رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الأردن بين عهدين

تربطنى بالأردن الشقيق علاقة ذات خصوصية، فأنا معجب بشعبه الذى يمثل نموذجًا ثقافيًا رائعًا يمزج بين ثقافتى الشام والجزيرة العربية، وهى دولة تميزت بقدر كبير من التعايش الناجح رغم موقعها الجغرافى الصعب والمشكلات المحيطة بها من كل اتجاه والأزمات التى مر بها ملوكها خصوصًا الحسين بن طلال وعبد الله بن الحسين، ولقد أسعدنى كثيرًا أن تلقيت هدية ممتعة هى كتاب الدكتور فايز الطراونة السياسى الأردنى المعروف ورئيس الديوان الملكى الهاشمى ثلاث مرات ورئيس الوزراء مرتين وهو ابن وزير سابق أيضًا، فالنظام السياسى الأردنى اعتمد تاريخيًا على بعض من العائلات السياسية التى بدأت منذ عهد الملك المؤسس لإمارة شرق الأردن عبد الله بن الشريف حسين، فهناك عائلات مثل ـــ وبلا ترتيب ـــ الرفاعى والمجالى والفايز واللوزى والطراونة والخصاونة والنابلسى والتلهونى وطوقان والمفتى والملقى والمصرى وغيرهم من أسماء البيوت السياسية الأردنية العريقة ممن لا تسعفنى الذاكرة بأسمائهم المحترمة، ولقد استمتعت كثيرًا بهدية السياسى الأردنى المرموق والذى أعتز كثيرًا بمعرفته، فقد التقيت به فى عدة مناسبات، كان آخرها فى حفل زفاف بالقاهرة لابن صديق مشترك هو الفنان المثقف خالد زكي، ولقد تصفحت بل والتهمت صفحات ذلك الكتاب المتفرد للدكتور فايز الطراونة والذى جعل عنوانه (فى خدمة العهدين)، والكتاب نموذجى بين كتب السيرة الذاتية لأنه يقدم جزءًا من تاريخ الأردن الحديث والمشكلات التى واجهها، ويؤرخ بأمانة لتاريخ تلك الدولة المتألقة برغم المصاعب والمتاعب التى واجهتها فى العقود الأخيرة، وتطل من بين سطور ذلك الكتاب الذى يقع فى أكثر من خمسمائة صفحة مع ملحق رائع من الصور الملكية المرتبطة بالمناسبات الوطنية للمملكة الأردنية الهاشمية، وتبدو حكمة الحسين بن طلال وراء سطور هذا الكتاب ومواقفه الذكية وقراراته الحصيفة، وأنا أعتز شخصيًا بأن لى مع ذلك الملك الراحل نقطة التقاء، فنحن شريكان فى يوم الميلاد 14 نوفمبر مع فارق فى السنين لا يزيد على تسع سنوات، ولذلك فإن الإذاعة الأردنية كانت تطلب منى كلمة سنوية فى عيد ميلاد جلالته الذى هو أيضًا عيد ميلادى مع جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند الراحل وعميد الأدب العربى د. طه حسين وولى عهد بريطانيا الأمير تشارلز والدكتور بطرس بطرس غالى أمين عام الأمم المتحدة الأسبق، ولذلك فإننى سعيد أن أكون بقيمتى المتواضعة بين هذه الزمرة المتألقة التى يتصدرها الملك الحسين رحمه الله، وكنت كلما زرت الأردن، سواء فى عمان أو العقبة برفقة الرئيس المصرى الراحل مبارك أشعر بتميز ذلك البلد ومكانته، ولا أنسى تواضع الملك الراحل عندما اصطدمت بباب زجاجى شفاف فى القصر الملكى حين نادانى الرئيس الراحل مبارك وهو يجلس مع الملك الراحل الحسين منفردين، ومن فرط الاستعجال لم أر اللوح الزجاجى الذى اصطدمت به فإذا الملك المعروف ببساطة الهاشميين وتواضع آل البيت يهب شخصيًا للتعرف على حجم الإصابة ويهدئ من روعى نتيجة الصدمة المفاجئة، والرئيس مبارك يداعب الملك قائلًا: إننا لن نستطيع تشغيله بعد اليوم حيث حصل على هذا التعاطف الملكى الكبير، ولقد كتب د.الطراونة مذكراته فى أكثر من ستة عشر فصلًا كل منها أمتع من سابقه، مع التعددية الواضحة بين الموضوعات المختلفة بما يدل على تذوق المؤلف لعلوم الاقتصاد والسياسة والاجتماع مع فهم عميق للتاريخ وكتابات رصينة، لا تخلو من مسحة أدبية ونبرة ثقافية واضحة، مع إلمام بفلسفة الإسلام العظيم خصوصًا فى الفصل الذى يتحدث فيه عن مواجهة الإرهاب المستتر تحت عمامة الدين وعباءة الإسلام، بينما الدين الحنيف من كل ذلك براء، وحين يتعرض السياسى الكبير لمحنة مرض الملك الحسين فإنه يكتب الأحداث بعاطفة جياشة ممتزجة بالألم الشديد حزنًا على مؤسس الأردن الحديث وهو يتعرض أيضًا للأيام العصيبة قبيل رحيل الملك ومنها نقل ولاية العهد فى سلاسة وتحضر من الأمير المثقف الحسن بن طلال إلى الابن الأكبر للملك الراحل عبد الله بن الحسين الذى شغل مقعد والده باقتدار وأثبت كفاءة مدهشة وقدرة فائقة على قيادة المملكة فى ظل ظروف صعبة من احتدام الصراع العربى الإسرائيلى إلى سنوات ما سمى بالربيع العربي، فالأردن يملك حدودًا مباشرة ومشتركة مع سوريا والعراق وأيضًا إسرائيل إلى جانب امتداد شديد مع الشعب الفلسطينى الصامد والذى يعتبر الأردن ظهيره الأول وشريكه الأساس فى معاناة السنين على امتداد تاريخ المشكلة الفلسطينية بتداعياتها وملابساتها، ويعطى الكاتب الملك عبد الله الثانى قيمته الحقيقية ويشير إلى قدراته الواضحة التى كانت مفاجأة للجميع الذين كانوا لا يعرفون إلا قليلًا عن الملك الجديد، فإذا به يتمكن من استكمال مسيرة والده باقتدار وذكاء وحكمة، فضلًا عن حنكة سياسية موروثة فى البيت الهاشمى الكبير، ولازلت أتذكر شخصيًا عندما أدى الملك الجديد اليمين الدستورية أمام مجلس الأمة وقدمه زيد الرفاعى السياسى الأردنى المخضرم ورفيق الحسين بن طلال فى الدراسة والحكم حيث كان زيد الرفاعى هو رئيس مجلس الأعيان حينذاك، وقد تقدم من منصة المجلس مناديًا صاحب (الحضرة الهاشمية) الملك عبد الله بن الحسين ملك الأردن الجديد وكأنما كان يبشر بعهد قادم من تاريخ ذلك البلد المتألق دائمًا الصامد أمام الخطوب والضغوط والتحديات، ويشير المصريون دائمًا بارتياح ورضا إلى العلاقات الوثيقة بين عمان والقاهرة فى العقود الخمسة الأخيرة، وقد أدهشنى شخصيًا أثناء زيارتى مع الدكتور أسامة الباز فى لقاء الملك الراحل ورئيس الوزراء أحمد عبيدات عام 1985 أن الطريق إلى القصر الملكى كان يمر بميدان كبير يسمى ( دوار عبد الناصر) رغم أننا نعلم جميعًا الخلافات الحادة بين الملك الأردنى الحسين بن طلال والرئيس المصرى جمال عبد الناصر لأسباب طويلة لا مجال لخوضها ولكن سماحة الملك المعروفة جعلته دائمًا يتعامل مع مصر التى درس فى كلية فيكتوريا بها، قريبًا منها، محبًا لشعبها، حريصًا ـ قدر الإمكان ـ على علاقات طيبة معها، وقد سار على دربه الملك الحالى تأكيدًا للعلاقات الوثيقة بين القطرين العربيين.

إن مذكرات الصديق العزيز والسياسى المحترم الدكتور فايز الطراونة قد أعطتنى نفحة قومية وطاقة إيجابية تجعلنى أعتز به أكثر وأشكره دومًا داعيًا كل من يريد أن يعرف جديدًا عن الأردن الصامد أن يقلب صفحات ذلك الكتاب الذى كتبه صاحبه بأمانة فى خدمة العهدين.


لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى

رابط دائم: