمهورية الثانية، وفى الواقع فإنها تعطى فرصا كثيرة وجديدة. ولكن فى كل الأحوال فإن الحذر واجب لأن البيروقراطية المصرية لها أساليبها فى حجب كل انطلاق وتفريغه من مضمونه؛ وفى الخارج فإنه يوجد دائما من لا يريدون الخير لمصر.


لمزيد من مقالات د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: